لبيب فهمي: الزمن الرديء

  • 0
لبيب فهمي صحفي

لبيب فهمي 

سياسيون صامتون ومثقفون أصابهم البكم سوى عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوطن ضد هجمات أجنبية وكأن المغرب يواجه تحديات خطيرة هو المنضوي تحت لواء أكبر الرأسماليات والامبرياليات الحالية أي فرنسا وأمريكا. وسائل إعلامية لا تجيد سوى النباح والمطالبة بتنفيذ القانون وكأن المغرب واحة ديمقراطية في عالم ثالثي تجثم على صدوره أعتى الدكتاتوريات. يسار فقد البوصلة فتحول إلى مانح للدروس الأخلاقية أكثر مما يشارك في نضالات الجماهير الشعبية وكأنه وحده يمتلك مفاتيح النصر المبين. ناشطون ينظمون لقاءات تضامنية ويصدرون بيانات حول نضالات شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بدلا من تأجيج الصراع من أجل التغيير. ومخزن أصابه السعار ويواصل كعادته ترهيب المواطنين والسعي إلى ثنيهم عن المطالبة بحقوقهم باستخدام ما أوتي من وسائل قمعية يدفع الشعب ثمنها ويشارك فيها كل من تقدم ذكرهم. بل ويجدد عبر اختراعات كالبلطجية والدعاية المغرضة ضد أشرف أبناء الشعب.

هكذا يبدو المغرب في زمن الحراك في الريف. زمن رديء تحول فيه الريفي، في عيون الكثيرين من رفاق الأمس، إلى انفصالي ومتطرف ومنطو على نفسه وقضيته ورافض لمساندة قضايا الشعوب الأخرى. أما «النخبة الريفية» التي احتمت بأسيادها بعيدا عن الريف فتردد معهم لازمة الأوباش وإن اختارت كلمات أخرى…

ينسى كل هؤلاء أن هناك من الوقائع ما يبرز، دون شك وتردد، إبعاد كل التهم الموجهة إلى الريف والريفيين… لكن دون جدوى على ما يبدو. فلم أعد أتذكر إن كانت مدينة أخرى، غير المدن الجامعة، تظاهرت ضد الهجوم الأمريكي على ليبيا عام…1986. ولا أعرف إن كانت قاعة سينما في مدينة أخرى امتلأت عن آخرها لأن فيلما عن الانقلاب في الشيلي عرض فيها. وهل شهد المغرب انتفاضة لم يشارك فيها الريف. ودعما للقضية الفلسطينية كان الريفييون بمنأ عنه. وكم ريفي غيبته سجون النظام لسنوات دفاعا عن دولة الحق والقانون.

القضاء على حراك الريف السلمي والديمقراطي، إن تم، كما يسعى المخزن، لن يعني هزم الريف والريفيين، ولكن القضاء على الأمل في التغيير

كل هذا في وقت لم يلق أطول نضال شهده المغرب في بلدة تماسينت بالريف أي دعم من انفصاليي الرباط، كما أطلق عليهم صديقي، محمد الداودي، في تدوينة فايسبوكية. ويتحول الحراك في الريف الذي أصبح ينتقل من بلدة إلى أخرى، بعد أن اشتعلت شرارته الأولى في أواخر أكتوبر في مدينة الحسيمة إثر استشهاد محسن فكري، إلى تهمة بدل أن يكون شرفا يعتز به المناضلون في كل مكان. فهل يعقل أن لا يكون لهذه النضالات حتى الآن أي صدى حقيقي يساهم في دعمها وفي تعزيز النضالات في المناطق المهمشة الأخرى في المغرب. إذ لا اختلاف، في كثير من الأوجه، بين ما يعانيه الريف وما تعاني منه مناطق أخرى. وهل من الطبيعي أن تكون التحركات الداعمة القليلة محتشمة وكأنها تضرب الحساب لكل خطواتها.

لقد آن الآوان من أجل إعلان فعلي من قبل كل القوى التقدمية في المغرب دعمها لحراك يفضح المخزن ويعريه. بل ويؤدي الدور الذي كان من المفترض أن تقوم به الأحزاب والنقابات وجمعيات تدعي تمثيلها للشعب، بالإضافة إلى المثقفين وسلطة رابعة اعتقدت أن السلطة يجب أن تسلط على المواطنين وليس على من يتسلط عليهم. فهذا الصمت الرهيب سيدفع شيئا فشيئا بكل هؤلاء إلى مزبلة التاريخ. لأن نهاية الصلاحية لا تخص فقط علب السردين ولكن أيضا الكيانات والأشخاص الذين لم يعد لهم نفع.

حذار إذن من تكرار قصة «أكلت يوم أكل الثور الأبيض». فالقضاء على حراك الريف السلمي والديمقراطي، إن تم، كما يسعى المخزن، لن يعني هزم الريف والريفيين، ولكن القضاء على الأمل في التغيير… إلى أجل غير مسمى. ووحده من يمتلك مفاتيح الغيب يستطيع أن يطلع على شكل المستقبل…الذي ينتظرنا جميعا.

Comments

comments