الحسن أسويق*: الذاكرة التاريخية بالريف.. حتى لا تتحول الذاكرة إلى وزر

  • 0
د. الحسن أسويق رئيس جمعية الريف للذاكرة والتراث

د. الحسن أسويق
رئيس جمعية الريف للذاكرة والتراث

مأساة فونس

في قصة “فونس قوي الذاكرة” « Funes el memorioso »، يحكي الكاتب الأرجنتيني المعروف خورخي لويس بورخيص عن شاب يعاني “تضخم الذاكرة” فأصبحت تثقل عليه الذكريات إلى درجة أنه، بعد تعرضه لحادثة السقوط من فوق حصان، لا يقدر على نسيان أي شيء؛ يتذكر أتفه التفاصيل. تحولت ذاكرته، الجامعة المانعة، المعصومة من الخطأ والتي لا يعزب عنها أي شيء، من هبة إلى لعنة، بحيث “يتمتع” بفيض من التذكر جعله يبقى أسير الماضي وحبيس الإدراك الذي لا يرقى إلى درجة الفهم، كما حرمه من الزمن الحقيقي للحياة المعيشة. لقد شكلت القدرة الاستثنائية لإرينيو فونس على التذكر مأزقاً حياتياً رهيباً، وجوهر مأساته التذكر البالغ الدقة والاكتمال المفضي إلى تعطل القدرة على التفكير؛ لقد ظل فونس يعيش تحت وطأة ووزر ذاكرته، التي شبهها ب”كومة الأزبال”، إلى أن قضى نحبه.

العبرة المُستخلصة من قصة فونس هي أن تضخم الذاكرة Hypermnésie مضر بالصحة الفردية أيما ضرر؛ إذ يمكن أن تكون وبالا على صاحبها إذا لم يستطع تدبيرها والتحكم فيها. وهذا الضررلا يقل خطورة عن ضرر فقدان الذاكرة Amnésie سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ لذلك وجب البحث عن “ذاكرة عادلة” توازن بين الإثنين وفق مبدأ: لا إفراط ولا تفريط، بحيث يصبح النسيان شرطاً للذاكرة ووظيفة من وظائفها.

الذاكرة التاريخية

أصبح مفهوم الذاكرة التاريخية، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، يكتسي صبغة سياسية واضحة إذ يحيل على الأحداث والوقائع التي ترتبط بالعنف السياسي وبالحروب والإبادات؛ كما يرتبط بالانصاف و”واجب الذاكرة” تجاه الضحايا؛ إنها تلك الذاكرة التي تقع في صميم القرارات السياسية للدولة، ومكوناً أساسياً من مكونات سيادتها وأمنها، وجزءاً من بنياتها المؤسساتية، والتي تُتخذ من طرف الحركات الذاكراتية والهوياتية كسلاح للصراع والمواجهة للدفاع عن الذات وتحصينها، كما أنها أخطر أنواع الذاكرة، واستعمالها يُعد بمثابة خوض حرب ضارية.

“الذاكرة التاريخية الريفية مسؤولية لا يمكن التنصل منها وواجب لا سبيل لنكرانه. إنها أداة فعالة لمقاومة النسيان المُدمر.”

صحيح أن الذاكرة التاريخية تعزز الشعور بالانتماء الجماعي كما تقوي وتبلور الإحساس بالفخر والاعتزاز عند شعب من الشعوب أو جماعة من الجماعات البشرية من خلال استحضار بعض اللحظات التاريخية والحقب الماضية التي تمثل مراحل مفصلية ومصيرية في تاريخها، كما أنها الأساس القاعدي للهوية المبلور لمعنى الوفاء للأجداد والاستمرارية على نهجهم؛ لكنها هي التي كانت، في نفس الوقت، وكما تشهد على ذلك تجارب مختلفة، مصدراً للعديد من المنازعات والتوترات والقلاقل في العديد من بقع العالم؛ بل إنها تزيد الاحتجاجات الاجتماعية حدة وتضفي عليها صبغة من الخصوصية والتميز، وتمدها بشحنة زائدة كما هو حاصل في الريف.

