سعيد حمديوي*: أزمة الريف.. رؤية نقدية

  • 0
الدكتور سعيد حميوي - رئيس قسم هندسة الكومبيويتر - جامعة دلفت التقنية

الدكتور سعيد حميوي – رئيس قسم هندسة الكومبيويتر – جامعة دلفت التقنية

(في هذا المقال الشامل، يقدم البروفيسور سعيد حمديوي، رئيس قسم هندسة الكومبيوتر في جامعة دلفت  للتكنولوجيا بهولندا، رؤيته حول أزمة الريف، منتقدا تعامل الدولة مع مطالب الحراك بالعنف والاعتقال، ومقترحا حلا مستداما للأزمة يقوم على مراحل تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين والشروع في تنفيذ المطالب الشعبية عبر خارطة طريق يساهم فيها كل الشركاء بمن فيهم قادة الحراك. كما ينتقد وضعية الأحزاب السياسية في وضعها الراهن، والتي أصبحت عبئا على المجتمع، ثم يعرج متسائلا عن دور الكفاءات الريفية في المهجر وماذا قدمت للريف، وكيف السبيل إلى تشكيل لوبي ريفي قادر على التأثير في الداخل والإسهام البَنّاء في النهوض باقتصاد الريف عن طريق استثمار كفاءتها وإمكاناتها المادية والمعرفية. المقال لا يخلو من نقد ذاتي واضعا أصبعه على مكامن الخلل البنيوي في الذهنية الريفية وفي العقلية المخزنية التي لم تتغير مع الزمن. بعض الأفكار في المقال قد تبدو صادمة، وخاصة حينما يدعو صراحة إلى تبني النموذج الاقتصادي الصيني في وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب مع الصرامة في المحاسبة).

***********

كثر القيل والقال عن حراك الريف، عن غضب الريف، عن انتفاضة الريف، بما لها وما عليها. والمؤكد أن هذه الانتفاضة فرضت نفسها على الجميع. دخلت بيوت المغاربة والعالم أجمعين، ليس فقط أولئك الذين أحبوها وتفاعلوا معها، بل وحتى الذين عارضوها. فلقد أرغمت الجميع أن يستمع لأصواتها؛ أصوات صادقة تخرج من أعمق أعماق  قلوب أناس  سئموا من الحكرة، من الإهمال، من البطالة. سئموا من الإقصاء (ولو كان نسبيا في نظر البعض)، سئموا من  الشفوي والخطابات والوعود. سئموا من القانون والدستور وحقوق الإنسان التي ظلت حبرا على ورق. أكثر من ذلك سئموا من الانتظار.. طول انتظار، لا يرجون إلا رحمة الله. وكما قال الروائي أنيس منصور: “سئمت من انتظار هذه الرحمة، متى ستأتي، في الحياة أم  في  الممات”.. فآثروا الموت في القوارب بدل الانتظار. 

أناس لم يعودوا يصدقون ما يكتب في الجرائد، ولا ما يبث في الإذاعات ولا حتى ما يقوله (معظم) منتخبيهم وممثلوهم.. أناس شهد لهم العدو قبل الصديق بأنهم دافعوا بكل ما أوتوا من قوة على أرض المغرب ودفعوا الشهداء في سبيل هذا الوطن، اختاروا الوقوف الند للند أمام المستعمر فدحروه من البلاد.. أناس لا يرضون عن الحرية بديلا. أناس اسمهم الريفيون الأمازيغ المغاربة، سكان المغرب الأولون..  أناس  ضاق بهم الحال واشتد، فلم  يكن أمامهم إلا أن يقولوا وبصوت عال: اللهم إن هذا منكر! لقد طال نسيانكم لنا! نحن جزء لا يتجزأ من هذه البلاد! فأين نصيب وجودنا فيها؟

تابعت ولا زلت أتابع أشكال وأصوات وصور انتفاضة الريف (ومختلف مناطق البلاد).. أتابع وأعيش أحداثها لحظة بلحظة، فأسر لبعضها وأحزن لأخراها. أعيش أحداثها لا لكوني ريفي فقط، بل لكوني مغربي يعز ويعتز بالبلاد ويؤمن بأن الاستقرار هو أوكسجين البلاد والعباد؛ استقرار مقرون بالاهتمام بالفئات الهشة، بتقسيم عادل وموضوعي لثروات البلاد وبمحاسبة فعلية لكل من أراد المس بالبلاد والعباد أو ثرواتهم،.ناهيك عن من تعدى حدوده في كل شيء.  

