ناصر الزفزافي: أنا لست قائدا.. بسلميتنا سننتصر ولن ننجر للعنف

خاص لموقع أنوال.نت –  لبيب فهمي ومحمد أمزيان

لبيب فهمي ومحمد أمزيان في لقاء مع زعيم الحراك الشبابي في الريف

لبيب فهمي ومحمد أمزيان في لقاء مع زعيم الحراك الشبابي في الريف

ما يربو عن ستة أشهر، وحراك الريف مستمر. حرب استنزاف تدور رحاها في الريف بين شباب أقسموا ألا يتوقفوا حتى تحقيق مطالب المواطنين “العادلة والمشروعة”، وبين الدولة المركزية. الأفق مظلم والسلطة تبدو فاقدة لحاسة السمع. تراقب من بعيد؛ حاضرة وغائبة في نفس الآن. ونشطاء الحراك عازمون على مواصلة المواجهة إلى النهاية، والنهاية لا ملامح لها.

أنا لست قائدا. أنا مجرد ناشط كباقي النشطاء الآخرين

المواجهة الدموية؟ هذا احتمال وارد ويحسب له الحِراكيون حسابهم. “نحن متمسكون بسلميتنا”، يقول ناصر الزفزافي، الوجه البارز في الحراك على الرغم من أنه يرفض أن يرى نفسه قائدا أو زعيما. “أنا واحد من بين الآخرين في هذا الحراك المبارك”. ليس صعبا أن تلتقي بزعيم الحراك في الشارع أو في المقهى. طيلة الجلسة التي جمعتنا به في إحدى مقاهي مدينة الحسيمة التي انطلقت منها شرارة الحراك عقب مقتل محسن فكري مطحونا في حاوية للقمامة يوم 28 أكتوبر 2016، كان يتلقى مكالمات هاتفية، واحتراما لمجريات الحوار، لا يجيب عمن يتصل به. رافقه شابان في مقتبل العمر. خارج المكان الذي كنا فيه، جلس أربعة شبان آخرين ينتظرون نهاية المقابلة. لم يطلب منا زمنا محددا للقاء، ولم يسأل حتى عن طبيعة المقابلة. كان طبيعيا، على الفطرة. يبدو من عفوية أجوبته أنه صادق في ما يقول، بينما رفاقه يتابعون الحوار باهتمام بالغ دون تدخل ولا أمارات التذمر.

نحن أمام شاب لم تلوثه أحابيل السياسة وتعقيداتها. طبيعي، عادي ومتواضع. ينتمي لجيل الفطرة، لكنه جيل منفتح على العالم بفضل ما تقدمه وسائل التواصل الحديثة. جيل بلا حدود وبلا قيود. كنا نتساءل قبل اللقاء: من سيرافق “الزعيم”؟ هل لديه حماية؟ هل سترافقه “حماية” غير مرئية تابعة لعيون الأجهزة الاستخباراتية؟ لم نشك في ذلك، لاسيما أن الشخص الجالس أمامنا الآن، يدوخ أجهزة السلطة منذ أشهر عدة.لعل الصدق والبساطة هما سلاح هذا الجيل الذي تمكن من كسب قلوب الآلاف من الريفيين في الداخل والخارج.

كيف سيتذكر التاريخ هذا الجيل؟ كيف سيتذكر هذه الشخصية التي ولدت من رحم المعاناة والإقصاء والتهميش؟ ليست لدينا أجوبة الآن ولا يمكن استشراف المستقبل. إلا أن ما يمكن التأكيد عليه، وباطمئنان، هو أن هذا الشخص يتمتع بكاريزما الإنسان الريفي القوي في بساطته. يخاطب الناس فيستوطن قلوبهم ويكسب ثقتهم. والثقة هي العملة المفقودة في الريف.

