محمد الداودي*: سيدي القاضي.. ماذا يعني “عَلَم تيفيناغ”؟

  • 0

عن الاستشراق المغربي

الدكتور محمد الداودي جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء

الدكتور محمد الداودي
جامعة الحسن الثاني
الدار البيضاء

تضمن نص الحكم على ابن مدينة الحسيمة الممرض نجيب بوزمبو الذي أدين يوم 8 سبتمبر الماضي بسنة سجنا نافذا على خلفية نشاطه في حراك الريف، (تضمن) عبارة تبعث على الاستغراب والضحك. العبارة هي “مصادرة علم تيفيناغ لفائدة الأملاك المخزنية”، وهي إشارة على ما يبدو للعلم الأمازيغي الذي يفترض أنه كان بحوزة الممرض الناشط أثناء اعتقاله.

ماذا يعني “علم تيفيناغ”؟ لماذا استعمل القاضي اسم خط كتابة أبجدية ليسمي العلم الأمازيغي؟ تصوروا لو أننا أطلقنا على العلم المصري اسم “علم الهيروغليفية”، ألن يكون الأمر مدعاة للسخرية والضحك؟ لكن أن يصدر مثل هذا الخلط عن قاض يفترض أنه تلقى تعليما وتكوينا عاليي المستوى هو في الحقيقة أمر مأساوي وليس مضحكا. لكن الجهل بمعنى كلمة “تيفيناغ” هو سبب واحد محتمل فقط. السبب الثاني المحتمل هو أن القاضي قد يكون اعتبر بأن عبارة “العلم الأمازيغي” أكثر خطورة وأشد وقعا من ناحية حمولتها السياسية. ولذلك فمن المحتمل أن رفضه استعمال كلمة “الأمازيغية” هو رفض سياسي يقصد منه نزع الشرعية عن العناوين والتسميات التي يستعملها نشطاء الحركة الاحتجاجية. الأسماء والتسمية كما هو معروف هي جزء أساسي من الصراع السياسي والإيديولوجي. ألا يستعمل المتطرفون الصهاينة تسمية “يهودا والسامرة” بدل “الضفة الغربية”؟ ألا يستعمل المتطرفون البريطانيون البيض التواقون لمرحلة الاستعمار إسم “روديسيا” بدل “زيمبابوي”؟ لكن في هذه الحالة، سيكون القاضي قد أعلن رفضه الواضح لمضامين الدستور المغربي نفسه والذي يَذكُر صراحة كلمة “الأمازيغية” كهوية (في التصدير) وكلغة وطنية (في الفصل الخامس).

لكني شخصيا أستبعد هذين السببين (أي الجهل بمعنى كلمة “تيفيناغ” والحساسية تجاه كلمة “الأمازيغية”). هناك في نظري ما هو أعمق وأخطر وأكثر دلالة في استعمال عبارة “علم تيفيناغ”. كلمة “تيفيناغ” هي كلمة لا تعرف معناها شرائح واسعة جدا من المجتمع المغربي. وهي بالنسبة للكثيرين مصطلح غريب، وحتى بالنسبة لأولئك الذين سبق لهم أن سمعوا بالكلمة من قبل، ترتبط الكلمة لديهم بالمكون الأمازيغي بشكل فضفاض وغامض فقط. فهي قد تعني اللغة لدى البعض، ولدى البعض الآخر العرق، أو الخط أو الكتابة الأبجدية، وربما لدى البعض الآخر المجال الجغرافي. وهذه الغرابة هي بيت القصيد في نص الحكم الذي أصدره القاضي لأنها تثَبت في الأذهان بأن هؤلاء الذين خرجوا للاحتجاج في الريف هم غرباء عن هذا الوطن. هم جزء غير أصيل من “الهوية المغربية”، لغتهم وثقافتهم غريبة الأطوار، والرموز الثقافية والتاريخية التي يستعملونها دخيلة على “الهوية الوطنية”، وبالتالي فمزاعمهم الاحتجاجية مشبوهة وغير بريئة. هذه الرؤية النمطية التي يكرسها الجهل بالآخر أو المعرفة المحدودة به والتي لا تعير كثير اهتمام للدقة اللغوية والمعرفية في وصف الآخر والحديث عن ثقافته هما من خصائص النظرة الاستشراقية التي حللها المفكر الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد في كتابه المعروف “الاستشراق”. بالنسبة للقاضي، كما بالنسبة للاستعمار في نظرته للثقافات والمجتمعات المستعمَرَة (بفتح الميم)، ليس مهما التدقيق في المصطلحات، لأن موضوع الوصف هو دوني الدرجة وثقافته غريبة، وبالتالي فهو لا يستحق مجهودا لمحاولة تسميته ووصفه وتسمية لغته أو ثقافته بشكل دقيق وصحيح. والمقصود في نهاية المطاف بالنسبة للقاضي هو أن العَلَم، سواء كان اسمه “أمازيغيا” أو “تيفيناغ” أو أي شيء آخر، هو عَلَم مرفوض لأنه غريب عن “الهوية المغربية”.

