جمال الكتابي: في ذكرى رحيل قائد انتفاضة الريف.. شهادة سيدة من زمن عام إقبان

  • 0
جمال الكتابي ناشط حقوقي مغربي مقيم في هولندا

جمال الكتابي
ناشط حقوقي مغربي مقيم في هولندا

مقدمة: هذه الشهادة من بين الشهادات القليلة المسجلة بالصوت والموجودة في اليوتوب. الشخص الذي قام بتسجيلها مشكورا لا أعرفه. لقد قمت بترجمتها وكتابتها حتى نعمم المعرفة من جهة، ولحماية الذاكرة من الاندثار من جهة ثانية. أعتقد أن هذه هي الترجمة الأولى لهذه الشهادة. وإذا كان هناك من قام بترجمها قبل هذا الوقت فلا بأس من تصحيح المعلومة.

هذه الشهادة لسيدة ستكون حاليا في نهاية عقدها السادس، لقد كان عمرها ثماني سنوات عندما اندلعت انتفاضة 59/58 بالريف. من خلال حكايتها يتبين أنها وعائلتها كانوا يسكنون في تلك المرحلة بين آيث بوخرف وأربعاء تاوريرث. يعني أن أحداث هذه القصة دارت في هذا المكان، وحتى مكان السجن الذي كان يعتقل فيه والدها ليس ببعيد (مركز باينتي). مع التذكير على أن مقر الحركة كان يوجد في مركز أربعاء توريرت، وهو السبب الذي جعل هذه المناطق المجاورة تتعرض لأبشع الجرائم. ليس من باب الصدف ان يستقر الباحث الأمريكي دافيد هارت وزوجته لسنوات عديدة في هذه المنطقة من أجل إنجاز بحثه القيم المعروف حول: “أيت ورياغل قبيلة من الريف المغربي”. وليس من باب الصدف كذلك أن يختار الباحث الأمريكي بول بولس هذه المنطقة لتسجيل الأغاني الريفية خلال الأعراس. وليس من باب الصدف أن يستقر الشهيد عباس المسعدي بمحاذاة هذه المنطقة وأن يتخذها مكانا للإسناد والإمداد. وليس من باب الصدف أن يبني المهندس العسكري المعماري الإسباني ‘إيميليو بلانكو إنزاكا’ معلمته “القلعة” أو فوسينا ذازوكاغث (بتعبير الأهالي) الشهيرة هناك، والتي اتخذها العسكر آنذاك مكانا لتعذيب وسجن المنتفضين.

حاولت ترجمة وكتابة هذه القصة كما روتها السيدة الفاضلة مع تصرف طفيف فرضه بناء النص. من بين الأسباب التي جعلتني أقوم بترجمة هذه الشهادة القيمة هو أن نجعل هذه القصة حية وقريبة، منا بالإضافة إلى أنها رويت بالريفية، لكن الكثير من المغاربة لا يفهمونها. انتفاضة الريف في سنة 59/58 لها عدة مرادفات باللغة الريفية من بينها: عام يحيا، عام إقبان، عام نذفاذيسث. حاولت ترجمت هذه القصة على عجل لنشرها في ذكرى رحيل قائد انتفاضة الريف تفاعلا مع نداء نجله الأستاذ جمال أمزيان، وكذا وفاء مني للوعد الذي قطعناه مع والده عندما كان على قيد الحياة بضرورة المساهمة في إيصال مشعل الحرية للأجيال. لذا فإنه ليس بنص نهائي وبالخصوص على مستوى الإخراج وهو من وحيي. فمرحبا بكل الملاحظات حتى آخذ بها في إنتاج نص نهائي. أتمنى أن تكون هذه السيدة على قيد الحياة حتى نستفيد أكثر من المعلومات المتوفرة لديها، وهذا ينطبق كذلك على الشخص الذي أنجز الحوار. يمكن دائما الاتصال على الخاص لو توفرت أية معلومة في هذا الجانب.

1- قائد الانتفاضة بلباس عسكري وبندقية على كتفه:

سأحكي لك على عام يحيا، كان عمري آنذاك لا يتعدى الثامنة سنوات، لكنني أتذكرها جيدا وكأنها حدثت اليوم. أتذكر عندما مر على قريتنا ميس نرحاج سلام أمزيان بلباسه العسكري وبندقية على كتفه، أخذ وجبة الغذاء عندنا هنا في قريتنا. بعد الغذاء تابع طريقه مع أربعة مرافقيه إلى جهة ما.

طلبوا من والدي مرافقتهم، لكن والدي رفض وعلل هذا الرفض بمسؤوليته تجاه أطفاله الصغار وزوجتيه بل نسائه الثلاث. ولو أنه كان متزوجا بثلاث نساء لكن والدي كان متقدما في السن. والدي كان له أطفال كثر، فلقد أنجب مع الزوجة الأولى 8 أطفال ومع الثانية 7 أطفال ومع الزوجة الثالثة 6 أطفال، الزوجة الثالثة هي والدتي.

