إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي (1)

  • 0
إ

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

لن نكون مجانبين  الصواب إذا نحن قلنا إن البروفيسور مالك بن نبي جاء استمرارا لسلسلة من المفكرين المصلحين الذين بدأ بروزهم أواسط القرن التاسع عشر، من أمثال  الأفغاني وعبده وابن باديس… بيد أن ما يميزه عن غيره من رواد الحركات الإصلاحية بالمشرق والمغرب هو المنهج. فقد كان منهجه علميا رياضيا، يشخص أمراض الأمة على خط طنجة جاكرتا تماما كما يفعل الطبيب مع مريضه،  ثم يقدم علاجا رياضيا يجد الجاحد لأفكاره صعوبة في عدم تقبل نتائج تحليلاته لمشكلات الحضارة وللأدوية التي يقترحها لتجاوز هذا المرض أو ذاك. وسنتحدث بتفصيل عن نماذج لهذه التحليلات “العلمية” للواقع والتاريخ الحضاريين فيما سيأتي من الكلام عن فكر هذا الفيلسوف.

هذا المنهج الذي تميز به أهَّله أيضا لأن يكون فكره استبصاريا استشرافيا، فهو رغم انتسابه زمنيا إلى القرن الماضي، حيث إنه توفي سنة 1973م، إلا أن قدرته الاستشرافية أهلت أفكاره لأن تكون حاضرة بقوة ضمن مشكلاتنا الحضارية اليوم. ومما يحضرني وأنا أكتب هذه الكلمات أن رحمة مالك بن نبي وهي ابنته قد أرسلت ورقة إلى ندوة أقامتها جمعية النبراس الثقافية بمدينة وجدة سنة 2005، عنونتها ب “تحقق نبوءة أبي: سأعود بعد ثلاثين سنة”، حيث تذكر في ثنايا مداخلتها أن والدها قد أنذر بإفلاس كل الأيديولوجيات التي تحمل تناقضات في ذاتها، وهو الأمر الذي نراه اليوم في عالم المسلمين. فقد أخفقت كل الطروحات والبدائل التي طُرحت منذ القرن الماضي والذي قبله لتجاوز مشكلة التخلف والتأخر عن الركب الحضاري مع المد العولمي والحداثي وما بعد الحداثي، فكان ابن نبي يرى أن الناس سيعودون لقراءة فكره الذي كان يتسم بالحرية والاستقلالية، ذلك أن المسلم المتشرّب من مهيع سلفي يرى في كتاباته انتقادات لذات المنهج، حتى ليحسبه ضمن طائفة ما من الطوائف التي تخاصف فكره وطريقة فهمه للدين والتراث، كما يجد المتأثر بطريقة من الطرق الصوفية في كتابات مالك بن نبي انتقادات واسعة للتصوف والزوايا وأخلاق الفناء.

“لم يستطع المسلمون إلى حدود الآن أن يستوعبوا تفاصيل مشروعه ويحولوه إلى واقع حضاري، إلا ما كان من بعض النماذج، مثل دولة ماليزيا”

عاش ابن نبي زهاء ثلاثة عقود في فرنسا، وباللغة الفرنسية كتب أكثر كتبه التي سنتحدث عنها تفصيلا فيما سيأتي من الكلام، إلا أنه لم يتأثر بدعوات التغريب كما تأثر صاحب ” تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، وطه حسين وغيرهما كثير بل كان يؤكد في كل مناسبة أن التغيير إنما يأتي من الذات، جاعلا الآية الحادية عشر من سورة الرعد “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” نبراسا به يضيء أفكاره وشعارا عليه خط مشروعه الكبير الموسوم بمشكلات الحضارة. ولأن ابن نبي لم يكن حاشدا للجموع والجماهير على طريقة الوعاظ، حيث إن  فكره متسم بكثير من الصرامة المنطقية وربط النتائج بالمقدمات، فقد ظل حبيس النخبة، ولم يستطع المسلمون إلى حدود الآن أن يستوعبوا تفاصيل مشروعه ويحولوه إلى واقع حضاري، إلا ما كان من بعض النماذج، مثل دولة ماليزيا التي يعترف رئيس وزرائها مهاتير محمد أن نهضة دولته يرجع الفضل فيها إلى نظريات مالك بن نبي. ولعل من المؤسف أن يعلم القارئ الكريم أن دولة اسرائيل تقوم اليوم بدراسة فكر مالك بن نبي في جامعاتها. إننا أهدينا للعالم عبقريا كبيرا، لكننا لم نعترف به عندنا ولم نستفد منه شيئا لحد الآن.

