قيس مرزوق الورياشي: حراك الريف.. الهيبة أم الثقة؟

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

نظمت اللجنة الوطنية لحراك الريف بالرباط، يوم الثلاثاء 26 سبتمبر، ندوة حول موضوع “السلطة، الريف ومآلات الحراك”.

قدمت في الندوة عروض كثيرة وصلت حد الملل، وقبل عروض المفكرين والسياسيين، ألقى السيد أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي المعتقل في سجن “عكاشة” بالدار البيضاء، كلمة مؤثرة أقف عند نقطة واحدة استرعت انتباهي: في هذه اللحظة نريد إطلاق سراح أبنائنا المعتقلين، هذا هو مطلبنا الآن وليست لدينا مطالب أخرى.

يكفي أن تكون أبا أو أما أو أخا أو زوجة أو ابنا لتفهم معاناة السيد أحمد الزفزافي ومعه عشرات وعشرات العائلات. قد يصل الأمر بالأب أن يقول: نحن لا نريد الآن لا مستشفى ولا جامعة ولا طرقا ولا فرص شغل، فقط أعيدوا لنا أبناءنا. الأبناء يمثلون الآن أولوية، لأن الحرية، في الأصل، هي الأولوية. والبقية يمثل مجال صراع مجتمعي وسياسي طويل ومعقد.

لقد سبق أن قلت بأن الريف أولسيس المغرب، كلما أحس الوطن بخطورة الانفجار، بدلا من أن ينفجر المغرب ككل، ينفجر الريف، فيلعب بذلك دور الوقاية، تماما كدور “أولسيس” عندما يتعرض الجسم للالتهاب. انفجر الريف في مليلية سنة 1863 ثم سنة 1893، وانفجر، الريف في بقوية سنة 1898، وانفجر الريف سنوات 1926-1921، وانفجر الريف سنتي 1959-1958، وانفجر الريف سنة 1984، وها هو ينفجر الآن من جديد.

أسباب هذا التوتر التاريخي معروفة عنوانها غياب العدالة المجالية. تفقير وتهجير وتهميش واستغلال هي العناوين الفرعية لعلاقة الدولة بجزء من كيانها. هي إذن علاقة غير مواطنة لا يمكن أن تنتج غير الضغينة والعداوة. الريف، عندما لا يتماهى مع دولته، يمارس الضغينة إلى أبعد الحدود؛ والدولة، بسلوكها المتكرر الرافض للاعتذار والاعتراف بالحيف وضرورة جبر الضرر الجماعي، وبإمعانها في الانتقام من كل حركة ترمي إلى المطالبة بالحق في الدولة، وبإمعانها في ممارسة العقاب الجماعي، تزيد في تعميق الهوة وتكريس العداوة.

بالنسبة لحراك الريف الذي نعيشه اليوم هناك سوء فهم كبير: عندما يخرج عشرات الآلاف من نساء ورجال وشباب وكهول الريف، وبصفة تكاد تكون يومية، لمطالبة الدولة بتوفير الحد الأدنى من الحقوق، فهذه في حد ذاتها تقوية لشرعية الدولة واعتراف بهيمنتها. لكن، خلافا لذلك، من يتحكم في زمام الدولة يقوم بقراءة أخرى: قراءة لا تختلف عن قراءة 1984.

تصريح أحمد الزفزافي نستنبط منه أنه لا ينتظر من الدولة تحقيق مطالب الحراك. إنه الآن يسعى بكل جهده أن يسترجع ابنه المختطف -المعتقل، كما يمكن أن يفعل أي أب.

في نظري، الدولة لن تستجيب لمطالب الحراك لسببين:

  1. 1. الاستجابة للمطالب معناه تقديم اعتذار تاريخي للريف، والاعتذار يتبعه جلب الضرر الجماعي المتراكم لعقود، ولجلب الضرر فاتورة كبيرة ليست الدولة مستعدة لأدائها في ظل اختياراتها الحالية؛
  2. 2. لن تستجيب لمطالب الحراك لأن الدولة حريصة كل الحرص على “هيبتها”، وبدلا من أن تبحث عن كيفية بناء علاقة مع المواطنين مبنية على الثقة، ما تزال تنظر إلى هذه العلاقة بمنطق دولة القرون الوسطى: الدولة صاحبة الهيبة والمهابة.

وبالرغم من “عناد” الدولة الرامي إلى الحفاظ على هيبتها (وهيبة النافذين المنتفعين منها)، فإن صوت العقل والحكمة لابد أنه سينتصر. كل المشاكل قابلة للحل، وأولى خطوة لحل المشاكل، إطلاق سراح المعتقلين على ذمة حراك الريف.

*المصدر: صفحة الكاتب في الفيسبوك

Comments

comments