الغرض من هذا اللقاء الذي لم يتم التخطيط له مسبقا، هو محاولة رسم إطار عام للحراك والتعرف عن قرب عن الشخص الذي يعطي للحراك زخما متجددا. لم نكن في أسئلتنا متحفظين ولا محافظين. حاولنا تلخيص ما يجول في خاطر بعض المراقبين عن الحراك، وكانت أجوبة السيد الزفزافي “طبيعية” بلا رتوش ولا خلفيات ولا تحفظات.

فإذا وصف الحراك بأنه “مبارك”، فلكونه يتكون من مواطنين نذروا أنفسهم للريف. وإذا وصف الزفزافي الأحزاب السياسية ب”الدكاكين”، فللفصل بين قيادات الأحزاب التي رهنت مصيرها بمصر المخزن، وبين قواعدها التي تشارك بفعالية وسط الغاضبين. وحينما ينهل الزفزافي من تجربة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، فإنما ينهل من نبع توحيد القبائل وتحريك القوة من الداخل، وليس الاعتماد على لغة السلاح التي أحسن الخطابي استخدامها بعدما استنفد كل أساليب الحوار مع المستعمر.النظام بالنسبة لقيادة الحراك لا يؤمن بلغة الحوار، ومع ذلك فنهج الحراكيين هو السلمية حتى ولو أدى الأمر بهم إلى التضحية والاستشهاد.

من أين يستمد هؤلاء الشباب كل هذه الطاقة؟ نترك قراء أنوال.نت مع نص الحوار الذي تعمدنا نشره كاملا وبلا بتر.

نص المقابلة

أشهر مرت على بدء الحراك إثر استشهاد محسن فكري، أين وصلتم الآن؟

شكرا لكم على إتاحة الفرصة لنا للحديث والتعبير بحرية عما يحدث هنا في الريف. فإلى حدود الساعة، الحراك في الريف وبكل صراحة، أسهم وبشكل كبير في توعية الريفيين بمختلف شرائحهم، وكشف سياسة المخزن تجاه الريف. ربما كانت هنالك مجموعة من الريفيين لديهم نوع من الضبابية نحو سياسة المخزن، إلا أن هذا الحراك بيّن حقيقة السياسة المخزنية ، بيّن حقيقة ما يسمى بالعهد الجديد، وبيّن كذلك أن هذه المنطقة تعاني من حصار سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، رغم ما يتبجح به  النظام المخزني من تصالحه مع المنطقة. لكن، وبسبب هذا الحراك تبينت حقيقة هذه الدولة المخزنية وأنها ما تزال تحاصر الريف بهدف استغلال ثرواته. يمكن القول إن الحراك حقق وحدة جميع الريفيين نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا. وأعتقد أنه، ولأول مرة في تاريخ الريف، بلغ مستوى الوعي، حتى لدى الأطفال، درجة عالية جدا.

هل لديكم آليات للدفع بهذا الوعي في اتجاه تحقيق المطالب أو جزء منها على الأقل؟

أكيد، وكما تعرفون، ومنذ استشهاد محسن فكري، فإن ساكنة الريف التفت حول هذه القضية. ونحن منذ البداية نرفع مطلب إجراء تحقيق نزيه حول هذه الجريمة الشنعاء، ثم بعد ذلك رفعنا مجموعة من المطالب العادلة والمشروعة، من بينها مطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية ورفع العسكرة. والآليات التي نتحدث عنها ينبغي وضعها في سياقها، لأن الدولة ومنذ انطلاق الحراك حاولت بكل الوسائل نسف هذا الحراك، لماذا؟ لأن نشطاءه ليست لديهم انتماءات للدكاكين السياسية، وأسميها “دكاكين” لكونها مجرد عصا يتوكأ عليها المخزن لإنقاذ نفسه من أي حراك شعبي. لذلك فنحن واعون بأن هذه الدولة لن تحقق هذه المطالب، لأنها تعودت على أن يكون أي حراك شعبي أو وقفة احتجاجية مُطعّم بدكان سياسي معروف أو بعض الجمعيات – وهنا أشدد على كلمة “بعض” الجمعيات – التي تنشط تحت لوائها (الدولة) وتضعها في الواجهة لتحتوي أي حركة احتجاجية.