أنتج الحراك ما لم يكن في الحسبان وكشف عن المستور:

  1. أنتج قائدا قل، إن لم نقل انعدم أمثاله في هذا الزمن.
  2.  أظهر أنه ما زال هناك من يحلو له أن يضعنا في خانة الانفصاليين والعملاء وأبناء الاسبان، ويتبنى هو وحده الوطنية والوطن!
  3. أسقط القناع عن الكثيرين؛ عن أحزاب سياسية، عن منتخبين ومسؤولين، عن صحافة مكتوبة ومسموعة ومرئية، عن أساتذة جامعيين ومحللين سياسيين، بل حتى عن الحكومة، بعد ما اتضح  أن عقلية التعامل مع صوت المغاربة، لم تتغير بعد، وأن  رؤية الأجهزة والإدارة قاصرة أكثر مما نتصور.  
  4. عجل من الكشف، من جديد، عن تعثر المشاريع واستفشاء الفساد وضعف المحاسبة، وأن الحل لا يكمن في إسكات وقبر الاحتجاجات، بل في خلق “رؤية مشتركة” (تترجم عبر مشاريع ممنهجة ومستدامة لخدمة الريف والبلاد كافة)، من أجل توفير خمس ركائز لكل مواطن في ربوع المملكة: السكن والصحة والعمل والتعليم والأمن، وهذا ما سيجعل الإنسان المغربي يحس بكرامته كاملة.
  5. وأخيرا، أكد الحراك أن شهامة ورجولة  الريف أبدية، وأن قيم الريف وقيم المغاربة حية لاتموت!

وتلكم خمس من نعم الحراك سأخوض فيها قليلا أسفله، وذلك  ممارسة مني في حقّي الطبيعي في التعبير عن وجهة نظري في أحداث تدور أدوارها في مكان يعتبر جزء من كياني.  

“أفضل ديكتاتورية نافعة وطنية تخدم خالصة للبلاد والعباد وتزج بكل المفسدين في السجون، بدل ديمقراطية صورية شكلية فارغة لا تخدم إلا المحظوظين”

ولادة قائد ريفي جديد

نجح إنسان بسيط يتكلم لغة يفهمها أهله، أن يصنع ما عجز عنه من يسمون أنفسهم بالكبار عندنا. استطاع أن يكون قائدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قائدا رأى فيه الناس أنه يملك رؤية واضحة: الدفاع عن مصالح المواطنين العادلة والمشروعة بشكل سلمي وحضاري؛ حقهم في التعليم والصحة والشغل والكرامة. قائد أقسم أن يضع المصلحة العامة في المقدمة (قبل مصالحه) وأن لا يساوم عليها.. قائد لا يشك الناس في مصداقيته ونواياه.. قائد وهبه الله من الكاريزما وفصاحة اللسان ما لم يهبه لغيره من معاصريه.. قائد خرج من رحم الشعب.. قائد عاش الفقر والحرمان والحكرة كغيره من أغلبية عامة الشعب.. قائد دخل بيوت وقلوب الناس بعفوية وبدون تأشيرة.. قائد استطاع أن يخرج الآلاف من الشباب والشابات، من الشيوخ والنساء، بل حتى الأطفال، إلى الشارع ليرفعوا وبشكل حضاري شعارات موحدة وصل صداها كل أنحاء العالم، بل أصبح الناس يقتنون صوره ويضعونها في أيديهم وفي بيوتهم، ليس كبروتكول أو مرغمين، لكن كموقف وقناعة واحترام لإنسان رأت فيه الجموع من يفهمها، يتكلم بلسانها، بل من يمكن أن ينوب عنها بصدق.. إنسان استطاع أن يحرك المغرب العميق.. فشتان ما بين القائد والقائد.. ولكم في قائد الريف الجديد دروسا  يا أولي الأحزاب والنقابات لعلكم تتعلمون.