أسَمي هذه النظرة النمطية بالنظرة الاستشراقية لأنها متوارثة من زمن الاستعمار (الفرنسي)، ولأنها، مثل استشراق إدوارد سعيد، يتم التعبير عنها في اللغة اليومية للناس العاديين وفي التمثلات والأحكام الموجودة في الوعي الشعبي عن هذا الجزء الشمالي من البلد. أتذكر أنه منذ بضع سنوات عندما فاز فريق المغرب التطواني بالبطولة الوطنية لكرة القدم، جمعت آخر جولة في البطولة الفريق التطواني بفريق الفتح الرباطي في الرباط. أثناء النقل المباشر للمباراة، علق مذيع قناة الرياضية الناقلة للمباراة على مشجعي الفريق التطواني الحاضرين في ملعب الفتح مسميا إياهم “بالجالية التطوانية”. استعمال مثل هذه العبارة يعبر عن عمق النظرة المتمركزة لهذا الخطاب الاستشراقي الحاضر في لاشعور بعض المغاربة والذي يقضي بأن المغرب يعني الرباط والبيضاء ومراكش وفاس، وأن كل ما يمت بصلة للشمال بشكل عام وللريف بشكل خاص هو غريب. فمصطلح الجالية كما لا يخفى يقصد به فئة بشرية غريبة عن البلد الذي تسكن فيه. يقول ابن منظور في شرح كلمة “الجالية” في معجم ‘لسان العرب':

“جَلا القومُ عن أَوطانهم، يَجْلُون وأَجْلَوْا إِذا خرجوا من بلد إِلى بلد. وفي حديث الحوض: يرد عليَّ رَهْط من أَصحابي فيُجْلَوْن عن الحوض؛ هكذا روي في بعض الطرق أَي يُنْفَوْن ويُطْردون. وقيل لأَهل الذمة الجالية لأَن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أَجلاهم عن جزيرة العرب لما تقدم من أَمر النبي، صلى الله عليه وسلم، فيهم، فسُمُّوا جالية ولزمهم هذا الاسم أَين حَلُّوا، ثم لزم كلَّ من لزمته الجزيةُ من أَهل الكتاب بكل بلد، وإِن لم يُجْلَوْا عن أَوطانهم. والجَالِىَة: الذين جَلَوْا عن أَوْطانهم”.

قد يقول قائل بأن المذيع الرياضي لا يحتاج لمستوى أكاديمي عالي أو أن يكون عارفا بمفاصيل اللغة، لكن كلمة الجالية حتى في الاستعمال المغربي اليومي واضحة في دلالتها على قوم موجود في مكان هو ليس بوطنه. هذه النظرة المتمركزة التي تعتبر نفسها أصيلة بينما تعتبر الآخر غريبا هي من إرث الحماية الفرنسية، وهي ثنائية ترتكز على نفس التقسيم الذي كرسته الحماية. هناك مغرب نافع ومغرب غير نافع. هناك مغرب منظم يحكمه القانون والمخزن، ومغرب سيبة تسوده الفوضى يحتاج للتأديب بشكل دوري ومنهجي. هناك مغاربة حقيقيون ومغاربة غرباء غير أصيلين يحتاجون كل مرة البرهنة على “مغربيتهم” (من أهم ما كتب في السنوات الأخيرة عن بعض هذه الثنائيات وتأثيرها في تشكل الإيديولوجية المغربية كتاب صدر في اواخر 2014 للباحث الأمريكي المختص في تاريخ الحماية إدموند بورك تحت عنوان ‘الدولة الإثنوغرافية: فرنسا وخلق الإسلام المغربي’ The Ethnographic State: France and the Invention of Moroccan Islam).

