إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي (2)

  • 0
إ

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

بسم الله والحمد لله وبعد، فقد أشرت في المقالة السابقة إلى أني سأتعرض لفكر فيلسوف الحضارة مالك بن نبي بالعرض مع شيء من التفصيل حسب ما يقتضيه المقام، وقد فكرت مليا في الخطة التي سأسلكها لتقريب هذا الذي أصبو إليه إلى القارئ الكريم، فاتفق لي أن أقف مع كل مؤلَّف من مؤلفاته حسب السبق الزمني إلى التأليف. وجدير بالذكر أن ابن نبي لم يولد معرفيا إلا بعد الأربعين من عمره، ولذلك يشعر القارئ لمشروعه الفكري بالنضج الكبير الذي كان يتمتع به هذا المفكر ثقافيا وعاطفيا وسياسيا… حيث كان قارئا لمجمل المشاريع الصادرة من المدارس الفلسفية والفكرية في الغرب والشرق معا، مطَّلعا على ما يجري في العالم من الأحداث.

وقد كان مولوده الفكري الأول هو كتاب الظاهرة القرآنية الذي أصدره سنة 1946 باللغة الفرنسية، ثم قام الأستاذ عبد الصبور شاهين بترجمته ليصدر في طبعته العربية سنة 1958، وكان من أوائل كتبه التي نُقلت للعربية بعد شروط النهضة. ويذكر تلامذته أن هذا الكتاب (الظاهرة القرآنية) صدر منه زهاء خمسة آلاف نسخة نفذت في مدة وجيزة من المكتبات، حيث كان الناس متعطشين لقراءة ما خطه ابن نبي في زمن كان العالم يعيش فيه حالة من الاضطراب والفوضى. وكان العالم الإسلامي يومئذ تحت وطأة الاستعمار وهيمنته. ولسائل أن يقول: ما حظ مالك بن نبي من التكوين الديني ليستهل مشروعه الفكري الذي تجاوز الثلاثين كتابا بالحديث عن الظاهرة القرآنية، وهو الميكانيكي الذي تخرج سنة 1935 مهندسا في فرنسا؟ والجواب عن هذا الاستشكال هو أن مالك بن نبي قبل أن ينتقل إلى فرنسا لاستكمال دراسته قد عاش عمرا في الجزائر امتد من ميلاده سنة 1905 إلى 1930 تخللتها زيارات لفرنسا بين 1925 و1930. هذه الفترة من عمره طالع التراث الإسلامي واستفاد من كتابات الأفغاني وعبده ومحمد رشيد رضا… وعلماء الجزائر، وبعد انتقاله إلى فرنسا ظل وثيق الارتباط بالتراث وعلومه. وإذا كان كثير من المثقفين الذين رحلوا إلى فرنسا قصد استئناف الدراسة قد حصل لهم نوع من الاستلاب الثقافي من جراء ما رأوا من تقدم الحضارة الغربية، فإن مالك بن نبي وقف في مقابل ذلك يرابط على ثغور الدفاع عن الحقيقة كما كان يراها، وفي ذات السياق يأتي كتابه “الظاهرة القرآنية” للتنبيه إلى خطر الدراسات الاستشراقية التي أثرت على الفكر الديني لدى الطلبة الجامعيين. والقارئ للكتاب يقف على مثال تطبيقي لهذا الذي أراد ابن نبي أن يبين خطورته، فقد نشر المستشرق البريطاني مرجليوث دراسة سنة 1925 عن الشعر الجاهلي يقول فيها بالانتحال، ويشك في نسبته إلى شعراء ما قبل البعثة النبوية، ثم تلقفها تلميذه الأديب طه حسين وقال بها وأصدر كتابا سماه ” في الشعر الجاهلي”؛ الكتاب الذي حرك كثيرا من الأقلام متسائلة عن غاياته وأهدافه.

“في تقديري إن كتاب الظاهرة القرآنية الذي كُتب سنة 1947 من المشاريع الأولى التي قامت بنقد ما سمي بعد ذلك بالقراءات الحداثية للقرآن الكريم التي يمثلها في مجالنا التداولي العربي والإسلامي الأستاذ محمد أركون وناصر حامد أبو زيد…”

وإذا كان ابن نبي قد لُقب بابن خلدون المعاصر، لسلوكه في تشخيص أمراض الأمة مسلكه في مقدمته المشهورة، فإن كتاب الظاهرة القرآنية لم يخل هو الآخر من منهج ابن خلدون في النظر إلى كيفية نشوء واستمرار وأفول الحضارات انطلاقا من النص القرآني نفسه، بل إننا لن نكون مبالغين إذا اعتبرنا كل كتابات ابن نبي الأخرى مؤسسة على كثير من السنن والكليات الحضارية الموضوعة أساسا في القرآن الكريم. فلا يكاد كتاب من مجموع مشروعه “مشكلات الحضارة”  يخلو مثلا من الآية الحادية عشر من سورة الرعد “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ، وهي قانون من قوانين بروز وذهاب الحضارات، أو إن شئنا قلنا إنه شرط من شروط النهضة في محور طنجة جاكرتا كما كان ابن نبي يحب أن يعبّر. ثم إن قانون الدورة الحضارية الذي قال به ابن خلدون مقتبسا إياه من آي القرآن الكريم، من مثل قوله تعالى : “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين” ( سورة النمل الآية 69)، ثم تلقاه ابن نبي ليفسر به تطور الحضارة الإسلامية، هذه الحضارة التي وُلدت حسب الرؤية البنابوية في غار حراء ثم عاشت طفولتها وشبابها وكهولتها ثم شاخت وماتت مع الموحدين، ومن زمن الموحدين إلى عصر ابن نبي عاشت الأمة الإسلامية حالة من اللاحضارة، ووُلدت في المقابل حضارة أو حضارات في أماكن أخرى من هذا العالم، ثم درس أسباب ذلك ومؤشراته … كل ذلك إنما ينطلق من الرؤية القرآنية للإنسان وللوجود وللتاريخ. فمالك ابن نبي كان إيمانه راسخا في كون فلسفة التاريخ مبنية أساسا على الكليات التي أرساها القرآن الكريم، هكذا نفهم موقع كتاب الظاهرة القرآنية ضمن مشروعه الذي تُوّج بمؤلفات كثيرة عبر مساره الفكري من 1946 الى وفاته سنة 1973 ببلده الجزائر.