انفصاليون أم وطنيون؟

عجبت لزعماء (بعض/أهم) الأحزاب السياسية، وبدون أي خجل، طلعوا علينا بتهمهم النارية: انفصاليون،عملاء، مدعومون من الخارج، يريدون الفتنة، يمسون بالأمن والمقدساتوكم يجيدون استعمال المصطلحات الرنانة وتوجيه قذائف الباطل. تذكرت كل هذا وأنا أسمع وأقرأ مواقفهم خلال أيامي الحزينة وأنا طالب في الجامعة المغربية؛ يوم طردت طردا تعسفيا بتهمة المساس بالأمن والاستقرار، وأدركت أن العقلية القديمة لم تتغير رغم طول السنين ورغم أن العالم من حولنا قد تغير، ورغم كل ما سمعناه وقرأناه عن التغيير، وما تمنيناه أن يكون صحيحا.. الواقع  هو أن دار لقمان ما تزال على حالها.

كم عجبت لهذه الأحزاب كيف اتفقت على نفس المواقف من الريف وفِي وقت وجيز. كم يسهل الاتفاق على المنكرألم يكن من المفروض أن تكون الأحزاب السياسية مدارس مستقلة تربي الأجيال وتنّور الرأي العام، بدل أن تكون ملحقات للآخرين أو مقاولات همها الصفقات؟ ألم يكن من المفروض أن تكون الأحزاب تأخذ هموم الناس كأولويتها بدل الصراع على المناصب؟ ألم يكن من المفروض أن تكون الأحزاب السياسية كالجسد الواحد في تمثيل الشعب، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟

كيف أصبحتم تفتون في وطنيتنا؟ هل أنتم أوصياء على الوطنية؟ قد نتفهم هذا من بعض المواطنين الذين يفرغون حقدهم علينا على مواقع التواصل الاجتماعي، إما لضعف وعيهم وقلة تربيتهم الوطنية، أو لخدمة أجندة معينة. لكن أن تتجرأوا أنتمالمفروض أنكم نخب المجتمع وممثلوه - على قذفنا بتلك النعوت والصفات، فذلك يزيح عنكم مصداقيتكم إن كُنتُم تملكونها أصلا. وكيف تنتظرون منا أن نصدقكم بمجرد تراجعكم عن كلاكم؟ اعذرونا أيها السادة:  نحن  لسنا مختبرا لنظرياتكم البائدة.

أيها السادة، الوطنية تربية، الوطنية قناعة، الوطنية سلوك، الوطنية قيم، الوطنية حب لاشعوري ولامشروط، الوطنية احترام تاريخ الوطن وتقاليده وعاداته، الوطنية مساهمة بالمال والعلم لخدمة البلاد، الوطنية استئصال ورم الفساد، الوطنية تفاعل مع مآسي العباد والإحساس بآلامهم، الوطنية ليست بشراء البلطجية  والشمكارة ومطالبتهم برفع الراية الوطنية أو المشاركة في مظاهرة ورفع شعارات لا محل لها من الإعراب، الوطنية ليست بروتوكولات، الوطنية ليستلسح الكابةمن أجل الخبز والشعير ولكم في التاريخ عبرة يا أولي الألباب!

و.. سقط القناع

 سقط القناع عن الكثيرين، عن أحزاب سياسة، عن منتخبين ومسؤولين، عن أساتذة جامعيين ومحللين سياسيين، عن صحافة مكتوبة ومسموعة ومرئية، بل حتى عن الحكومة بعد ما اتضح  أن عقلية التعامل مع صوت المغاربة لم تتغير، وأن  رؤية الأجهزة والإدارة قاصرة أكثر مما نتصور.

