د. محمد محمد الخطابي: البَلطجَة.. مُصطلحٌ يقضُّ المَضَاجِع وينغّص المَوَاجِع..!

  • 0
د. محمّد محمّد الخطّابي

د. محمّد محمّد الخطّابي

البلطجة، والبلطجيّة، والبلطاجي، والبلاطجة.. مصطلحات أصبحت على أيامنا تقضّ مضاجعنا، وتنغّص مواجعنا. فكلمة “البلطاجي” أمست تعني اليوم الشّخص الذي يقوم بأعمال الشّغب، واستعمال القوّة والعنف، والهجوم الهمجيّ غير المبرّريْن، ومن ثمّ فهو مثير للفوضى، والشّغب، والتجنّي، والاعتداء بالضّرب، والتنكيل، والتعذيب، والقتل إن اقتضى الحال ذلك. وقد أصبح هذا المصطلح يُقال ويُعاد ويُكرّر بإمعان على وجه الخصوص بعد اندلاع ما أضحىَ يُنعتُ، أو يُعرف بـ: “الرّبيع العربي” الذي سرعان ما أصبح فى عُرْف البعض، أو غدَا ، أو كاد أن يغدو خريفاً شاحباً، حزيناً، كئيباً، رديئاً، مُدلهمّاً، وفى بعض الأحيان مُخيّباً للآمال، حيث أمسينا نرى ونسمع فيضاً هائلاً من التعاليق، والمتابعات، والتساؤلات، والمداخلات التي تُنشر فى مختلف الصّحف والمجلاّت، أو على أمواج الإذاعات والتلفزيون، وعبر سائر الوسائل الإعلامية السّمعية والبصرية، ووسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك، وتويتر وما أشبه حوله، إذ يلاحظ أنّ هذا المصطلح عاد للاستعمال بقوّة وأصبح يترىَ، ويُتداوَل، ويُكرَّر بشكلٍ ملفتٍ للنظر بيننا، منذ أن استُعمل بزخمٍ كبير فى مصر على إثر التحرّكات الشعبية ذات الطابع الإجتماعي، والسياسي التي إنطلقت يوم 25 يناير2011 .

هذه الكلمة استُعمِلت عرَضاً – ويا للعُجْب – حتى فى الانتخابات التشريعية التي جرت فى المغرب مؤخراً ضمن تعاليق بعض السّاسة، والسياسيين، والصحافييّن، والإعلاميين، والمعلّقين، والمتتبّعين الذين قاموا بتغطياتٍ متواترة للصّراعات والسّباقات، والمنافسات التي كانت محتدمة، وحامية الوطيس بين مختلف الأحزاب السياسية.. ويا لها من أحزاب خلال هذا الاقتراع الذي عرفته البلاد فى المدّة الأخيرة.

أحداث الحسيمة وبعض المدن الأخرى

الصّور ذاتها الحزينة، والمُؤلمة، والمُؤسفة، والرّدئية، لمعاني هذا المُصطلح المأفون، عكستها تصرّفات، ومشاكسات، ومناوشات، ومشاغبات، ومناغصات، ومواجهات بعض أعمال البلطلجة، والبلاطجة، والبلطاجيين التي رأيناها، وعشناها على مرارة ومضض مؤخراً فى مدينة الحسيمة الآمنة أو فى بعض المدن والحواضر المغربية الأخرى، سواء خلال الاحتجاجات المطلبيّة المتوالية التي عرفتها هذه المدن مؤخراً  فى نطاق ما أصبح يُعرف إصطلاحاً بالحراك، أو غداة إحدى مباريات كرة القدم التي كانت قد جمعت – قبل هذا التاريخ – بين فريقيْ الوداد البضاوي، وشباب الرّيف، فى مدينة الحسيمة ذاتها. هذه اللعبة التي قد تصبح فى بلادنا أو كادت أن تُصبح (لعبة كرة العدَم، أولعبة كرة الندَم، أو لعبة كرة الألَم، أو لعبة دهس البدَن !) نظراً لِمَا أصبح ينتج عنها، ومن خلالها، أو قبلها، أو بعدها من حماقات هوليغانيّة، همجيّة ،سوقيّة، فوضويّة، طائشة ،ساقطة، مُسفّة، هابطة لا تُحمد عقباها بعيدة كلّ البُعد عن الرّوح الرياضية السّمحاء التي تُضرب بها ولها الأمثال.. ما حدث فى الحسيمة وفى تلك المدن الأخرى فى هذا القبيل يطرح تساؤلات ضخمة، واسستفسارات ملحّة ما زالت مُعلّقة فى السّماء لابدّ أن نبحث عن إجابات شافية، كافية، ضافية لها، وأن نجد علاجات عاجلة حاسمة وناجعة لحماقاتها، لأنها شكّلت بغير قليل من الخَجَل والوَجَل أمراً يُندىَ له الجبين حقّاً على مرأى، ومسمع من الناس، والملأ، والمواطنين، والوافدين، والزّائرين، والسيّاح الأجانب، وأمام أنظار رجال حفظ الأمن.. هذه الأحداث المؤسفة أعادت إلى الأذهان مصطلح البلطة، والبلطجة، والبلطاجي، والبلاطجة، والبلطاجيين على المحكّ، ووضعته على سندان الطاولة نصب أعيننا من جديد بالرصاد.