ورغم مرور أكثر من ستين سنة على الاستقلال، مازالت هذه الثنائيات من إيديولوجية الحماية سائدة ويتبناها رجال الدولة والساسة والأحزاب ولو بشكل غير مباشر. في خطابه إثر انتفاضة يناير 1984، عبر الملك الحسن الثاني مثلا وبشكل واضح عن هذا التشبث بإرث الحماية في مغرب الاستقلال: “يجب على الأساتذة أن يعلموا أنه سيطبق عليهم القانون في المستقبل، القانون الذي عشنا عليه منذ مدة طويلة في الحماية وأكده الاستقلال”.

ويلاحظ شيوع هذا النوع من الخطاب ليس فقط في الوعي الشعبي بل خاصة بين العديد من الساسة والنخب، وهو خطاب يعبر عن افتخار بهذا الإرث الاستعماري الذي يصَور على أنه مرحلة قانون ونظام، وكل ما عدا ذلك يقابَل بالاحتقار والازدراء. ولذلك يُنظَر إلى الريف كما إلى سيدي إيفني وأولاد الشيخ وإميضر، بل وأيضا إلى الطبقات المسحوقة في البيضاء وفاس والرباط بنفس النظرة المتعالية. صحيح أنه في حالة الريف تكتسي هذه النظرة العنصرية حدة أكبر وأبعادا وسياقات تاريخية خاصة، لكنه في نهاية المطاف احتقار نابع من نفس الرؤية الوريثة للمرحلة الاستعمارية.

أتذكر في إحدى الندوات التي حضرت في المكتبة الوطنية بالرباط منذ بضعة شهور حول موضوع المعمار، انبرت إحدى المتدخلات إلى تمجيد فترة الحماية والإنجازات المعمارية التي قام بها المارشال ليوطي (في الرباط) والتي قارنَتْها بالفوضى والقبح الذي يعم البلاد الآن. لم أتفاجأ بهذه المقارنة لأن فيها ما هو مبرر فعلا على أرض الواقع، لكن ما كان مثيرا للاهتمام هو حجم التمجيد لشخص، صحيح أنه يعني الكثير بالنسبة لكثيرين في الرباط والبيضاء، وإرثه العمراني لا يمكن أن ينكره إلا جاحد، لكنه يعني لمعظم المناطق الأخرى في المغرب القهر والفقر وسلب الأراضي التي كانت في ملكية الفلاحين لتُقتطَع لصالح من عينوا لخدمة سلطات الحماية سواء في الغرب أو الأطلس أو الجنوب. أما بالنسبة لأهل الريف فاسم ليوطي لا يذَكر إلا بحرب مفروضة قتل فيها الآلاف وشرد فيها الآلاف وخربت الأراضي والمحاصيل وجُوِع فيها السكان واستعملت فيها أكثر الأسلحة فتكا في تلك الفترة وأجهض فيها مشروع تنموي يعتقد كثيرون في الريف بأنه كان سيوفر على المغرب أكثر من نصف قرن من الزمن التنموي الضائع. تحضرني مداخلة المهندسة المعمارية الميسورة (باللغة الفرنسية في ندوة بالعربية) بينما أتذكر الاستنكار الذي قوبل به ناصر الزفزافي عندما صرح ذات ليلة بأن الاستعمار الإسباني كان أرحم من الحكم المغربي وأن الإسبان على الأقل خلقوا معامل توفر الشغل لعائلات مدينة الحسيمة (اندثرت تدريجيا بعد الاستقلال). إنها لمقارنة جديرة بالتأمل: كيف نقبل بدون عقدة الخطابَ الممجِدَ للحماية الفرنسية لدى بعض الساسة والنخب في حين يدان فيه بشدة تصريح عاطل عن العمل يكاد يجاوز الأربعين من عمره في لحظة غضب دقائقَ بعد طحن مواطن بسيط في حاوية أزبال؟