كشفت انتفاضة الريف ضعف، إن لم نقل شلل (معظم) الأحزاب السياسية والمؤسسات، والتي لم تستطع أن تقدم شيئا من أجل احتواء الأزمة وإيجاد حلول موضوعية وعملية. بل عمقت وفاقمت الأزمة بخطاباتها ومقارباتها، الشيء الذي يدل على أنها قاصرة وخاطئة. ومن الأحزاب من وقف صريحا ضد إرادة المحتجين،  ضد إرادة من من يفترض أنهم يمثلونهم. يالها من مفارقات! أكدت الأحداث مرة أخرى أن  (معظم) الأحزاب في واد والشعب في واد آخر، وأن غالبية الأحزاب عندنا هي عبارة عن مقاولات أسهمها في يد قياداتها. إنه صراع أبدي على المواقع..انتهازية مفرطة.. غياب كامل للنقد الذاتي والتقييم الموضوعي للمردودية.. تذبذب وتغير غير مبرر في المواقف.. ضعف وانعدام الإبداع .. تجاهل أو تناسي هموم الناس ومعاناتهم إلا في “المواسم” الانتخابية، ناهيك عن ادعائها تبني الحقيقة المطلقة. ضعف إن لم نقل غياب استقلاليتها وتحولها إلى ملحقات لجهات أخرى أفقدت لها مصداقيتها عند الأحرار والحرائر…

وهنا السؤال الذي يفرض نفسه بنفسه: ما الجدوى من أحزاب لا مصداقية ولا تأثير لها؟ هل نحن في حاجة إلى هذا “السوق” من الأحزاب السياسية التي تكلف ميزانية الدولة (أي جيوب المواطنين) ما لا يُطاق؟ أليس من الأجدر إغلاق هذه المقاولات وتحويل ميزانياتها واستثمارها لخدمة البلاد والعباد؟ قد تقولون: لكن هذا سيكون قمة الديكتاتورية وسيشين صورة البلاد عند غيرنا. اعذروني أيها السادة، فأنا أفضل ديكتاتورية نافعة وطنية تخدم خالصة للبلاد والعباد وتزج بكل المفسدين (بدون تسامح على الإطلاق) في السجون، بدل ديمقراطية صورية شكلية فارغة لا تخدم إلا المحظوظين. نعم تهمني صورة بلادي عند غيري، لكن يهمني كرامة أبناء بلدي ورفاهيتهم وسعادتهم أكثر ما يهمني رضا غيري… ولكم في الصين  دروسا يا أولي الألباب!

ليس غريبا عنا أن نرى بعضا من الأساتذة الجامعيين والمحللين السياسيين والصحافة المكتوبة، يفتون بالبهتان تجاه الأصوات المدوية في الريف. فاستئجار الأقلام والأبواق شيء متعارف عنه ليس في البلدان المتخلفة فقط، بل حتى في الد ول المتحضرة، والتي لطالما تتغنى بالاستقلالية والحياد في الرأي. لكن أن تتعمد قنوات وطنية (يصرف عليها من جيوب المغاربة)  تزوير الحقائق من أجل النيل من أبناء الريف ظلما وعدوانا، فتلك جريمة لا تغتفر، بل حتى الشيطان سيتبرأ منهم! بالله عليكم أي قيم تملك “الأولى”  التي فبركت  فيديوهات لأحداث شغب كروي من أجل إظهار أحداث شغب وتخريب وفوضى مزعومة في مدينة الحسيمة؟ ونفس الفيديو بثته قناة “ميدي 1 تيفي”..  أليس هذا استعمال لمال المغاربة الأحرار من أجل  تزوير الأخبار، وبث صور كاذبة ومغلوطة، وزرع الفتنة في المغرب وتضليل الرأي العام؟ أبهاذا الأسلوب  الإعلامي المنحط والمتدني تريدون أن تربوا الوطنية في الأجيال القادمة؟ كيف تريدون من المغاربة الأحرار أن يثقوا في أخباركم إن كانوا أصلا لا يزالون يتابعونها؟ أهذه هي القيم التي ستبنون بها مغربا حضاريا ديمقراطيا عادلا؟ اعلموا أنه حتى الذين يملكون الحد الأدنى من الذكاء – مثل القردة – سيقولون  إنكم لا تملكون ولو ذرة واحدة من الضمير المهني، وأن ما قمتم به منكر تجاوز كل الحدود.  والأغرب من كل هذا أن الأجهزة والإدارة لم تطالب مدير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بالاستقالة، بل لم تأمر ولو بفتح تحقيق! فكيف لهذه الحكومة أن تبني مصداقيتها عند المغاربة؟ كنا نتمنى أن يتدخل الملك، باعتباره المسؤول الأول على وحدة الوطن وعن سير المؤسسات، ويأمر بإيقاف هؤلاء الذين يخلقون الفتنة الحقيقية بتصرفاتهم هذه.

