محمد الداودي: بعض مما شهدته في الحسيمة يوم العيد

  • 0
د. محمد الداودي أستاذ جامعي وباحث مهتم بتاريخ الريف

د. محمد الداودي
أستاذ جامعي وباحث مهتم بتاريخ الريف

قرب بنك المغرب، من واجهة شارع محمد الخامس، حوالي الساعة الثالثة والنصف، شهدت قمعا رهيبا للمحتجين، وتفريقهم بالعصي والرفس والضرب والاعتقال العشوائي سواء كانوا مواطنين يرددون الشعارات وحتى بعضا ممن كانوا فقط واقفين على جانب الرصيف. إلى جانب عناصر القوات المساعدة والشرطة بالزي، كان هناك عنف تمارسه أيضا العناصر ذات الزي المدني الذين عمدوا بعد وصولهم إلى عين المكان إلى لبس ستراتهم الواقية وخوذاتهم لكي ينهالوا ضربا على الناس حتى بعد إحكام القبضة عليهم وجرهم إلى سيارات وحافلات الشرطة.

كان العنف استثنائيا ليس فقط قبل القبض بل أيضا وخاصة بعد القبض. الطريقة التي كان يزج بالمواطنين بها داخل السيارات كانت كفيلة بسبب حدتها على التسبب بجروح بليغة (أكاد أجزم بأن طريقة المعاملة كانت ربما أسوأ مما رأيته وأنا صبي صغير سنة 1984 قرب باب منزلي بينما كانت تصل إلى مسامعي تحذيرات أمي من الخروج). أقوم بجولة في الساحة الكبرى وسط المدينة، فأجدها مليئة عن آخرها بسيارات الأمن والقوات المساعدة. أصعد إلى الجزء العلوي من شارع محمد الخامس، يتكرر نفس المشهد، لكن المواطنيين هنا في الغالب لا يرددون الشعارات ولا يجتمعون، بل يكتفون بمعاينة ما يقع. كثيرون منهم جالسون في المقاهي الموجودة في كل زاوية من هذا المكان (مقهى أزير، ومغرب 2000 ومقهى لاإسكينا). تعيث السيارات ترهيبا في هذه الزاوية ذهابا وإيابا، وكل مرة ينزل منها عدد من العساكر والشرطة لاعتقال المواطنين. حتى الجالسون في المقاهي يشعرون بحكرة وإهانة كبيرتين، فيقومون من كراسيهم، يستنكرون ما تقوم به القوات.

أمام هذا المشهد، تمر ناقلة كبيرة للشرطة، لا يعجبها صياح الناس المستنكرين (صياح بدون شعارات)، ينزل بعض العساكر من سياراتهم وناقلاتهم. يتوجهون نحو مواطنين واقفين، يعتقلون الناس عشوائيا. على بعد متر واحد مني، يتسلل أحد العساكر خلف أحدهم فينهال عليه بضربة موجعة خلف رأسه ثم يلتحق به عساكر آخرون فينهالون عليه بالضرب والرفس والدفع نحو سيارة الشرطة، يكرر المسكين على مسامعهم أنه لم ينطق بشىء آبدا ولم يفتح فمه. لا يشفع له ذلك عندهم ويستمرون في تعنيفه. ينزل عساكر آخرون يعتقلون مواطنين آخرين. يهرول بعض المواطنين ممن كانوا جالسين في المقاهي إلى التوسل للعساكر لإطلاق سراحهم لأنهم لم يفعلوا شيئا. “عيب .. حشومة عليكم .. اليوم عيد”… لم تنجح المحاولة، فعمد البعض إلى محاولة تخليص أحد المواطنين بمحاولة سحبه بالقوة من بين أيدي العساكر دون جدوى. تنطلق سيارات الشرطة مسرعة بشكل جنوني. يرتفع آذان صلاة العصر. أسمع شعارات آتية من محيط النافورة قرب مدرسة علي بن حسون. أتوجه هناك. كانت مسيرة آتية أسفل شارع حجرة النكور. مشينا على طول الشارع متجهين نحو التقاطع مع شارع الحسن الثاني. في كل زاوية يلتحق المواطنون فتيات ونساء وشيوخا وشبانا. بدخولها إلى شارع الحسن الثاني، أصبحت المسيرة حاشدة. يردد الناس الشعارات المعتادة .. سلمية سلمية … حرية، كرامة، عدالة اجتماعية …في عيون الناس ووجوههم إصرار وغضب.

