سعيد دلوح: مقاطعة العيد ضربة في خاصرة الحراك

  • 0
سعيد دلوح - مدون من الريف

سعيد دلوح – مدون من الريف

أسابيع وأنا ألتزم الصمت.. كنت أتمنى أن لا أضطر للخوض في هذا النقاش العبثي التافه: “مقاطعة العيد من عدمها”، لكن يبدو لي أن هناك من يتعمد في إبقاء هذا النقاش العبثي التافه.. يتصدر المشهد ويلهب مواقع التواصل الاجتماعي ويشغل الرأي العام، بدل التركيز على نقاش القضية الأم.. وهي قضية معتقلينا في السجون..

“ابن دم ..عيذ نيغ اتعيذ شي ..اجيشي ذشغل انو”، هذا يخصك، وشأنك أنت بدل إشغال الرأي العام..
مرة أخرى نسقط في الفخ الذي نصب لنا بإحكام، وهو انجرارانا إلي مناقشة مقاطعة العيد، بدل التركيز على قضية المعتقلين..
هل العيد هو الذي اعتقل ابناءنا وإخواننا؟ لا أدري كيف يفكر هؤلاء.. مبررهم الوحيد أن أجواء الحزن لا تسمح لهم بالعيد. فنحن كلنا حزانى.. كل بيت بيت. استوطنها الحزن.. بل الحزن نزل علينا كثيفا.. يلامس كل رؤوس أبناء الريف.. لا وجود لمظاهر الفرح الذي يميز عادة الأعياد.. لكن علينا أن نميز بين العيد والاحتفال.. لن يمر العيد كما كان يمر في السنوات السابقة..
 إن دعوات مقاطعة العيد، وربما البعض عن حسن نية، هي ضربات مسمومة في خاصرة الحراك..
هذه الدعوات تعطي مبررات للصحف الصفراء أن تتهم الحراك بمعاداة الدين.. التقاليد، الهوية، الموروث… كما أرادوا .سابقا في كمين المسجد. وهكذا نرى عناوين بالخط العريض تتصدر الصفحات الأولى لهذه الجرائد والمواقع. الحراك في الريف يقاطع العيد.. وبالتالي محاولة إثبات  تلك التهم الباطلة وتسويقها شعبيا ومحاولة إيجاد أرضية لها في سلوك بعضنا في هذه المناسبات، وإظهارها ضد الدين وهوية الشعب.. إلا فئة معروفة دخلت على خط النقاش، وهي لا نسمع لها عادة تطرح مواضيع سياسية تتصل بالإنسان والمجتمع  في علاقة الدين بالسياسة.. أو طرح قضية العدالة الاجتماعية… وهي.تدعو فقط إلي أكل رمضان في العلن.. ومقاطعة العيد. المهم أنها علمانية في العيد ورمضان.. وهذا يكفيها.. وهذا أضعف الإيمان.
كان من الأجدر بهؤلاء الذين يدعون إلى مقاطعة العيد، أن يكتبوا عن المعتقلين.. عن مناقبيتهم واحدا واحدا.
هناك شعوب تعيش عقود طويلة تحت الاحتلال، وأخرى تعيش حروب أهلية مدمرة. لكن لم نسمع عن خروج دعوات منها لمقاطعة العيد.. أو إثارة حتى هذا النوع من النقاشات.. لأنه لا أحد يجبر الآخر عنوة على ذبح الأضحية.. فهي شعيرة.. الإنسان يملك كل الحرية في القيام بها أو تركها..
مرت حركات سياسية قدمت تضحيات كبيرة في مناهضة الاستبداد والاستغلال.. وقدمت شهداء ومعتقلين.. وكانت فعلا تملك مشروعا سياسيا.. وليست حركات غوغائية.. لكن لما أرادت  تغيير هوية المجتمع، والبحث عن مجتمع آخر تحلم به.. ناهضت الدين.. حوصرت.. وضربت بدون أن تجد احتضانا شعبيا يدافع عنها، لأننا جميعا عشنا شعارات هذه الحراكات، والتي كانت تدعو الي مقاطعة الشعائر الدينية. ومحاولات السخرية منها.. وإظهارها بمظهر التخلف مثلا.. ما جدوى من نطح  الجبهة بالأرض… قدحا وسخرية بالصلاة. هذه الحركات بقيت معزولة في محيط متدين.. ولما أفلست تحول أنصارها سريعا إلي الطابور الخامس.. طبعا هناك الشرفاء منهم حافظوا على وضوئهم..
كان من الأجدر بهؤلاء الذين يدعون إلى مقاطعة العيد، أن يكتبوا عن المعتقلين.. عن مناقبيتهم واحدا واحدا. أن نكتب.. نتحدث عن حياتهم كيف مرت.. عن تضحياتهم في ردف أسرهم.. عن وجوههم وهي تنتصب في كل لحظة أمامنا.. عن وسامتهم.. أن نبين للعالم أجمع أن  هؤلاء الأحبة لا يمكن أن يكونوا مجرمين، يهددون سلامة البلاد. بل المجرمون الحقيقيون هم الذين نهبوا خيرات البلاد، وجعلوها  دولا بينهم، وهم آمنين في مكاتب مكيفة لم تصل إليهم يد العدالة.

Comments

comments