وماذا عن حكومتنا الموقرة؟ سكوتها عن فضيحة القناة الأولى يمكن أن يفهم على أنها متورطة في الإعداد لسيناريو التحريض والتزوير، بغية تبرير الاعتقالات التي طالت ولا تزال تطال نشطاء حراك الريف. ويالها من رؤية ومقاربة غريبة! ألم يصلكم بعد المثل المغربي الذي يقول:”ما يدوم غير المعقول”؟ لست عالما في التاريخ، لكن أتساءل متى كانت المقاربة الأمنية المبنية على الاعتقالات ومحاصرة المدينة ومضايقة وتفتيش زوارها وقطع الأنترنت عنها وخنق الحركة بداخلها  والتدخلات الأمنية العنيفة في حق المحتجين، أسلوبا لحل مستدام للأزمات الداخلية؟ ألم تزد  هذه المقاربة من حدة الاضطرابات وتزيد الأزمة استفحالا؟ بل أكثر من ذلك  أدت إلى انتشارها في العديد من المدن المغربية، بما في ذلك العاصمة الرباط التي عبرت عن غضب شعبي لم نره منذ أزيد من خمس سنوات؟ أليس من العار ملاحقة المحتجين وإنزال القوات بكامل عدتها إلى الشواطئ لملاحقة المتظاهرين وهم بلباس السباحة؟ صور رآها العالم أجمع، وبينت كم أنتم مبدعين وموهوبين في قمع الشعب في البر والبحر. ألم تروا بعد أن سياستكم – على الأقل تجاه الحراك – فاشلة، غير فعالة وغير وطنية وتعكس ضعف مهاراتكم ومهنيتكم في القيادة (leadership)؟ ألم يبرهن الحراك على مدى الشهور على أنه حضاري وخلاق أكثر مما كان يتوقع الجميع، وأن الاحتجاجات  سلمية وجد منظمة لم  يكسر فيها  زجاج ولم  يمس فيها أحد بسوء؟ ألم يكن أبناء الريف  يبنون سلاسل بشرية من أجل حماية الممتلكات بل حتى رجال الأمن؟ ألم تروا قمة الانضباط في تنظيف المحتجين لساحات وأزقة الحسيمة بعد انتهاء الاحتجاج؟ ألم تكن خصائص هذا الحراك موضوع نقاش قنوات عالمية اعترفت برقي الوعي الشعبي للمحتجين وقيمهم النبيلة؟ هل علمتم  أن الاهتمام بالاحتجاج الريفي وصل صحف عالمية ذات وزن (مثل مجلةالإيكونوميست” البريطانية)، أقروا وأكدوا على مشروعية مطالب المحتجين؟ ألم تفهموا بعد أن مفهوم القيادة العتيق غير نافع ولا مجد  ولا مقبول في هذا الزمن، زمن التكنولوجيا وزمن الوعي السياسي بالحقوق؟  وهنا أود أن أذكركم  بمقولة مشهورة “لتشارلس داروين” يقول فيها:

It is not the strongest of the species that survives, nor the most intelligent, but the one most responsible to the change.”

 

الحل: رؤية مشتركة ومستدامة 

نعم قد نتفق على أنه كان من المفترض أن نرى العَلم المغربي يرفرف في سماء الحسيمة إلى جانب العلم  الأمازيغي.. نعم   قد تحاولون أن تقنعونا  بأن بعضا من المناضلين أخطأوا، وعليه فقد اعتقلوا. طبعا حسب قراءتكم وتأويلكم للقانون من أجل إخراج صياغة هدفها محدد مسبقا.. لكن بالله عليكم هل يخفى على أحد أن الناس خرجوا عفويا للشارع، وكل ما يريدونه هو حقهم في العيش الكريم؟ بل ورددوا مرارا وتكرارا أن  مطالبهم لا تمت للانفصالية بصلة. ثم لماذا لا يعتقل ويحاكم أصحاب “الكبائر” من أبناء “الكبار”؟ أليس هذا في حد ذاته كاف للنزول إلى الشارع للاحتجاج؟ وكما قال المفكر المغربي حسن اوريد: “باسم القانون ترتكب أيضا أبشع الجرائم”.