عند وصولنا قرب مستشفى المستعجلات، نرى جحافل القوات المساعدة والشرطة بعصيهم وواقياتهم يتأهبون للتدخل مجددا. عند وصولنا عند نهاية شارع الحسن الثاني، اختلف الناس بين من يريد الانحراف نحو اليمين ومن استمر نحو اليسار جهة دار الخيرية. عندما استدارت الجموع نحو اليسار، أصبحت متأخرا نوعا ما عن المجموعة الأولى من المسيرة. بدأ العساكر خلفنا يضربون خوذاتهم بعصيهم لإحداث ضجيج يرهب الناس ويدفعهم للفرار. بدأ بعض الشباب الذين يتقدمومنني في المسيرة في الهرب. بدأت الفوضى. نظرت خلفي فإذا بعناصر القوات المساعدة والشرطة تتقدم بقوة غير آبهة بمن أمامها. وقعت نساء وفتيات على الأرض. كن تأخرن في المسيرة هن أيضا بسبب الاختلاف في المسار الذي وقع عند نهاية شارع الحسن الثاني. وقفت مسمرا هناك لا أتقدم ولا أتراجع ليس لأني لم أكن خائفا بل لأن الهرب في تلك الظروف كان يعني أن تدهس أحدا أمامك أو يدهسك أحد. بدأ التراشق بالحجارة .. نظرت ناحية العساكر، فرأيتهم يتزودون بحجارة هي أشبه بصخور. سمعت رئيسهم الذي كان على بعد مترين أو ثلاثة مني يأمرهم: “ضربو… ضربو.. جمع لحجار… دغيا.. ضرب.. ضرب”. على يساري كان هناك بعض الملثمين يرشقون العساكر بالحجارة أيضا. معركة الأحجار ليست معركتي. تنحيت جانبا نحو الحائط لأتقي شر الصخور. كنت أقرب إلى زاوية شارع الحسن الثاني، فقررت العودة في الاتجاه المعاكس لأن الركوض في الاتجاه الآخر نحو مخرج سيدي منصور لم يكن عمليا وسط الاكتظاظ.

“كانت الدموع التي لم يذرفها، مثل تلك التي كانت بداخلي أيضا.. ولم تكن لدي القوة آنذاك لإقناع أحد بشيء”

عدت أدراجي ملتصقا بالجدران ويداي حول رأسي اتقاء الأحجار المتطايرة. أحجار كثيرة تساقطت قربي. شعرت بشيء ما يطير آتيا من أيدي أحد العساكر أمامي. أحسست بشيء ما في جسدي لكني لم أعر له اهتماما في تلك اللحظة. في شارع الحسن الثاني تسلل بعض المواطنين من بينهم بعض أقارب المعتقلين للاحتماء داخل مدرسة، فتبعتهم. داخل المدرسة أحسست بألم. نظرت نحو سروالي فوجدته ملطخا. رفعت أسفل السروال فإذا بالجرح ينزف دما. كان الجرح في الجانب الأمامي من الرجل وليس الخلفي فتأكدت بأن الضربة أتت من أولئك الذين كانوا أمامي وليس ورائي. خرجنا من المدرسة من الجهة الأخرى. لم أعد أعرف ما أفعله. مر بجانبي رجل يقربني في العمر. سمعته يقول: “هؤلاء لن ينفع معهم إلا الحجر”. استوقفته ورجوت منه أن لا يضرب أحدا ولا يستعمل الحجارة. قلت له: “الأحجار لن تنفع في شيء”. كان مؤدبا جدا. قال لي: “كيف لا نضرب؟ ألم تر كيف فعلوا بالنساء والأطفال؟” قلت: “يجب علينا ألا نفسد صبر ثمانية شهور بلحظة انفعال”. لكنه لم يستطع صبرا، انصرف قائلا: “ماذا نفعل؟ أنعطيهم ظهورنا ونصمت؟” لم يكن هو نفسه في تلك اللحظة يأخذ حجرا في يده، لكن نظرة عينيه وحسرته جعلتاني أيأس من محاولة إقناعه.