2- احتلال قريتنا وسرقة أملاكنا: 

في نفس اليوم بدأ الإنزال العسكري عبر الحومات وتطويق قريتنا. العسكر طلبوا منا أن نلتزم البيوت وإلا سيصيبنا أذى. بعض من هؤلاء العسكر كان يتكلم تمازيغت (تريفيت)، ولا زلت أتذكر أحدهم المسمى مسعوذ ثاكشوط من قبيلة اجزناية، والآخر من قبيلة قلعية ولكن أصله من أكنول (كزناية) وكان قائدهم. هذا الأخير عاملنا بلطف مع إعطائنا معلبات الحوت المصبر وقال لنا لا داعي للخوف. والدي فضل البقاء في منزلنا مع الأطفال الصغار والماشية. كنا نتوفر على ستة رؤوس من المعز من النوع الجيد. العسكر اختاروا منها اثنتين كانتا الأكبر والأفضل عند والدتي لذبحهما، إحداهما كان اسمها فضيلة والأخرى كان يطلق عليها أخي ذاعاييت. كانتا من أجود ما كنا نكسب من معز. الوالدة تمنت لو ذبحوا في مكانهما الذكور.

“عندما زرنا والدي لأول مرة في معتقله ب “باينتي” لم نستطع معرفته أو نتذكره لأنه كان نحيفا ووجهه يميل إلى اللون الأزرق”

من بعد ذلك بدأوا يبحثون عن والدي وبعد تقديمهم له وعودا بعدم تعرضه لمكروه من طرفهم سلم لهم نفسه. والدي طمأن بدوره أهل الدار بعدم تعرضهم لأي أذى من طرف العسكر كما وعدوه. مما دفع بوالدتي إلى أن تهيئ لهم الخبز الطازج بطلب من العسكر. العسكر الذين اتخذوا من المسجد مأوى لهم طالبوا والدي بإحضار بعض الأواني حتى يتمكنوا من طهي لحم المعز الذي سرقوه منا. والدي أحضر لهم الخبز وبعض الأواني إلى المسجد. هكذا مر اليوم الأول والثاني بدون ‘مشاكل’. اليوم الثالث رجع ثلاثة عساكر على الجياد وطلبوا منا إحضار العلف لهم، فلبينا لهم الطلب مباشرة. أخذوا ما يكفي من الشعير ورجعوا إلى ذلك المسجد. بعد ذلك رجعوا لاعتقال والدي بتهمة مشاركته في الحركة وصلته بحراسة المعتقلين، كما طالبوه بالتعاون معهم لاعتقال بعض المبحوث عنهم. لكن والدي رفض التعاون معهم بدعوى عدم معرفته لهؤلاء الأشخاص المبحوث عنهم. من بين المعتقلين شخص عذبوه على مسامع الجميع، لقد رموه في بركة ماء، وبعدما أشبعوه ضربا أرجعوه إلى المسجد. هذا الشخص توفي من شدة التعذيب رغم أنه كان معروفا عند الأهالي بأنه مخبر (شكام)،

3- البحث عن السلاح، البطش، وقتل زوجة أبي الثانية: 

لقد رجعوا إلينا ليطالبوننا هذه المرة بتسليم قطعة سلاح. اتهمونا باحتجاز السلاح (جويجة). أتذكر جيدا أن والدي لم يكن يمتلك أي سلاح. لذا كانت إجابتنا كأطفال بالنفي، بل لم نستطع فهم كل ما كانوا يقولونه، مما جعل زوجة والدي الثانية التدخل ونفي امتلاكنا للسلاح، وقالت لهم بالحرف “لو كنا نمتلك السلاح (جويجة) كاع ماتعتبوا عندنا هنا…هاجمتمونا بدون حجة لديكم ونحن لم نفعل شيئا يتطلب معاقبتنا بهذا الشكل.. هذا منكر”. زوجة والدي هاته كانت تتقن التحدث بالدارجة لأنها كانت تعيش في سبتة. العسكر لم يستسيغوا جوابها فقبضوا عليها ورموها على الأرض وضربوها بركلاتهم بقسوة على بطنها وهي كانت حامل في نهاية شهرها الرابع، بقيت تنزف حتى ماتت بعد أربعة أيام من هذا الحادث، لم يسعفها أحد لأن والدتي والزوجة الأخرى ونحن الأطفال هربنا إلى الجبل خوفا من اعتقالنا أو قتلنا وخاصة أنهم عذبوا زوجة والدي أمام اعيننا، لقد تم دفنها من طرف بعض الأهالي لأن والدي كان في قبضتهم. لقد تركت أطفالها أيتاما وراءها.

