محمد أمزيان: أنا خائن

محمد أمزيان

محمد أمزيان

وبما أن ليس لي عشيقة أجرب معها “الخيانة الزوجية”، وليس لي وطن يخاف عليّ من لعنة “خيانة المواطنة”، فكرت في الخيانات العديدة التي قد أكون اقترفتها في حياتي. الحقيقة أنني صدمت من كثرة خياناتي. وإليكم بعضها.

فأنا خائن لنفسي التي لطالما منّيتُها بمستقبل زاهر، وظهر أنها مجرد أوهام. خائن للحرية التي اعتقدتها حقا مشاعا بين بني الإنسان، وأكد لي الواقع أنها وهم وخيال. خائن لفكري الذي اعتقدته مستقلا، وإذا به أراه مسلوبا ومسيجا بغطاء من التفاهات التي حسبتُها قيما وأعرافا يتوجب الامتثال لها. خائن للقضية التي دافعت عنها بغباء، فاكتشفت أن ليس في الحياة ما يستحق التضحية. خائن لتاريخ مزور منذ أن بدأ التدوين. خائن للدين الذي اختطفه وعاظ السلاطين. خائن للماضي الذي يسجن الحاضر والمستقبل. خائن للحياة التي لم أعرف كيف أعيشها.

“لا تأخذوا هذا الكلام محمل الجد، فأنا فقط كنت أجرب “لعبة الخيانة” التي وصلتني عبر البريد الأزرق منذ مدة. إنها لعبة طريفة حقا، فلنجربها دون أن نخوِّن أحدا”.

خائن لهويتي التي أعمتني عن هويات الآخرين. خائن للغتي التي جعل منها أوصياء اللسان لغة عنصرية. خائن لجغرافيتي التي خنقت أنفاسي. خائن للفقر الذي جعل منه كهنوت الدين فضيلة ونعمة خص الله به المؤمنين. خائن لذلك الإيمان الذي يجعل منك رقما في قطيع. خائن لثقافة القطيع، وخائن لمن يرى في نفسه قائدا للقطيع. خائن لمن يريد أن أفكر كما يفكر هو. خائن لذلك الديمقراطي الذي يحدد الديمقراطية في تصرفه هو فقط. خائن لذلك المناضل الذي اتخذ من النضال مهنة. خائن لذلك الذي ينصحني أن ألتزم بالمتعارف عليه. خائن لذلك الذي يطالبني بوجوب الحذر من الآخر لأنه “خائن”. خائن للذي يطالبني أن أسب وأشتم الحاكم بدون سبب. خائن للحاكم الذي يطالبني بالتعقل في زمن التهور. خائن للعقل الذي دجّنه الحاكم. خائن للذي إن اختلفتَ معه خونك.

خائن لثقافة التخوين، خائن لكل كاره لثقافة الاختلاف، خائن للمتدين المتعصب، خائن للمتحزب الأعمى، خائن لليميني اللص، خائن لليساري المتحجر، خائن للمثقف في برجه العالي، خائن لكل هوية قاتلة، خائن للذات المتسلطة، خائن لمن يقول: “لم يحن الوقت بعد للنقد”، خائن لمن يعتقد نفسه الأصل والباقي فرعا.

خائن للمخزن لأنه مخزن، وخائن لمن يشتم المخزن لمجرد الشتم، وكأن الشتم سيغير من الأمر شيئا. خائن لمن يقول: “هاتوا برهانكم” وهو لا يأتي ببرهان. خائن لمن يحسد الآخر من أجل الحسد. خائن لمن يقول لك: “لماذا نحجت” ولا يسألك: “كيف نحجت”؟ خائن لكل فاشل يعمل ما في وسعه لإشاعة ثقافة الفشل. خائن لكل من يعتبر نفسه مثقفا وهو لم “يُنتج” في حياته ولو فكرة واحدة. خائن لكل من يرى نفسه مثقفا وهو حبيس قالب ثقافي أو ايديولوجي أو هوياتي أو سياسي متكلس. خائن لمن يدعوك للتحرر وهو سجين نرجسيته. خائن لمن يخربش كلاما (مثل هذا) ويعتقد نفسه صانع رأي وأنه سيغير العالم.

أيها السادة،

لا تأخذوا هذا الكلام محمل الجد، فأنا فقط كنت أجرب “لعبة الخيانة” التي وصلتني عبر البريد الأزرق منذ مدة. إنها لعبة طريفة حقا، فلنجربها دون أن نخوِّن أحدا.

نشر في المساء، 3 أكتوبر 2017

Comments

comments