الذاكرة التاريخية للريف: ذاكرة المقاومة

لقد شكلت الذاكرة التاريخية، كوجه من أوجه الذاكرة الجماعية، مصدر المواجهات والاضطرابات المتواترة بالريف مع السلطة المركزية قبل الاستقلال وبعده. كما أنها السبب الضمني والعميق للحراك الجماهيري، الذي انطلقت شرارته بعد مقتل محسن فكري (أكتوبر 2016) بقيادة المناضل ناصر الزفزافي.

وهذه المواجهات والاضطرابات مرشحة للتصعيد في غياب إرادة حقيقية للمصالحة و”الاعتراف” كما حصل في عدة تجارب دولية منها على سبيل المثال إسبانيا التي أصدرت قانوناً خاصاً بالذاكرة La ley de la memoria لمعالجة ومداواة الجراح التي خلفتها الحرب الأهلية والنظام الديكتاتوري الفرانكوي. وليس أدل على غياب هذه الإرادة التقسيمُ الجهوي الذي سعى، من بين ما سعى إليه، إلى تشويه الكيان الريفي التاريخي وطمس هويته الثقافية والحضارية ومنظومته القيمية – الأخلاقية، وذلك باقتراح ومباركة من طرف حزب قبض الثمن من أجل ذلك.

إذا كانت الذاكرة، بصفة عامة، آلية لاستحضار التراث المادي والثقافي – الروحي لشعب من الشعوب، فإن الذاكرة التاريخية ذاكرة للآلام والجراح التي يتم استحضارها طلباً للإنصاف والعدل. يتعلق الأمر، في حالة الريف، بذاكرة المقاومة التي قادها الزعيم التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي، بعد إعلانه الجمهورية التي عمرت لخمس سنوات (1921- 1926)، وبعد الهزائم النكراء التي ألحقها بالقوتين الاستعماريتين الغاشمتين إسبانيا وفرنسا، نُسجت مؤامرة دولية، بمباركة من السلطان مولاي يوسف، للقضاء على هذه المقاومة باستعمال أسلحة كيماوية خلفت الآلاف من الضحايا، وما زالت آثارهذه الجريمة ضد الإنسانية، الصحية والبيئية، سارية الضرر لحد الآن.

بعد ما جرى من أحداث انتهت باستقلال المغرب، سيتم انبعاث هذه الذاكرة من جديد خلال “عام إقبان” (1958-1959) بقيادة محمد الحاج سلام أمزيان، حيث تمت المطالبة بعودة محمد بن عبد الكريم الخطابي من المنفى ( المطلب السادس ضمن لائحة المطالب التي قدمت الى القصر في 11 نونبر1958)، وهو المطلب الذي أثار حفيظة وسعار السلطة المخزنية التي لم تتوانى في ارتكاب مختلف الفضاعات والانتهاكات لحقوق الإنسان في محاولة إبادة ثقافية وعرقية شبيهة بالتجربتين اليهودية والأرمنية، انتقاما وعقابا للريفيين على وفائهم لهذه الذاكرة. وغني عن البيان أنه على إثر هذه الانتفاضة تم إصدار الظهير العسكري المشؤوم الذي يقضي بجعل إقليم الحسيمة منطقة عسكرية اعتباراً من 24 نونبر 1958؛ إنه الحدث التاريخي الذي تحول بدوره إلى جزء من الذاكرة التاريخية الريفية بالنسبة لجيل الحراك الحالي الذي يخوض – حسب رأيي – حراكاً هوياتياً في جوهره واجتماعي – اقتصادي في ظاهره، والذي يُعد استئنافاً لانتفاضة “عام إقبان” المطالبة بالكرامة والرافضة للذل والمهانة؛ إنه عربون وفاء للقيم التي ضحى من أجلها الأسلاف.