لقد عقدنا أملنا على هذا الحراك بالذات لأنه قوي ومتماسك. فلأول مرة في التاريخ يشارك ما يقارب مائة ألف مواطن في المسيرة، وهذا يعني نصف ساكنة الريف، وهذا دليل على مدى النضج الذي بلغه الريفيون. قوة هذا الحراك هي التي سترغم الدولة على تحقيق مطالب هذه المنطقة. إلا أننا نلاحظ كذلك، أنه حينما شرعنا في إخراج الملف المطلبي للوجود، بدأت الدولة تفرج عن جزء من تلك الأموال التي تسترت عليها بهدف سرقتها. ومع الأسف، فإن هذه الأموال المفرج عنها بدأت تأخذ مسارات مغايرة، بهدف صرفها في مشاريع بعيدة كل البعد عما تطالب به ساكنة الريف، مثل الجسور المعلقة والكورنيشات، وكل هذا بهدف خلق انطباع للعالم الخارجي بأن الريف يحظى بدوره بمجموعة من المشاريع الإنمائية، والواقع أنها مشاريع بعيدة عما يريده الريفيون.

قلت بأن النظام المخزني أو الدولة المغربية، تحاول بكل الوسائل أن تقضي على الحراك، هل يمكن أن تحدد لنا بعضا من تلك الأساليب؟

طيب، منذ بداية الحراك الذي أسميه حراكا مباركا، استعملت الدولة سلاح البلطجية، وذلك منذ أن شرعنا في الاتصال بالمداشر والقرى بهدف التعبئة العامة من أجل تخليد أربعينية الشهيد محسن فكري. فقد واجهتنا البلطجية في آيث عبد الله على يد القائد الذي حاول نسف ذلك التواصل مع المواطنين، والذي جيّش مجموعة من الأعوان واللصوص ليهاجموا نشطاء الحراك والاعتداء عليهم بالعنف، فضلا عن إلصاق تهم أكل عليها الدهر وشرب ورثها هذا النظام عن نظام  العهد الظالم؛ عهد الحسن الثاني.

نفس الشيء حدث في الناظور حيث تم استقدام مجموعة من البلطجية وذوي السوابق العدلية، مسلحين بالسيوف والهراوات، وشارك فيها بلطجي معروف بالسرقة والاحتيال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حاول المخزن تشويه صورة النشطاء بواسطة تهم واهية مثل تهمة تلقيهم أموالا من البوليزاريو ومن الجزائر وحتى من إسبانيا. في حين أننا كنشطاء تحدينا كل الأجهزة من مخابرات عسكرية ومدنية، أن تأتي بدليل مادي واحد يثبت صحة ما تدعي، إلا أنها فشلت.

والأخطر من كل هذا، أن النظام استخدم المساجد التي كنا نعتقد أنها مساجد لله، فاتضح أنها مؤسسات تابعة للمخزن، إذ دفعت أئمتها إلى اتهامنا بأننا مجرد أفراد يسعون إلى إحداث الفتنة. ومن الأساليب أيضا استخدام بعض الجمعيات التي تتلقى دعما ماليا لتشويه سمعة الحراك، وغيرها من الوسائل الكثيرة جدا..

خلال الأيام القادمة ستكون هناك مفاجأة كبرى لتعزيز وتقوية الحراك وصفع النظام المخزني

هذه بعض وسائل الدولة لإضعاف الحراك وتقويضه.. ألا ترى أن الدولة تلعب أيضا على عامل الزمن؟ وهل أنتم أيضا واعون بإمكانية استخدام عامل الزمن لصالحكم؟

لأول مرة يفشل المخزن في استخدام عامل الزمن لصالحه، لأن مستوى الوعي الذي بلغه المواطن الريفي سواء في داخل الريف أو في الشتات، مستوى كبير جدا. بل إن الريفيين ينتظرون قدوم الصيف ليتعزز الحراك بالريفيين المشتتين في الداخل والخارج. وهذا ما يعزز فخرنا ويجعلنا نراهن على عامل الزمن لإنهاك المخزن أكثر. يمكن القول: إن كان المخزن في السابق يراهن على عامل الزمن، فإنه الآن لا يريد لهذا الزمن أن يتمدد أكثر.

