إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي – 3

  • 0
إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

بسم الله والحمد لله وبعد، فبعد المقدمة الضافية التي خطها الأستاذ محمود محمد شاكر، وجد مالك بن نبي أن من المفيد أن يضيف إلى كتابه مقدمة جديدة، يبين فيها الأسباب التي دفعته إلى وضع منهج تحليلي لدراسة ما أسماه “الظاهرة القرآنية”، وهي أسباب منها ما يرجع إلى التاريخ: ذلك أن النهضة الإسلامية أصبحت تتلقى أفكارها وثقافتها من الغرب، حتى إن هذا التأثر البالغ ليصل في كثير من الأحيان إلى أن يمس روح الفكرة الإسلامية ذاتها.

هكذا توغل الاستشراق في البلاد الإسلامية، حتى إن واحدا من المستشرقين البريطانيين (مرجليوث) ما إن وضع نظريته المعروفة في الشعر الجاهلي سنة 1925 حتى نشر طه حسين كتابه في الشعر الجاهلي في السنة الموالية. ثم يُرجع ابن نبي وضعه لهذا العمل إلى عزمه عن وضع منهج تفسيري للقرآن الكريم يتجاوز المنهج القديم، حتى يتسنى للغيارى على الدين أن يقفوا في وجه الامتداد الاستشراقي الذي يسعى إلى هدم الإسلام من أركانه، ويكون من سمات هذا المنهج الجديد النزوع نحو العقل بدل الاعتماد على الأسلوب العربي فقط للوقوف على إعجاز القرآن الكريم، لأن الناس ما عادوا يتكلمون العربية سليقة حتى يتاح لهم أن يقارنوا أسلوبه ببيت من الشعر الجاهلي ليظهروا تهافت مرجليوث ومن تأثر بكلامه.

ينطلق ابن نبي لبيان المنهج الذي سلكه في هذا الكتاب من مقدمة، هي أن القرآن الكريم قد تحدى عرب الجاهلية بأن يأتوا بسورة أو آية على شاكلة أسلوبه ونظمه. وهذا التحدي مرتبط بفترة زمنية معينة تمتد من زمن النزول إلى اختلاط العرب بغيرهم من الأجناس، ذلك أن العرب كانوا أهل كلام وفصاحة، فكان التحدي لهم بما هو أفصح، ولذلك تراجع كثير من شعراء الجاهلية بعد إسلامهم عن قول الشعر، ليس لأن الإسلام قد وقف في وجه الشعر كما ذهب إلى ذلك بعض النقاد الذين يستشهدون بقولة للأصمعي … إنما لتذوقهم الأسلوب القرآني الذي أنساهم عذوبة كل كلام بشري. أما حين تغيرت الظروف وتطورت العلوم زمن العباسيين فقد صار إدراك جانب الإعجاز في القرآن الكريم عن طريق التذوق العلمي أكثر من أن يكون عن طريق الذوق الفطري[1].

يرى ابن نبي أنه ينبغي أن ندرس مفهوم الإعجاز في حدود تاريخ الأديان السابقة، لنقف على دلالته التي يحملها في كل رسالة من الرسالات السابقة. هكذا يتفطن إلى الآية التاسعة من سورة الأحقاف التي تقول “قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم، إن اتبع إلا ما يوحى إلي”، حيث إن الآية المذكورة تحمل إشارة خفية إلى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي إن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته بوصفه ظاهرة، فالدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على سائر الرسالات. من هذه المقدمة يستخلص ابن نبي أنه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات، كما يصح أن ندرس الرسالات السابقة في ضوء رسالة محمد عليه السلام. فالإعجاز إذن مرتبط بطبيعة فهوم الناس وبمستوى إدراكهم للحقائق، فالآية تشير من طرف خفي إلى أن لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق إدراك الخصم[2] !.

قام ابن نبي بقياس معجزة النبي عليه السلام التي هي القرآن الكريم، بمعجزة موسى عليه السلام التي هي العصى المتحولة إلى حية. فقد أعطى الله موسى هذه المعجزة لإبطال سحر سحرة فرعون، هي معجزة يعتبرها ابن نبي متصلة بتاريخ الدين الموسوي لا بجوهره الملازمة له عبر كل الأزمان، بل إن مفعولها لا يتجاوز الجيل الذي شاهد المعجزة والذي نقلها … تكرر نفس الأمر مع عيسى عليه السلام ومع محمد صلى الله عليه وسلم، أي أن الباعث على المعجزة والغاية منها واحد، إنما الذي تغير هو الشكل الذي تظهر فيه لا الجوهر. ولما كان الدين الإسلامي هو الرسالة الخاتمة فإن الحاجة إلى تبليغه للآخرين قائمة، بمعنى أن معجزة القرآن الكريم ينبغي أن تكون خالدة، ليست مرتبطة بالتاريخ شأن الأسلوب العربي، بل يجب أن يكون أمرا يتذوقه عمر بن الخطاب القرشي بنفس الدرجة التي سيتذوقه رجل يأتي في آخر الزمان في بلد غير عربي. فكيف نقرأ القرآن بهذا المعنى الذي سيجعلنا نتذوق معجزته دون الارتكان إلى اللغة والأسلوب؟ هذا السؤال الرئيس الذي سعى ابن نبي في كتابه الذي نحن بصدد معالجته أن يجيب عنه على طول صفحاته التي تربو عن الثلاثمئة، وهذا ما سماه  دراسة القرآن بوصفه ظاهرة، وهذا هو “الظاهرة القرآنية”.