يتعلق الأمر إذن بحدثين مفصليين يشكلان الذاكرة التاريخية للريف وهما حدث 1921- 1927 (الغازات السامة) وحدث 1958- 1959 (عام إقبان). والقاسم المشترك بين المحطتين، إلى جانب الاحتفاء بعلم الجمهورية وصور الأمير في التظاهرات كما في التصريحات والخطابات المُعلنة، صياغة لائحة للمطالب؛ لكن الملفت للنظر هو غياب مطالب محددة ومدققة تترجم الوفاء لذلك “التاريخ المُحاصر” ، الذي ترفض الدولة اعتباره جزءاً من الذاكرة الرسمية، ومُعبرة عن استعادة الذاكرة الجماعية بصفة عامة والذاكرة التاريخية بصفة خاصة.؛ بل الأنكى من ذلك، الغياب التام للمطالب والحقوق الثقافية بما في ذلك الحقوق اللغوية (نجد في لائحة المطالب الثمانية عشر، المعروفة لحد الآن، لانتفاضة 1958 – 1959 مطلب التعريب الذي يتنافى والهوية المحلية)، في مقابل ذلك نجد حضوراً جد محتشم لهذه المطالب في ما سُمي “وثيقة مطالب الحراك الشعبي بإقليم الحسيمة” :حيث تمت الاشارة إلى مطلب وحيد هو المطالبة ب “الشروع في إتمام أشغال متحف الريف وفتح تحقيق نزيه بخصوص الخروقات التي طالته، مع الحفاظ وترميم كل المآثر التاريخية للمنطقة”.

التدبير الذاكراتي المرن

إن الرهانات المتضاربة حول الذاكرة التاريخية يجعل استحضارها بمثابة خوض لحرب قد تُصيبنا بنيرانها الحارقة والمميتة. ولتجنب ذلك لا بد من تدبير قوامه التذكر بمقدار والنسيان بمقدار بحسب موازين قوى الصراع، وترتيب زمني للأفعال بحسب مقتضيات التكتيكي والاستراتيجي وفق رؤية براغماتية واعية وطلباً للغاية المنشودة كما يُستفاد من التجربة اليهودية.

ولعل من مظاهر غياب هذا التدبير المرن طغيانُ الذاكرة التاريخية على حساب الذاكرة الثقافية والأبعاد الأخرى للذاكرة الجماعية سواء في الشعارات أو في الخطابات المُؤطرة للحراك الذي يُكرس الأسلوب الذي تم سلكه منذ 1958؛ ذلك الأسلوب الذي لم يُحقق نتائج إيجابية لكونه يمتاز بالكثير من الحماسة التي قد توصل إلى الحماقة في بعض الأحيان كما لاحظ المؤرخ علي الإدريسي في إحدى حواراته، ويُسفر في كل مرة عن تقديم المزيد من الضحايا.

وعليه، فإن الذاكرة التاريخية، عندما تتحول إلى ذكرى نمطية محنطة على حساب السجل الذاكراتي الحافل والتركة التاريخية العريقة للريف، تتحول إلى وزر يُثقل كاهل حامله.

على سبيل الختم

الذاكرة التاريخية الريفية مسؤولية لا يمكن التنصل منها وواجب لا سبيل لنكرانه. إنها أداة فعالة لمقاومة النسيان المُدمر والماحي للآثار، ومنبعاً للمعنى وقوام الشرعية الاحتجاجية والمطلبية للحراك الجماهيري بالريف في شكله الحالي والمعبر عن استمرارية الحراك الشعبي بالريف، والذي بفضله، انبعثت “الروح الريفية” في كل أماكن تواجد الريفيين عبر العالم.

ومن أجل الإبقاء على فعاليتها، والتحرر مما أسماه نيتشه ب”مرض التاريخ”، يجب استعمالها استعمالاً حسناً بحسب المنعرجات السياسية، حتى نتجنب مصير فونس، وحتى لا تصيبنا بالسم القاتل كما تصيب الأفعى من لا يحسن متى وكيف يقبض عليها.

* رئيس جمعية الريف للذاكرة والتراث

Comments

comments