هل يمكن استنتاج أن المخزن والحراك دخلا حرب استنزاف بينهما؟

بالتأكيد، هذا الحراك وجه صفعة قوية للنظام الذي كان يحاول تسويق صورة للعالم الخارجي على أنه نظام جديد وديمقراطي. جاء الحراك ليكشف الوجه الحقيقي للنظام ويبين كيف أن هذا النظام يتلقى دعما من مؤسسات أوروبية وأخرى تابعة للاتحاد الأوربي مثلا من أجل تنمية مناطق الشمال، لكن ذلك الدعم يستخدم في أماكن أخرى أو لا يستخدم أصلا. هذا الحراك كشف زيف تلك الادعاءات.

من العيب والعار أن يخرج المواطنون اليوم للمطالبة بتحقيق أشياء بسيطة جدا مثل إنشاء معمل أو جامعة أو مستشفى. فهذه الجولة الأولى بيننا وبين المخزن انتصرنا فيها حينما عرينا حقيقة المخزن الذي يستخدم أموال التنمية في المغرب لتحقيق مشاريع في إفريقيا على سبيل المثال بأموال كان من المفروض أن يستفيد منها ذوو القربى.

ما أثار انتباه المراقبين من خارج المغرب وحتى من داخل المغرب، أن الحراك يبدع في أساليب الاحتجاج والمواجهة، هل ما يزال في جعبة الحراكيين أدوات أخرى للضغط على المخزن ومواجهته؟

أكيد، أكيد! ولذلك فإننا نقول إن هذا الحراك يختلف تماما عن الحراكات السابقة. للتذكير فقط، فحينما كنا نستعد لتخليد ذكرى وفاة الصنديد محمد ابن عبد الكريم رضي الله عنه وأرضاه، استخدم المخزن مجموعة من الوسائل القمعية التي تتجاوز كل الأساليب التي استخدمها الحسن الثاني خلال انتفاضة 58 – 59 لمواجهة الأحرار والحرائر عبر اقتحام المقاهي والمحلات التجارية والسب والشتم في حق الحرائر وغيرها من الأساليب، وذلك تخوفا من نجاح تخليد تلك الذكرى والقطع مع تاريخ الريف، لاسيما أن الريفيين كانوا متشوقين لتخليد تلك الذكرى. إلا أن النشطاء أبدعوا في أساليبهم واستطعنا تخليد الذكرى.

فنحن إذن ما يزال لدينا الكثير من أساليب المواجهة، وهذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة لنوجه صفعة أخرى أقوى للنظام المخزني، مثلما فعلنا حينما رفعنا شعار “لا للعسكرة”، والذي انتشر في كل بقاع العالم. والخرجة الأخيرة التي حار النظام في كيفية تنظيمها فقدت على إثرها السلطات أعصابها فراحت توبخ أعوانها علنا. هذا نموذج من نماذج الإبداعات التي يعتمد عليها نشطاء الحراك. و. نحن مستمرون إلى غاية تحقيق جميع المطالب المشروعة والعادلة.