تساءل البعضُ فى المغرب وفى باقي البلدان العربية والمغاربية التي لم يكن فيها استعمال لهذه الكلمة بالذات فى كتاباتهم، أوأحاديثهم اليومية قبل أحداث مصر، تساءلوا عن معنى هذه الكلمة بالذات، وعن مغزاها ومدلولها الحقيقييْن، كما تساءلوا بالمناسبة عن بعض الكلمات الدخيلة الأخرى المُستعملة في العاميّة المصرية على وجه الخصوص التي ردّدتها، واستعملتها، وتداولتها، وكرّرتها الجموعُ الغفيرة الحاشدة، والغاضبة خلال ريّاح التغييرات التي هبّت على بعض البلدان العربية وفى طليعتها مصر، إذ إنه من المعروف، ومن نافلة القول إنّ هناك بالفعل العديد من الكلمات فى العامّية المصريّة التي ترجع في أثلها إلى أصول غير عربية وفى مقدّمتها كلمات تركية واردة، ووافدة، ودخيلة استقرّت فى اللسان المصري الدارج، منذ الوجود العثماني فى مصر، ومن الكلمات التي أصبحت أكثر شهرةً، وحضوراً، وانتشاراً، وتكراراً منذ ذلك الحراك الشعبي التاريخي هي كلمة البلطجة، أو البلطاجي، أو البلطجية على وجه الخصوص.!

البلطة والبلطجة

كلمة “بلطاجي” ( التي كانت موضوع التساؤل أو الاستفسار ) معناها فى الأصل هو (حامل البلطة)، والبلطة باللغة التركية تعني أداة حادّة للقطع، والبّتر، والضّرب كان يستعملها في الأصل الحرّاس أو مَنْ يُطلق عليهم في مصر “الشاويش”، وهي كلمة تركية الأصل، والشاويش معناه الحارس الذي عادة ما يكون في خدمة ” العُمدة” أو المأمور أو الكمدار، والذي عادة ما يَحمل على كتفه بندقية كبيرة، ويرتدي معطفاً كبيراً سميكاً، وطربوشاً مميّزاً يقيانه لفحة البرد القارص في الليالي الحالكات يُسمّي عندهم “بالبالطو” وكلمة المانطو (الفرنسية) أو البالطو المستعملة فى مصر كما ترى قريبة جدّا من كلمة ” البلط” ومن”البلطاجي” كذلك. و(البلطجية) عادة ما يكونون مأجورين للقيام بمثل هذه الأعمال الشّنيعة من إعتداءات، وتجاوزات، أيّ مرتزقة بمعنى أدقّ. ويقال إنّ النظام المصري استعملهم خلال الانتفاضات التي عرفتها أرض الكنانة لفضّ المظاهرات المتكرّرة، والاحتجاجات الغاضبة التي جرت خلال ربيع “الثورة”(!) وخريفها كذلك..! وقد أصبحت هذه الكلمة اليوم – كما أشرنا من قبل- تعني الشّخص الذي يقوم بأعمال الشّغب، واستعمال القوّة والعنف، والهجوم الهمجيّ غير المبرّريْن، ومن ثمّ فهو مثير للفوضى، والشغب، والتجنّي، والاعتداء بالضّرب، والتنكيل، والتعذيب، والقتل إن اقتضى الحال ذلك، وهكذا .