يضم كتاب الظاهرة القرآنية فصولا كثيرة، استهلها فيلسوفنا بالحديث عن الظاهرة الدينية كمعطى فرضه التاريخ، ذلك أن الدراسات الحفرية وما وصلنا من الوثائق التاريخية عن الإنسان الضارب في التاريخ كلها تُجمع على كون الدين ظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسه، حتى وُصف بأنه حيوان ديني، ذلك أن الضمير الديني ظاهرة أصيلة في عمق الإنسان وكينونته، ومن ثم فهي عامل أساس في كل حضارة. وقد جعل ابن نبي الفكرة الدينية الخيط الذي يربط أركان الحضارة الثلاثة (الإنسان والزمن والتراب)، كما سنفصل ذلك حين سنقف عند كتابه الأشهر “شروط النهضة”، ومن ثم فإن المادة قاصرة عن تفسير التاريخ لعجزها عن تزويدنا بنظرية منسقة عن الخلق، ولذلك يرى ابن نبي أن ظاهرة الوحي وحدها تستطيع أن تجيبنا عن بداية الكون وخلق الإنسان وأخبار العالم الماورائي.

يتحدث ابن نبي عما أسماه “الحركة النبوية” بما هي فرع عن تسليمنا بقدرة الوحي على تفسير التاريخ والوجود، ويقصد بها النبوات المنطلقة من فكرة التوحيد، من إبراهيم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليقوم بدراسة البعد النفسي والاجتماعي في شخصية النبي تمييزا له عن منتحل النبوة ومدعيها. ولتقريب الدراسة للقارئ قام ابن نبي بعرض نموذج لنبي من أنبياء الله هو “أرمياء” الذي بُعث في بني اسرائيل، والذي قاوم العقيدة الشعبية السائدة في زمنه وقبيلته. وهذه الخاصية ثابتة في كل الأنبياء الذين أتوا بفكرة التوحيد، ونموذج معاكس مدّع للنبوة هو “حنانيا” الذي وقف موقف الانتهازيين المتبعين للتيار الشعبي، ضد النبي الحق، ذلك أن مدعي النبوة لا يأتي بفكرة ذاتية جديدة، بل يقف موقف المعارض للنبي الحق، وهذا يصدق على كل المنتحلين لها تاريخيا.

إن شهادة نبي الله أرمياء التي نقلها ابن نبي من كتاب (أنبياء اسرائيل) لأندريه لودز، والتي يعترف فيها عن حالته النفسية بعد إنكار قومه لنبوته، حيث أضحت كلمة الله مصدر عار واستهزاء، حتى يقرر أن ينسحب ويأوي إلى مكان بعيد، فإذا بالفكرة تشتعل في قلبه حتى لا يقدر على مقاومتها فيخرج إلى قومه بفعل قوة خارجية تدفعه دفعا. وهذه الصفة يعتبرها ابن نبي الثابتة في كل نبي حق، ثم يعقب: “من الصعب أن نفسر ظاهرة – هذا وصفها- تفسيرا ذاتيا شخصيا، فهناك لغز فسره النقد – المولع بإرجاع كل شيء إلى أفكار ديكارت مهما كلف الأمر – تفسيرا عجيبا هو: أن النبي شخص مزدوج، مزود بذاتين تسأل إحداهما الأخرى، وتتأثر بانكشافاتها!

ولكنهم لم يهتموا بتحديد موضع هذه الذات الثانية في الفرد، الذي يعده علم النفس التحليلي منقسما إلى ميدانين: اللاشعور، والشعور”[3].

انتقل فيلسوفنا بعد بيان البعد النفسي والاجتماعي للظاهرة الدينية والحركة النبوية إلى الحديث عن المصادر المعتمدة في دراسة ما أسماه “الظاهرة القرآنية”، وهو الأمر الذي سنتعرض له في الحلقة الرابعة بحول الله تعالى .

 

(يتبع)

[1] _ مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية، دار الفكر، طبعة 2015 ، ص 62.

_ المصدر نفسه ص 64.[2]

[3] _  المصدر نفسه ص 99/100

Comments

comments