كانت الدموع التي لم يذرفها، مثل تلك التي كانت بداخلي أيضا.. ولم تكن لدي القوة آنذاك لإقناع أحد بشيء. بقيت هناك أنتظر صديقا ثم بعد لحظات قفلنا عائدين إلى وسط المدينة. تشكلت مسيرة أخرى اجتمع حولها المواطنون مجددا. وجدناها قرب مقهى الفلاحة متجهة نحو حي المنزه فالتحقنا بها. بعد سير لبضع مئات من الأمتار، ووسط حي المنزه، كانت القوات بالمرصاد مجددا. هذه المرة تم إطلاق القنابل المسيلة للدموع. بدأت الفوضى مجددا. ربما هي أول مرة في حياتي أشتم غازا مسيلا للدموع. حي المنزه (الحي الذي صمم ليكون حيا نموذجيا بعمارة وتصميم حديثين، على الأوراق) حي سكني مكتظ وفوضوي البناء (بفضل إحدى المؤسسات التي يتهم الحراك بتبخيسها)، وأزقته أزقة ضيقة ولا تنفع لا للهرب ولا للاحتماء من الغاز المسيل للدموع. بتدخل القوات مرة أخرى ومسارعة بعض الملثمين للحجارة مجددا. كان الوضع يبدو هنا أكثر فوضوية. ولم يكن ضيق الأزقة يساعد على أخذ صورة واضحة عما يقع.

أحسست بالعياء النفسي وتوقفت للحظات دون أن أهتم كثيرا لتفاصيل ما يجري. الحجارة تخرب كل شيء ولا مكان لي هنا. رأيت مراهقا ملثما يستعد على ما يبدو لمواجهة ما، فاقتربت منه متوسلا ألا يضرب بالحجارة. لكنه نظر إلي بازدراء. نهرته لكن عدم اكتراثه لي وابتعاده عني مسرعا جعلاني لا أصر في المحاولة .. بعد لحظات، رأيت شابين يحاولان إقناع مراهق آخر بعدم الرشق بالحجارة. انضممت إليهم. أعتذر وأقسم بأنه لم يستعمل الحجارة. ثم ألقى بحجرة صغيرة كانت في يده على الأرض، مكررا اعتذاره. اقتربت من زاوية بين الشارع الرئيسي وإحدى الأزقة، رأيت طفلا صغيرا يبكي وسط والديه. لم يكن بكاء الطفل المدلل، بل بكاء حارقا. ربتت على رأسه مُحاولا تهدأته. قلت لوالديه أنه ربما من الأفضل أن يعودا به للمنزل. تساءلت ماذا سيتذكر هذا الطفل عن هذه اللحظة عندما يكبر. عمره هو نفس عمري يوم كنت قرب باب المنزل أشاهد ما يفعله الجنود بتلامذة قرب ثانوية البادسي.

رغم كل شيء، رغم الاعتقالات الكثيرة والإهانات والجروح ورفس النساء والفتيات والشيوخ السبعينيين، ورغم الإمعان في احتقار الكرامة والإنسان، سيبقى يوم العيد هذا يوما ليس كالأيام. شيئ واحد بقي عالقا في ذهني أكثر من أي شيء آخر. ما رأيته في مسيرة حي المنزه وشارع الحسن الثاني وما رأيته طيلة يوم العيد من إصرار وعناد وصبر لدى نساء وفتيات الحسيمة شيء غير عادي جعلني أشعر ليس فقط بالفخر، لكن أحيانا بالخجل.

ختاما، تحية لكل الحسيميين الذين حاولوا بكل الطرق الممكنة التنقل إلى الحسيمة فمنعوا بالقوة من دخول المدينة.
أطلقوا سراح المعتقلين.

Comments

comments