كلمات أخرى دخيلة

من المعروف أنه بالإضافة إلى كلمة “البلطاجي” التركية الأصل التي طفت على سطح الألسن بإمعان فى المدّة الاخيرة، هناك كلمات أخرى من هذا القبيل يتمّ استعمالها، ولَوْكُها، وتكرارها يومياً فى مصر وخارجها مثل الباشا، التي تُستعمل فى معني التوقير والتفخيم، وأصل هذه الكلمة هو “باش” أي الرأس.. وهو لفظ تركي شاع استعماله كلقب يُمنح لكبار الضبّاط، والقادة وعليّة الأقوام، كما قيل إنّ هذه الكلمة قد تكون تنحدر من أصل فارسي، وهي مأخوذة من كلمة”باديشاه”، وتعني العامل بأمر السّلطان والتزامه الطاعة الكاملة والولاء له. كما يُقال إنّها مكوّنة من شقّين اثنين وهي ” بادي” التي تعني السّيد و” شاه ” التي تعني الحاكم، أو الملك، أو السّلطان. وهناك كلمة الأسطىَ أو الأسطه ويقال إنّها تحريف ل : (أستا) وهي فارسية دخلت اللغة التركيّة والعربيّة، وتعني الأستاذ، كما قيل إنّها تعني في أصلها الصانع الحِرَفيّ الماهر. وقيل عن أفندي إنها كلمة تركيّة من أصل يوناني استخدمها الأتراك منذ القرن الثالث عشر الميلادي، وكانت لقباً لرئيس الكتّاب ولقاضي إسطانبول، وكلمة البازار مُستعملة فى المغرب، وفى البلدان العربية بشكل واسع، بل إنها استقرّت، وانتشرت فى بعض اللغات الأوربيّة كالإسبانية، والفرنسية وسواهما، وقيل إنّها كلمة فارسية الأصل، دخلت اللغة التركيّة وتعني السّوق، أو الدكّان الذي يبيع المنتوجات والمصنوعات التقليدية، وكلمة أُودَة أو أُوضَه بالضاد، هي مُصطلح ينحدر من اللغة التركيّة كذلك يعني الغرفة، وكانت كلمة أفندي لقباً للأمراء أنجال السلاطين، كما كانت كذلك لقباً لرؤساء الطوائف الدينيّة، والضباط، والموظفين. وهناك كلمات أخرى معروفة ومنتشرة فى العامية المصرية منها: أفندم، وأجزخانة (التي تعني الصيدلية). وكلمة الهانم أو ” الخانُم” التي تعني المرأة المحترمة. وكلمة “أبلة” التي تعني الأخت الكبرى في البيت، و” البشباشي” وهي رتبة في الجيش المصري والتي كان يلقّب بها الزّعيم جمال عبد الناصر رحمه الله.

وكلمة “السّمكري” وهو الشّخص الذي يصلح أنابيب، ومواسير، وميازيب المياه. وكلمة “جام ” التي تعني الكأس أو الكُوب ومن ثمّ يأتي المعنى المُستعمَل والمُتداوَل الذي استقرّ في اللغة العربية عندما يُقال: “صبّ عليه جامَ غضبه” أيّ دلق عليه كأسَ غضبه. وكلمة “السّفرة” (بضمّ السّين) التي تعني مائدة التي يؤكل عليها وهي فى الأصل طعام يُتّخذ للمسافر. وكلمة الحنطور التي تعني العربة التي يجرها حصان أو حصانان. وكلمة “المِكوَجي” وهو الشّخص الذي “يكوي” الثوبَ أو النسيج، أو الأقمشة، أو الألبسة على إختلافها ويُصلحها (ومن ثمّ كلمة “المصلوح” المُستعملة فى العاميّة المغربية) ويجعلها خالية من الانكماشات، والتعاريج. وكلمة “القهوجي” المستعملة كذلك في الدارجة المغربية وفى عاميّات عربيّة أخرى، وهي كلمة مركبة من “قهوة” العربية و”جي” التركية العثمانية، وعلى شاكلتها (بوسطجي، وقومسيونجي، وقانونجي، وسفرجي..وسواها) وكلمة “كباب” وهو اللحم المشوي. و”الطاولة “وهي لعبة نرد معروفة في تركيا ومصر والعالم أجمع اليوم .وكلمة “الحلّة” التي تعني ” الطنجرة” فى المغرب وفى بعض البلدان العربية الأخرى، إذ حسب تفسيرهم، وتبريرهم سُمّيت كذلك لأنّ الطعامَ يحلّ فيها، وكلمة “عشماوي” التي تعني من يقوم بتنفيذ حكم الإعدام، وكلمة “حكمدار” وتعني حاكم الجهة أو المنطقة… ناهيك عن العديد من الكلمات الوفيرة الأخرى التي لاحصر ولا حدّ لها .

*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا

Comments

comments