الريف (وباقي أنحاء البلاد) يحتج لأنه يريد حقه في العيش الكريم والصحة والتعليم وغيرها.. لأنه  يحذر من أخطار الفساد.. لأنه  يريد أن يعرف أين ذهبت الاستثمارات المحلية التي تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات.. لأنه يطالب بالتحقيق في كيفية إنفاق هذا المال وسبب تعثر المشاريع.. لأنه يريد أن يعرف سبب بطء تقدم المنطقة.. لأنه يحذر من الإفراط المبالغ فيه في المقاربة الأمنية والعنف والاعتقال، وهو وقود كل الانفجارات في الدول الشقيقة خاصة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والإحساس باليأس والإحباط وغياب الآفاق.

الريف باحتجاجه لا يريد خلق الفتنة.. لا يريد أن يُهدّد الأمن الوطني واستقرار البلاد..  ومن أعماق أعماقه يريد تجنيب البلاد مخاطر الانهيار الأمني التي وقعت في مصائدها دول شقيقة. الريف يدرك تماما أن الأمن والاستقرار والتعايش هي الرئة التي يتنفس بها المغرب و شعبه، بل العالم أجمع.. الريف لا يريد أن تشتعل النار في البلاد…  وصدق السيد عبد الإله بن كيران عندما شبه المغرب بالسفينة التي إن غرقت فلن ينجو أحد…

وعليه فعلى الجميع التحرك من أجل إيجاد حل شامل وإنقاذ السفينة من الغرق، ليس لحل هذه الأزمة فحسب، وإنما من أجل المستقبل. فالتهميش والاختناق لا يطالان الريف وحده، والإشكال لا يكمن في تعثر مشروع منارة المتوسط، أو إقالة هذا المسؤول أو ذاك،  بل أعمق بذلك بكثير. إنقاذ السفينة إذن لا مفر منه  ولا بد له أن يكون على مراحل وعلى المستويين: الموضوعي والذاتي.

 “لماذا  لم نقدم شيئا مستداما يخدم المنطقة ويؤثر فيها؟”

الشق الموضوعي

من أجل أن نبحر بالسفينة في أعالي البحار ولمسافات طويلة، لا بد لنا أولا أن نوفر الظروف الأولية الضرورية، والتي تمنع السفينة من البدء في الغرق الآن، خاصة وأن الجميع يعرف أنها تعاني من ثقب كثيرة، بعضها صغير وبعضها كبير، ناهيك عن ضعف مهارة ومصداقية جزء من طاقمها على الأقل. وعليه ثمة خطوات استعجالية  لسد الثقب الكبيرة، والتي ستمنعنا من استعجال الغرق:

  1. إطلاق سراح جميع معتقلي حراك الريف، ورفع الحصار الأمني عن إقليم الحسيمة.
  2. محاسبة المعتدين الذين كسروا وخربوا ممتلكات المواطنين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات غير المناسبة والمبالغ فيها على المحتجين السلميين.
  3. خلق لجنة ملكية تضم كل ” لأطراف والشركاء ومن لهم علاقة بالموضوع” بمن فيهم ممثلون عن الحراك وشخصيات وطنية يشهد لها الجميع بمصداقيتها ووطنيتها، وممثلوا المؤسسات والسلطات. هذا من أجل تدارس الأوضاع ووضع خارطة طريق واضحة المعالم تشمل: (1) الاستعجال بإرجاع الهدوء للمنطقة، (2) برنامج عملي محدد في الزمن للاستعجال بالمشاريع المعطلة (مثل مستشفى للسرطان، فك العزلة وشق الطرق، وإقامة جامعة ومصنع لتعليب الأسماك، الخ) ، و(3) برنامج لمشاريع مستقبلية (للمدى البعيد) وفق الأولويات.
  4. فتح تحقيق  بخصوص تعثر المشاريع بالحسيمة ومحاسبة المقصرين. وكما قال عبد اللطيف وهبي: “يجب أن نحدد المسؤولية قبل المحاسبة، ومع من نتحاسب، أي يجب تحديد المسؤوليات والإطار القانوني ثم سنتكلم عن المحاسبة”.
  5. حملة إعلامية لإطلاع المواطنين وتقريبهم من المشاريع التنموية الاستعجالية وبخارطة طريق المنطقة حتى تتضح لهم الرؤية وتتحدد الآفاق.