إن منطق “الجالية” المتحكم في النظرة إلى الريف وأهله، ذلك الجزء من الوطن الذي هو في نفس الوقت غريب عن باقي الوطن، هو ذات المنطق الذي كان متحكما في الموقف من حراك الريف منذ بدايته. وقد سُخِرت لتكريسه مختلف الأجهزة الرسمية والحزبية والآلة الإعلامية الرسمية وغير الرسمية، والتي، منذ خروج السكان إلى الشارع ليلة طحن محسن فكري إلى اليوم، اجتمعت على شيطنة المحتجين والريف بشكل عام وتصويرهم كأعداء لهذا الوطن. والشيطنة، كما هو معروف في كل التجارب التاريخية لحملات الملاحقة، هي عملية ضرورية لتشكيل صورة على الآخر تجعله غريب الأطوار ومختلفا عن المواطن “العادي” بل ويشكل خطرا عليه. ولذلك فهو لا يستحق أن ينظر إليه بنفس الموازين الأخلاقية التي ينظر بها إلى باقي أجزاء الوطن، وهو ما يهيىء الناس العاديين لما يسميه الفيلسوف البولندي الكبير زيغمونت باومان (في كتابه ‘الحداثة والمحرقة’ Modernity and the Holocaust) باللامبالاة الأخلاقية (moral indifference). كما أنها ضرورية للتحضير للعنف الذي سيسلط ضد هذا “الآخر” بشكل يجعله عنفا ليس فقط مبررا لدى العامة بل ضروريا. تجرد عملية الشيطنة ذلك “الآخر” من إنسانيته ومواطَنَتِه بشكل يجعله ناقص الإنسانية وناقص المواطنة، وفي تاريخ المجتمعات البشرية وحملات الملاحقة أمثلة شتى على ذلك لا يسع المجال لذكرها هنا. وفي حالة حراك الريف، اقترنت الشيطنة منذ بدايتها بمجموعة من العناوين كالمخدرات والتهريب والانفصال والأجندات الخارجية، لكن هذا موضوع يحتاج لدراسات وأبحاث مفصلة ولا تسع له تدوينة أو مقالة قصيرة مثل هذه.

في عملية الشيطنة، قد يصبح “الآخر” كائنا منحطا عديم الإنسانية (مثل وصف مقاتلي الهوتو في رواندا للتوتسي بالصراصير) وقد يجرد من اسمه فيصبح رقما فقط لا يعني شيئا (مثلما كان الحال في معسكرات الاعتقال النازية). ألم يكن من اللافت أنه خلال النطق بالحكم على مجموعة من نشطاء الحراك يوم 14 يونيو الماضي في جلسة بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة، أن أشار القاضي في نص حكمه إلى 25 مدانا بالرقم وليس بالإسم، إذ أدين المتهمون “من رقم 1 إلى رقم 25″ بثمانية عشر شهرا سجنا نافذا. لا أعرف إن كانت هذه هي الطريقة التي تتم بها قراءة الأحكام في المحاكم المغربية الأخرى، لكن من الواضح أن هذا يقوض أبسط حقوق المتهم أثناء المحاكمة وهي أن يكون الحكم الصادر واضحا ومسموعا لا لبس فيه بالنسبة للمعني بالأمر، والحال أن الإشارة إلى 25 متهما بالرقم فقط قد يحدث لبسا. لكن ما هو أكثر دلالة في طريقة النطق بالحكم هو الاحتقار الفاضح لكرامة الإنسان الذي لا يستحق حتى أن يذكر اسمه عند النطق بحكم قضائي ضده. لكن هذا الحط من قيمة الإنسان يصبح مستساغا إذا كان ذلك الإنسان يسري عليه ما يسري على “الجالية” و”أهل الذمة”.

* أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

Comments

comments