محمد أمزيان: حراك الريف.. الأسوأ قادم

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

لنكرر القول للمرة الألف، إن سياسات المركز تدفع في اتجاه انفصال الهوامش. فبعد الأخطاء القاتلة في معالجة ملف الصحراء، هاهو السيناريو يتكرر مع الريف. غير أن ما سيحدث في الريف ستكون مساراته أكثر مأساوية بالنظر للتعقيدات الدولية وتربص الحركات الدينية القتالية للانقضاض على الفرصة مثلما جرى في سوريا والعراق وليبيا واليمن وكل مناطق النزاع في الشرق الأوسط الإسلامي. هل هذا ما يريده من يرمي الريفيين الآن بتهمة الخيانة والانفصال؟

مع الأسف، يترسخ الاعتقاد يوما عن يوم أن هذا هو الهدف الأساس من الطريقة العمياء التي تتعامل بها الدولة المركزية مع الانتفاضة السلمية في الريف، وذلك بتأكيد شيئين سيكون لهما وقع الكارثة الكبرى على المغرب وعلى المنطقة بصفة عامة. أولا: إثبات تهمة “الانفصال” في الريف لتبرير التدخل العسكري الذي يوشك أن يحدث بحجة الحفاظ على الأمن والثوابت، كما جاء في مضمون بيان أحزاب الفتنة. وثانيا خلق فوضى عامة في الريف لإعادة خلط الأوراق والمراهنة على “صعقة” التدخل العسكري السريع لتشتيت الإجماع شبه الكامل على مطالب المنتفضين وإنهاك المواطنين الريفيين بالتنكيل والقمع والنفي، في أفق استنبات “مواطنين” جددا من داخل الريف يرضون بإملاءات المركز، ويسوّقون لسياساتها العقيمة منذ ستين سنة من الاستقلال.

“الأحزاب التي خوّنت الريفيين، خانت نفسها أولا. خانت تاريخها، خانت أنصارها، خانت دورها كهيئات تمثل المجتمع المدني وتحولت إلى مجالس عسكرية تدق طبول الحرب على الجميع”.

بالنسبة لسياسة الدفع بالشعور الانفصالي لدى الريفيين، يمكن القول إنه بدأ في الظهور وبشكل ملموس. وهنا يتوجب استحضار نموذج تعامل المركز مع الصحراويين مع بداية الأزمة في السبعينات من القرن الماضي، وما بعد ذلك يدخل في إطار التاريخ الدموي الذي خلّف عشرات الآلاف من الضحايا من الجانبين. وليس من المستبعد أن يتعزز هذا الشعور في الريف وبشكل أكثر قوة ورغبة في فك أواصر الارتباط بالمركز بعد أقل من جيل أو جيلين على أكبر تقدير. والكل يعلم أن شباب الحراك اليوم عبّروا مرارا وتكرارا عن أنهم ليسوا انفصاليين ولا يفكرون في خرافة الانفصال، وأنهم يدافعون عن حقوقهم التي يراها الجميع، وحتى من داخل الحكومة، حقوقا مشروعة وعادلة ومع ذلك تأخذ “المركزيين” العزة بالإثم، جارّين البلاد بتعنتهم وكبريائهم إلى الكارثة. والنتيجة أن الهوة بين الريف والمركز تتسع، وشباب الغد لن يكون صبورا مثل شباب اليوم أو شباب الأمس.

أما الشيء الثاني الذي سيكون وبالا على الجميع، فهو خلق الظروف المناسبة لإخراج مارد الإرهاب من قمقمه، وهو مارد ليس مقيدا بسلاسل أمنية كما قد يظن البعض، بل يتربص في المنعرج الأول من الطريق منتظرا فرصة حدوث الفوضى التي منها يقتات وبها يحيا وبواسطتها يوزع الموت والدمار على الجميع.

ليس هذا تهويلا أو تخويفا من شيء لا وجود له، بل هو واقع مع الأسف عايشناه في مناطق قريبة منا مرّت، وتمر، بظروف شبيهة بظروفنا، إلا أن صناع القرار في تلك المناطق ركبوا غرورهم فقادوا أوطانهم إلى جهنم.

لم تفت الفرصة بعد وما زال هناك أمل في أن يتغلب العقل على التهور الذي  يضع مصير وطن كامل على كف عفريت. بيد أن الوقت يجري كالسيف، ومسيرة الجهر بالحقوق والإحساس بالظلم انطلقت ولا يمكن لأحد إيقافها بتوزيع التهم والمراهنة على القوة والعنف واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير للجميع. العنف يولد العنف والتطرف يولد مزيدا من التطرف.

الخلاصة المحزنة أن تعاطي المركز مع الريف فاشل، وعواقبه لا يمكن لأحد حسابها. الأسوأ قادم إذن.  أما

الأحزاب التي خوّنت الريفيين، خانت نفسها أولا. خانت تاريخها، خانت أنصارها، خانت دورها كهيئات تمثل المجتمع المدني وتحولت إلى مجالس عسكرية تدق طبول الحرب على الجميع.

Comments

comments