سعيد دلوح: صفحات من تاريخ الحراك.. صرخة شهيد -2

  • 0
سعيد دلوح - مدون من الريف

سعيد دلوح – مدون من الريف

ليلة الجمعة 28 من أكتوبر، وجدت جمهرة من الشباب في الحي يتهامسون بارتباك شديد، فى تلك الساعة المتأخرة، كغير عادتهم عندما يشتبكون فى مناقشة البرصا والريال.. وكل واحد ينتصر لفريقه المفضل. تعلو الأصوات حتى تزعج النائمين في البيوت وتسمع لمسافات طويلة. أثناء سكون الليل.. واحد يقول للآخرين.. ربما مات ابتلعته حاوية شاحنة النفايات.. حتى الآن لم يستطيعوا استخراجه، يرد عليه الآخر.. هل انتحر!!؟

حدثت  الفاجعة، بعد تسجيل حالات انتحار متتالية في الريف، حتى وضع الريفيون أيديهم على قلوبهم، وتوقعوا الأسوأ في الأيام القادمة.. الشباب أصيبوا  بالإحباط والفشل، نتيجة البطالة التى ضربت أطنابها فى كل بيت، وحي وزواية… حتى ” الحريك”\ الهجرة في قوراب مطاطية، لم تعد تستهوي الشباب كما كانت في السابق عندما انطلقت من شواطئ الريف قوافل من المهاجرين السريين نحو الشواطئ الإسبانية.. أخبار الباطلة وفقدان الوظائف في الضفة الأخرى، تصل إلى آذان الشباب.. المرسى الذي كان يشكل مصدر الرزق لكثير من العوائل، شبه معطل، بعدما شطروه إلى قسمين.. أصبح القسم الشمالي فارغا، ووضع تحت تصرف ياختات الخليج… يعدون الريف بتنمية سياحية واعدة تخلق فرص الشغل.. أما التجارة فأصيبت بالكساد والشلل التام.. العديد من المحلات اغلقت تحت وطأة الضرائب، وأخرى في طريقها إلى الإغلاق.. غيمة سوداء تربض على المدينة، وكل الريف.. بعد تأخر المطر العام الثاني على التوالي.. أصبح الريفيون ينتظرون شيئا لا يعرفون هويته..

في هذه الأجواء من اليأس والإحباط والإفلاس الذي استوطن قلوبنا جميعا، هرعت إلى مكان الحادث عندما التقطت الخبر من همسات الشباب.. كانت هناك قوة خفية تدفعني إلى الجري، حتى أصل بسرعة وأعرف بنفسي ما يجري.. أسرعت الخطى..على بعد خمس دقائق أو أقل وصلت إلى مكان الحادث، والذي لا يبعد كثيرا عن الحي.. وجدت جمهورا غفيرا احتشد حول سيارة مرسيدس 207 وشاحنة “بيزورنو”؛ الشركة التى عهد لها حمل النفايات فى المدينة. أصوات تتعالى، وهتافات، ممزوجة بالصراخ والعويل.. شبان فوق سيارة المرسيدس يصخرون بصوت عالي ”قتلتوه يا اولاد (…..)”.. هرج ومرج يعم المكان.. أيقنت قبل أن أسأل أن شيئا فضيعا حدث في المكان.. اقتربت من شخص أعرفه وسألته بتوجس وارتباك: ماذا حصل هنا!!؟ أجابني باستخفاف: هؤلاء أصحاب السيارة حاولوا تهريب السمك.. ولما ألقي القبض على السيارة، وصودرت الشحنة.. حاول أحدهم أن ينتحر.. أردت أن أقترب أكثر من أجل تقصي الحقيقة بنفسي.. لكن لم أستطع تخطي رقاب الناس المتحلقة حول شاحنة النفايات.. وأنا أراقب المشهد.. مع كل حركة من أولئك الذين يريدون أن ينتشلوا الشاب العالق في حاوية الشاحنة.. ترتفع معه أصوات التنديد والبكاء والعويل: قتلتموه.. سحقتموه يا أولاد الزنى..

“هرج ومرج يعم المكان.. أيقنت قبل أن أسأل أن شيئا فضيعا حدث في المكان..”

حتى الآن، لم أتأكد من مصير الشاب العالق داخل الحاوية، ولا من هويته.. كنت مصدوما للمشهد الذي انزرع أمامي، والجميع أصيب بالذهول والصدمة. لا أحد يستطيع أن يجيب عن أسئلتي.. إلا أولئك الذين يباركون هذا العمل الشنيع.. اتصل بي صديق وسالني إن كان المتجمهرون من النّاس ما يزالون هناك.. ألم يتفرقوا بعد!!؟ أجبته: إن الناس يتزايدون،  يتجمعون بأعداد غفيرة.. وأكد لي بعد ذلك أن الشاب مات.. هو كان في مكان الحدث.. شاهد بعينه الآلة الحاوية تسحق وتطحن الشاب، بعدما ابتلعته إلى الداخل..

صورت مشهد الفاجعة على بعد أمتار معدودة، وأطلقت الخبر فى الفيسبوك.. وجاءت الردود والتفاعل من كل صوب وحذب.. لم أستطع أن أجيب على كل الأسئلة التي ترد على صفحتي الخاصة…. لكن النبأ الذي هز كياني، وخاض في دمي.. وكدت أسقط على الأرض مغمى علي.. إن الشاب المطحون والذي سحقت عظامه في الآلة الحاوية، هو سهيل فكري.. صديقي واخي.. الذي سبق ان اشتغلنا معا كموزعين لحساب شركة بيبان للحلويات في منطقة الشرق… والصديق أكد لي ان هذه السيارة البيضاء  الجاثمة أمام المحكمة الابتدائية.. تعود له.. هو بعدما غادر أعروي.. عاد إلى إمزورن يشتغل فى بيع السمك.. بمجرد سماعي الخبر انتصب سهيل فكري بملامحه البريئة، ولحيته المشذبة بعناية.. وتلك الحمرة في الوجه التي تعبر عن الحشمة والوقار.. فقد كان صديقا وأخا عزيزا.. شابا طيبا ودودا..يعبر عن أفكاره ومشاعره بالابتسامة أكثر مما يعبر بالكلام.. كان مخلصا ووفيا للصداقات التي تجمعه مع زملائه في العمل..

انهارت قواي، لم أصدق، اتصل بي الصديق مجددا، وسألته أن يتحرى الخبر جيدا.. وأكد لي مرة أخرى الخبر الفاجعة.. وقمت بإطلاق الخبر في الفيس.. لكن مع الوقت بدأت تتضح فصول الفاجعة أكثر، والهوية الحقيقة للشاب المغدور، المعصور في بطن الآلة.. تبين أنه محسن فكري، الأخ الأصغر لسهيل فكري… قمت فورا بالاعتذار للأصدقاء على التشويش الذي حصل.. وعدلت في تدوينة أخرى خبر الفاجعة..

(يتبع)

Comments

comments