وتلكم خمس أولويات ستهدأ بها الخواطر و ستؤدي في نهاية المطاف إلى امتصاص حالة الغضب لدى المحتجين. لكن هذا لن يمنع السفينة من الغرق في المستقبل. علينا إذن أن نعمل على تكوين طاقم قيادي يضع مصلحة ركاب السفينة وسلامة السفينة في الأولوية، وعلينا كذلك أن نتأكد من أن السفينة مصنوعة من مواد تتحمل حياة أطول. وتلكم تمثل القيم والركائز الأساسية التي يجب فرضها بقوة القانون ليس فقط لتصحيح ما يمكن تصحيحه لدى القيمين على الشأن العام، ولكن أيضا لتربية الأجيال القادمة عليها. ركائز يجب أن تمثل العمود الفقري لجسد المغرب.

 

  • ربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية. الريف والمغاربة الأحرار يريدون محاسبة فعلية، بحيث يتذوق المسؤولون الخائنون، والذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون، طعم الزنزانة الانفرادية في حر الصيف وقسوة برد الشتاء.
  • المساواة بين المواطنين. الريف والمغاربة الأحرار يريدون  تطبيق صارم  للقانون على الجميع، على “الصغير” و”الكبير”، على الفقير والغني، على أصحاب الامتيازات والمحرومين.. لا أن يحاسب ويسجن  الضعفاء، في حين يكتفي بإقالة الكبار أو تغيير مواقعهم أو إعفائهم أو العفو عنهم.
  • صفر تسامح مع الفساد. الريف والمغاربة الأحرار يريدون مغربا خال من الصفقات المشبوهة، من نهب للمال العام، من إعطاء الامتيازات للبعض، من عدم تكافؤ الفرص، من تمرير المناصب تحت الطاولات، ومن توريث الكراسي.
  • بناء ثقافة النقد الذاتي. الريف والمغاربة الأحرار يريدون  مغربا يسوده حوار صريح وشجاع، نعترف فيه بأخطائنا حتى يتجنبها غيرنا، ونعتز فيها بنجاحاتنا حتى يكررها غيرنا. الريف والمغاربة الأحرار يريدون  لغة غير لغة القمع والترفع والعُلوية.. فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة والصواب دائما، بمن فيهم “المخزن” الذي ينصب نفسه دائما  هو المصيب وهو القادر والأقوى.
  • بناء وطنية فعلية وحقة. الريف والمغاربة الأحرار يريدون مغربا يسوده تقسيم موضوعي وعادل لثروات البلاد، مغربا يستفيد فيه الجميع وبدون استثناء بحقه العادل في ثروة البلاد. فالبلاد ملك المغاربة أجمع! يريدون مغربا لا يحس فيه المغربي غريبا، مغربا يحس فيه الغني بضعف الفقير، والصحي بألم المريض، والسعيد بمآسي الحزين…

وتلكم خمسة أعمدة لا يمكن وضعها بين عشية وضحاها، لكن إذا عملنا من أجلها، سنمنع السفينة من الغرق، وسنشيد مغربا عادلا، والعدل أساس الملك. والله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.

الشق الذاتي

صحيح أن منع السفينة من الغرق مسؤولية الدولة بالأساس. صحيح أن ما يعيشه الريف ومناطق مغربية أخرى مسؤولية الدولة بالأساس، لكن ألم نفكر يوما في مسؤولياتنا نحن تجاه هذه السفينة؟ ماذا قدمنا لها؟ وماذا يمكن أن نقدم لها؟ ألا يمكن مثلا أن نساهم في سد الثقب الصغيرة للسفينة؟ أليس الفرد أساس المجتمع؟ إلى متى سنظل تنهكنا لغة النقد من أجل النقد واتهام الآخر دائما بأنه سبب متاعبنا وهمومنا وهزائمنا، بدل النقد الذاتي البناء، واتخاذ مبادرات بناءة؟ قد تقولون: لكن مجتمعنا ينخره الفساد الإداري والمحسوبية والبيروقراطية، الخ. لكن سأقول لكم: هذه بالضبط هي الحوافز التي يجب أن تقوي إرادتنا من أجل تقديم شيء إيجابي  والمساهمة في التغيير التدريجي  للبلاد نحو الأفضل. أليس هذا جزء من الوطنية الحقة؟