خوفا من بطشهم هربنا واحتمينا في خربة غير بعيدة عن منزلنا بدون أكل ولا شرب، مما اضطررت مرارا الرجوع إلى منزلنا بأمر من والدتي لأبحث لهم عن الطعام كالكرموس الذي كان متوفرا بكثرة لدينا. عندما لاحظ العسكر أنني أذهب إلى المنزل خلسة لأخذ الطعام، طالبونا بالرجوع إلى المنزل لأننا كنا مصدر طعامهم بدورنا. فعلا رجعنا إلى منزلنا وحالة الخوف والترقب حول مصيرنا سيدة الموقف. مع اشتداد أزمة الغذاء عند هؤلاء العسكر رجعوا مرارا إلينا ليأخذوا ما تبقى من طعام وحيوانات أليفة لدينا: أخذوا الأرانب والمعز والكرموس اليابس والبصل والزرع، ولم يبق لنا شيئ نطعم به أنفسنا. لقد قضينا خمسة عشر يوما في هذه الظروف الصعبة، ومع تصاعد غاراتهم علينا اضطررنا للخروج والاحتماء بالغابة المجاورة (أخشّاب) وبالخصوص أنهم هددونا بإشعال النار في منزلنا. لقد كنا ما يقارب 20 فردا وكنا جميعا نفترش حصيرة واحدة دون غطاء ولاغذاء. ومع توالي وتصاعد تهدديداتهم بإحراق حتى المكان الذي احتمينا به في الغابة المجاورة، مما دفع والدتي مرة أخرى إلى الهروب بعيدا والرجوع إلى الخربة التي هربنا إليها في البداية. لقد بقيت هناك، مما اضطرني وباقي إخوتي للخروج بالليل للبحث عن والدتنا التي لم نكن نعرف مكان تواجدها.

في طريقي وأنا أحمل أخي الصغير على ظهري صادفت سلة مليئة بالبيض حملتها معي حتى أسلمها لوالدتي لنستهلكها أو نبيعها، بين السقوط والنهوض في ليل دامس ونحن نسير بين الأودية استطعنا العثور على والدتنا. لقد بقينا على هذه الحالة ثلاثة أشهر. ونظرا لغياب الطعام والشراب اضطررنا إلى إرسال بعض من إخوتي ومن بينهم إخوتي اليتامى من أبي إلى والدي المعتقل في مركز ‘باينتي’، لقد بقوا معه هناك في المعتقل إلى حين إطلاق سراحه، هذا الوضع دفع أحد مسؤولي المعتقل (من قبيلة كزناية) إلى إطلاق سراحه رأفة بالأطفال الصغار.

4 – والدي في قبضة منكور (ملك الموت):

عندما زرنا والدي لأول مرة في معتقله ب “باينتي” لم نستطع معرفته أو نتذكره لأنه كان نحيفا ووجهه يميل إلى اللون الأزرق بالإضافة إلى أنهم اقتلعوا له سنتين.

عندما قابلناه هناك سألناه “هل أنت فعلا أبونا”، كان هو طبعا من خلال صوته لكن من خلال لون وجهه لم يكن هو. أجابنا “أنا ابوكم يا أبنائي، لقد تغير لون وجهي وشكل جسمي لأنني في ضيافة منكور …لقد غذبوني يا أبنائي…عندما يضربونني بركلاتهم أحسن أن قلبي يقتلع من مكانه من شدة الألم”. لقد عذبوه عذابا شديدا رغم سنه المتقدم (64 سنة). لقد اعتقلوا وقتلوا كل من لم يستطع الهروب إلى أماكن آمنة، لذا فأغلب العائلات حاولت الهجرة والخروج من الريف حتى تنجو بجلدها.

الخلاصة:

السيدة حكت قصتها بكل طلاقة وثقة في النفس، مصاحبا بتهكم وحسرة حول ماوقع. من خلال شهادتها يتبين حجم الظلم والفضاعات التي تم ارتكابها في حق أهل الريف حينها. بعد ستين سنة على مرور هذه الفضاعات، مازلنا نرى مثيلاتها مع حراك الريف في سنة 2017. إذا كان البعض يعزى ما وقع آنذاك إلى غياب القانون وأن ضباط الجيش الذين ارتكبوا هذه الجرائم هم نفس المجندين في الجيش الفرنسي، فمباذا سنبرر القمع والعنف الشديد والخروقات التي تحدث حاليا بعد 60 سنة من ‘الاستقلال’ و’دولة المؤسسات’؟

الترجمة والاخراج: جمال الكتابي، أمستردام 11 شتنبر 2017

Comments

comments