محمد أمزيان: الريف.. يحيا ثلاثا ويموت تسعا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

لنُعِد الشريط قليلا إلى الوراء..

في خريف 1958، وبعد أن أُلحقت المنطقة الخليفية بالمنطقة السلطانية، وإنزال النخبة المفرنسة في دواليب الإدارة التي خلّفها الاستعمار الإسباني بلا أفق، قام الشباب في الريف (زعيم الحركة لم يكن عمره قد تجاوز 33 سنة) بحركة سلمية تحت شعار: “الحرية – الوحدة – العدالة”، ثم حددوا لها، في اجتماع عام عُقد على ضفة وادي مزرا الصغير في أكتوبر 1958، أهدافا لم تتعد المطالبة بـ:  “1- مغربة الإدارة وتعريبها، 2- تحقيق وحدة وطنية بعيدة عن العنصرية، 3- تحقيق الإصلاح الزراعي، 4 – انتهاج سياسة فلاحية تضمن حقوق الفلاح، 5- تحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد والتأمين الاجتماعي وضمان تكافؤ الفرص، 6- تحقيق الحرية لجميع المواطنين والحفاظ على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، 7- استغلال جميع ثروات الوطن حسب خطة علمية مرسومة، 8- توزيع الثروات بالعدل، 9- النهوض بمستوى الشعب في الميدانين الاقتصادي والعلمي، 10- نشر العلم طبقا لروح العصر والتراث القديم، 11- إقامة مجتمع سليم على الأسس المنبعثة من تراثنا، 12- إقامة جيش وطني قوي يحمي الوطن من الأخطار والتهديدات” (المصدر: مذكرات ثورة الجلاء، غير مطبوعة).

استدراك 1

دولة الاستقلال التي حلت محل دولة الحماية، اتهمت المنتفضين بـ “الانفصال”..

استدراك 2

المطلب الأول، وخاصة الشق المتعلق ب”التعريب”، أثار الغموض عند بعض الشباب اليوم، فانساق هؤلاء مع تفسيرات متسرعة بترت الانتفاضة من سياقها التاريخي، وغطى غموض هذا المطلب على باقي الأهداف التي ما تزال تحتفظ براهنيتها وكأنها صيغت اليوم.

“الحسيمة، بلا فخر، هي إحدى العجائب الكونية.. تحيا ثلاثا وتموت تسعا وتُحاصَر دهرا”

استدراك 3

“تعريب” الإدارة لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن مطلب “مغربة” الإدارة، وهو مطلب مشروع في سياقه العام والخاص آنذاك، ذلك أن إفراغ الإدارة الإسبانية التي كانت أصلا هشة وضعيفة مقارنة مع الإدارة الفرنسية، تم تعويضه بأطر مفرنسة، وبالتالي أُقصيت النخبة الشمالية الجنينية  (ومنها النخبة الريفية) التي تمكنت من الحصول على قسط مقبول من التعليم والتكوين باللغتين العربية والإسبانية. وبما أنه كان من “العار” على المنتفضين أن يطالبوا بالحفاظ على لغة المستعمِر الذي ضحوا بالغالي والنفيس من أجل طرده وإجلائه عن بلادهم، فإنهم طالبوا بـ”التعريب” كحل عملي لإشراك أهل المنطقة في إدارة شؤون منطقتهم. أليست المشاركة في العمل والوظيفة حقا من حقوق الإنسان؟

الرد 1

كان سريعا وحاسما ودمويا. ثمانون في المائة من الجيش الملكي النظامي دك المنطقة دكا دكا.

استدراك 4

المطلب الثاني عشر نص على: “إقامة جيش وطني قوي يحمي الوطن من الأخطار والتهديدات”…

أرى التاريخ في عليائه يتدحرج على قفاه من شدة الضحك الماكر.

لنُعد الشريط مرة أخرى قليلا إلى الوراء…

في يناير 1984، هبَّ المغاربة – أهل الشمال بصفة خاصة – في ما عُرف بثورة الخبز. كانت المطالب أقل “انفصالية” من مطالب 58، وفي الحقيقة تتلخص في مطلب واحد: لا لرفع أسعار قوت المواطن المسحوق حالا ومآلا.

الرد 2

تدخل الجيش ودك الأرض دكا. كسبنا مقابر جماعية ووسام “الأوباش”.

لنوقف الشريط قليلا عند محطة أكتوبر 2016….

انتفض الشباب مرة أخرى.. رفعوا مطالبهم مرة أخرى.. نادوا بالسلمية مرة أخرى.. صبروا مرة أخرى.. اتُّهموا بالانفصال مرة أخرى.. والتاريخ لما يزل في عليائه يتدحرج على قفاه من شدة الضحك الماكر..

استدراك 5

ما دامت الحسيمة لا تعيش إلا ثلاثة شهور في السنة ثم بعدها تدخل في بيات اقتصادي شتوي طويل، فلماذا لا يتم إحاطتها بسياج كهربائي وجعلها مزارا للباحثين عن عجائب الدنيا السبع. الحسيمة، بلا فخر، هي إحدى العجائب الكونية.. تحيا ثلاثا وتموت تسعا وتُحاصَر دهرا.

الرد 3

قادم…

* نشر في المساء، السبت 1 أبريل 2017

Comments

comments