دعونا نأخذ الريف وأبناء الريف المقيمين في هولندا (حيث أقيم أيضا) مثالا. يستعصي علي فعلا أن أجد مبادرات ذات تأثير كبير  قدمناها لمنطقتنا ولبلادنا. صحيح أننا لعبنا  دورا أساسيا في توفير لقمة العيش لأهالينا في الداخل. صحيح أننا شيدنا بنيانا أغلبه فارغ معظم شهور السنة،  لكن لماذا  لم نقدم شيئا مستداما يخدم المنطقة ويؤثر فيها؟ لماذا لم نستطع بناء مقاولات تشغل أبناء المنطقة وتنمي اقتصادها وتساهم في الاندماج الاجتماعي؟ لماذا لم نستطع بناء لوبي من أجل ذلك؟ لماذا لم نستطع مساعدة وتوجيه خيرة تلاميذ المنطقة لتكوينهم في كبرى الجامعات العالمية لكي يخدموا بدورهم المنطقة والبلاد؟ ألا تعلمون أننا نملك رأسمالا كبيرا، لكن لا نحسن تدبيره لغياب ثقافة النقد الذاتي وضعف شعور الوطنية الحقة؟ ففي هولندا يبلغ عددنا أكثر من 300 ألف، فينا أطر عليا تفيد وتؤثر في هولندا وفي كثير من الحالات  في العالم أجمع. ولنفترض أننا نملك مؤسسة لخدمة الريف.. ولنفترض أن كل واحد منا يتبرع بـ يورو واحد فقط للشهر من أجل الريف.. فذاك يعني أزيد من 3,6  مليون يورو في السنة. مبلغ كاف ليس فقط  لنوفر دخلا قارا للحالات الصعبة مثل الأرامل والمعوقين، بل أيضا لإعطاء الانطلاقة  لبعض من المقاولات سنويا تلبي على الأقل بعضا من حاجيات المنطقة وأبنائها.. أليست هذه قمة الوطنية؟  من الذي منعنا ويمنعنا من فعل هذا كله؟ إنها بعض من الركائز الخمس السابقة الذكر! فنحن أيضا مغاربة نحمل بعض النواقص  مثل التي يحملها أهلنا في الداخل. نعم لمطالبة أهلنا في الداخل بالتغيير، ولكن نعم ايضا لمطالبة أنفسنا بالتغيير! وعلينا أن ننطلق حتى نكون قدوة لغيرنا!

قيم الريف من قيم المغرب

مات محمد عبد الكريم الخطابي، مات الكثيرون في أحداث  58 و59، ومات الكثيرون في أحداث 84، ومات آخرون في أحداث 2011.. وسيموت آخرون… كل هذا في سبيل أهداف ومطالب نبيلة ومشروعة، ليقولوا لا للحكرة، لا للانتهازية، لا للفساد والنهب، لا للمحسوبية والزبونية، لا للترهيب، لا للمقاربات “العنفوية”، لا للضبابية، نعم للعدالة الاجتماعية، نعم لتقسيم عادل وموضوعي للثروات، نعم لربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، نعم لتكافؤ الفرص، نعم للشفافية، نعم لتنمية اقتصادية مستدامة يكون عمودها الفقري تكوين علمي يثمن في تكوين مقاولات وشركات وطنية موجهة لإيجاد أجوبة للتحديات، نعم للحوار البناء والأخذ برأي الآخر…

انتفاضة الريف الحالية برهنت مرة أخرى – وللعالم أجمع –  أن مطالب المغاربة لا تفنى بفعل الزمن، بل تمثل جزء من قيمها.. فالهدوء والسكون المفروض بالقمع وفي غياب تحقيق هذه المطالب، لا يعني موت صوت المغاربة بقدر ما يعني أن إعصارا أقوى قادم لا محالة. انتفاضة الريف برهنت كذلك أن قيم الريف، والتي هي جزء لا يتجزأ من قيم المغرب، حية لاتموت.

*سعيد حمديوي

Professor Dependability and Emerging Computer technologies

Head of Computer Engineering Department

Delft University of Technology

The Netherlands

Comments

comments