فما سيرة ومسيرة هذا المفكر؟ وما هي إسهاماته وتأملاته الفكرية؟ وكيف شخص الصراع الفكري في البلاد المستعمرة؟ وأين تسير وجهة العالم الإسلامي من منطلق فكره الاستبصاري؟ وأين تكمن مشكلة الثقافة ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي في نظره؟ وما هي القضايا الكبرى التي على المثقفين اليوم أن يقفوا عندها؟ وما موقع المسلم في عالم الاقتصاد؟ وكيف قدم بدائل تطبيقية لإلحاق المسلمين بالركب الحضاري من خلال الفكرة الإفريقية الأسيوية، وفكرة كُمُنولث إسلامي؟ وإن شئنا  أن نجمل هذه الأسئلة والإشكالات التي سنسعى للإجابة عنها انطلاقا من مؤلفات ابن نبي، قلنا ما هي شروط النهضة عند فيلسوفنا؟

أولا: مالك بن نبي في سطور:

ولد مالك سنة 1905م بالقسنطينة الجزائرية، ثم انتقلت أسرته إلى مدينة تبسة وفيها حفظ ما تيسر من القرآن وأتم تعليمه الابتدائي والإعداديّ، ثم عاد إلى قسنطينة حيث حصل على شهادة الثانوية سنة 1925م، وفي سنة 1930م غادر ابن نبي إلى فرنسا لإتمام دراسته، فمنع من دخول معهد الدراسات الشرقية في باريس، ثم توجه إلى مدرسة اللاسلكي التي تخرج منها مهندسا سنة 1935م. تزوج  في فرنسا وأقام بها ثم شرع في التأليف، وفي هذه المحطة المهمة من حياته أقدم على فتح مدرسة في جنوب فرنسا لمحو الأمية وتعليم العمال الجزائريين، بيد أن السلطات الفرنسية سارعت إلى منعه من التدريس فيها لما أحست بخطورة الوعي الذي يريد ابن نبي أن يزرعه في نفوس أبناء المسلمين، وفي عام 1956م انتقل إلى مصر، حيث قضى فيها أخصب محطة في حياته. ففي هذه المرحلة ألف العديد من الكتب المهمة مثل: شروط النهضة، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي…، وكانت له فيها مناقشات مع مفكرين كبار في مصر ك:الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور عبد الله دراز، وسيد قطب. وجدير بالذكر هنا ونحن نتحدث عن محطة ابن نبي المصرية، أن الأديب والمفكر الدكتور عبد السلام  الهراس – رحمه الله – يرجع إليه الفضل في اكتشاف فكر ابن نبي، حيث دعا إلى ترجمة مؤلفاته إلى العربية، وقد كانا يقطنان معا في حي الدقي بالقاهرة سنة 1956. يحكي الدكتور الهراس رحمه الله عن قصة لقائه بهذا المفكر في ورقة أرسلها إلى ندوة النبراس المذكورة فيقول: “في سنة 1956 كتب إحسان عبد القدوس مقالا في مجلة روز اليوسف بعنوان (الاستعمار في نفوسنا)، قال (أي عبد القدوس): زارني كاتب (هو مالك بن نبي) وكان جزائريا، استقبلته وصار يحدثني عن مشروعه، قال: فبدأ يحدثني عن مشاريع كثيرة فلم ألتفت إليه كثيرا، فإذا بي أجد أن الأمر جد وأن شيئا جديدا لديه، فإذا بالرجل يغوص في الأعماق وتركني أسبح على وجه الماء، ثم قال: لأول مرة أرى في حياتي رجلا عنده فكر جديد وجدير بالإنصات والكتابة، وأنا هنا سألخص لكم ما قاله الرجل دون أن أدعي أني استوعبت فكره…”فلما تعرف الهراس ومثقفون آخرون كُثر عن فكره وجالسوه عن قرب وأدركوا عمقه في وصف وعلاج مشكلات الحضارة، أصروا عليه أن يتعلم اللغة العربية ليكتب بها، فلم يأل جهدا في تعلمها حتى أصبح في غضون بضع سنوات ينطقها طلاقة وكتب بها مذكراته شاهد للقرن، واطلع على كتاباته بعد أن ترجمها من الفرنسية الأستاذ عبد الصبور شاهين فأثنى عليها، وبعد استقلال الجزائر سنة 1962 رجع ابن نبي إليها، حيث عين مديرا للتعليم العالي إلى سنة 1967، ليستقل ويتفرغ للكتابة، وفي 31 أكتوبر 1973 توفي رحمه الله بالجزائر، تاركا وراءه تراثا ضخما تجاوز الثلاثين مؤلَّفا، منها تمثيلا لا حصرا: بين الرشاد والتيه، تأملات، المسلم في عالم الاقتصاد، شروط النهضة، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، الظاهرة القرآنية، فكرة الإفريقية الآسيوية، فكرة كمنولث إسلامي، مشكلة الثقافة، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ، مذكرات شاهد للقرن ( في جزئين)، وغيرها كثير.

(يتبع)

Comments

comments