وما يميز فكر ابن نبي وحديثنا الآن عن امتداد كتاب الظاهرة القرآنية الى كل مشروعه إتسامُه بالتكامل والترابط بين كل تفاصيل كتبه، حتى إن القارئ لكتاب مشكلة الثقافة مثلا يجد في وجهة العالم الإسلامي استئنافا لما هو مسطر في الكتاب السابق، وهذا يدل على سعة وشمولية وموسوعية مالك بن نبي وقدرته على الدفاع على الأسس التي وضعها منذ الظاهرة القرآنية وشروط النهضة لفكره الواضح المعالم.

وفي تقديري إن كتاب الظاهرة القرآنية الذي كُتب سنة 1947 من المشاريع الأولى التي قامت بنقد ما سمي بعد ذلك بالقراءات الحداثية للقرآن الكريم التي يمثلها في مجالنا التداولي العربي والإسلامي الأستاذ محمد أركون وناصر حامد أبو زيد… فأن يتصدر كاتب للرد على تيارات أيديولوجية معينة لم تشتهر بعد، وفي ظل التخبطات التي كان يعيشها العالم، وأن يسطره  وهو مسجون ثم يُحرق منه شطر كبير، فيخرج من السجن ويعيد تأليفه من ذاكرته كما كان، فهو أمر يجعلنا نبصم على قولته وهو يودع الحياة “سأعود في القرن المقبل”.

وقد حورب ابن نبي منذ إصداره هذا الكتاب من قبل المستشرقين وأتباعهم من المثقفين العرب، وكان المستشرق لويس ماسينيون زعيمهم، حيث كان الأخير سببا في معاناة ابن نبي اجتماعيا في فرنسا مما جعل القاهرة أمله للتخلص من الضغط الممارس عليه، لأن الكتاب المذكور كان دعوة من ابن نبي إلى وحدة المنهج الفكري في مواجهة الاستعمار في إطاره الثقافي الفاعل في سائر الاتجاهات على أساس استلهامها التراث الإسلامي الجامع لوحدة الشعب العربي والإسلامي والإنسانية عموما[1]. إلا أن الكتاب قد حظي باهتمام خاص من قبل المثقفين والقراء بعد أن قدم له الأستاذ محمود شاكر بعد أن قدم له الشيخ محمد عبد الله دراز في طبعته الفرنسية. والأستاذ محمود محمد شاكر أديب كبير أوقف عمره للدفاع عن العربية ومواجهة التغريب، وكانت بينه وبين طه حسين سجالات وردود ومناقشات، وكان يحظى باحترام كبير في الوسط الثقافي العربي، ولذلك فقد أعطى تقديمه لكتاب الظاهرة القرآنية نفسا جديدا أسهم في نفاذ نسخه الكثيرة آنذاك، وقد أثنى محمود شاكر ثناء بالغا على كتاب الظاهرة القرآنية واعتبر منهجه فريدا ومسلكه رشيدا، يقول عن الكتاب: “أحسبني من أعرف الناس بخطر هذا الكتاب، فإن صاحبه قد كتبه لغاية بيّنها، ولأسباب فصّلها، وقد صهرتني المحن دهراً طويلاً، فاصطليت بالأسباب التي دعته إلى اتخاذ منهجه في تأليف هذا الكتاب ثم أفضيت إلى الغاية التي أرادها، بعد أن سلكت إليها طرقاً موحشة مخوفة، وقد قرأت الكتاب وصاحَبتُه، فكنت كلما قرأت منه فصلا وجدت نفسي كالسائر في دروب قد طال عهدي بها، وخيل إليَّ أن مالكاً لم يؤلف هذا الكتاب إلا بعد أن سقط في مثل الفتن التي سقطتُ فيها من قبل، ثم أقال الله عثرته بالهداية فكان طريقه إلى المذهب الصحيح هو ما ضمنه كتابه من بعض دلائل إثبات إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزّل، أنزله الذي يعلم الخبء في المسلموات والأرض، وأن مبلغه إلى الناس – صلى الله عليه وسلم -، رسول صادق قد بلغ عن ربه ما أمره بتبليغه، وأن بين هذا الرسول الصادق وبين الكلام الذي بلّغه حجازاً فاصلاً، وأن هذا الحجاز الفاصل بين القرآن وبين مبلغه حقيقة ظاهرة، لا يخطئها من درس سيرة رسول الله فاحصاً متأملاً، ثم درس كتاب الله بعقل يقظ غير غافل”[2].

هذه توطئة عامة تعريفية بكتاب الظاهرة القرآنية والسياقات التارخية والثقافية التي كانت وراء كتابته، على أن أقوم بعرض ودراسة محتوى الكتاب في قادم المقالات، والله من وراء القصد.

[1] _ عمر مسقاوي ، في صحبة مالك بن نبي: مسار نحو البناء الجديد، دار الفكر /دمشق ،ج1/  ص 336 .

[2] _ يُنظر تقديم محمود محمد شاكر لكتاب الظاهرة القرآنية، طبعة دار الفكر /دمشق، ص 18.

Comments

comments