الصراع إذن مفتوح بين الحراكيين والنظام، وأنتم تعلمون أن تحت تصرف النظام أجهزة – شرطة، أعوان، قضاء، إلخ…- هل لديكم أنتم ما تستطيعون به مواجهة كل هذه الأجهزة من غير شعار السلمية؟

لدينا أولا ثقتنا في الله ولا يمكن زعزعتها، وثانيا ثقتنا في الأحرار والحرائر وثالثا ثقتنا في الوعي المتجذر في وجدان المواطنين. وهذا ما جعلنا أقوياء. فإذا كان في نية النظام أن يواجهنا بالطائرات والدبابات، فنحن نقول له مرحبا، وبسلميتنا سننتصر عليه إن شاء الله. نحن خرجنا من أجل الدفاع عن حقوقنا ولم نخرج من أجل شيء آخر. فإذا ووجهنا بالطائرات والدبابات، فهذا يعني أننا استطعنا إزعاج النظام واستطعنا الكشف عن أساليبه البشعة. مهما جرى، فلن نتخلى عن سلميتنا التي هي مصدر قوتنا، ومن يحاول جرنا للعنف نقول له: لا للعنف ونعم للسلمية.

لنفترض أن النظام تعقل وأراد أن يفاوض، هل لديكم أولويات بخصوص الملف المطلبي والباقي يترك لخطوات قادمة؟

حاول المخزن في الآونة الأخيرة جس النبض عبر ترويج كلام من خلال بعض البيادق الذين كانوا يريدون جعل الحراك مطية لهم، أن هؤلاء النشطاء لا يريدون الحوار وأنهم يدعون إلى العنف، فرمت بذلك الكرة في ملعبنا، وقمنا نحن بإرجاع الكرة لهم مؤكدين لهم أننا أهل للتفاوض ولكن وفق شروط معينة تحددها الجماهير الشعبية. فحينما نرى أن النظام لديه رغبة حقيقية في التفاوض، فنحن سنعود لقواعدنا التي تعد هي القائدة الحقيقية للحراك، وهي الزعيمة التي تقود الحراك.

أنت الآن الوجه البارز للحراك، ألا يمكن لك أن تحدد الأولويات ثم تعرضها على القواعد للمضي بها قدما أو تعديلها ثم تقديمها؟ هل لك أن تحدد لنا بعض المطالب التي ترى أنت كناصر الزفزافي أن لها الأسبقية والباقي يُترك لمرحلة لاحقة؟

أولا أنا لست قائدا. أنا مجرد ناشط كباقي النشطاء الآخرين …

.. قد تكون القيادة مفروضة عليك الآن ..

ربما يراها الآخر كذلك، وأنا أحترم ما يراه الآخر من رأي، لكنني أجدد التأكيد على أنني ناشط مثل جميع نشطاء الحراك وجزء لا يتجزأ منه. ما أحاول توضيحه هو أنه لا يحق لي مهما بلغت، أن أحيد عما تقرره الجماهير ، وأنا رهن إشارة هذه الجماهير التي وضعت في الثقة. وإذا كان لي من رأي فأقول إنه لا حوار قبل رفع العسكرة على هذه المنطقة وإلغاء ذلك الظهير المشؤوم الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليها الآن.

مع هذا الصراع المفتوح بينكم وبين المخزن، هل هناك محاولات اتصال وتواصل بينكم وبين المخزن، عبر الدائرة الضيقة أو البعيدة من الحراك؟

لحدود الساعة ليس هناك أي شكل من أشكل التواصل، لأن الدولة لا تريد منح الشرعية لنشطاء الحراك، ولو فعلت فمعنى هذا أنها قد وجهت صفعة لنفسها. ما تقوم به الدولة هو استنجادها بالدكاكين السياسية باعتبارها – من وجهة نظرها – صاحبة الشرعية، وبالتالي فلو أعطت الشرعية لنشطاء الحراك فمعنى ذلك أنها توجه ضربة قاصمة لما بنته طيلة ستين سنة من العمل المُكلِف ماديا. هذا فضلا على أن الدولة ليس في نيتها الحوار، والدولة هي دولة عدمية تؤمن بالقمع والترهيب والاعتقال والسب والشتم والتهديد في حق كل من يطالب بحقوقه، حتى ولو كان ذلك عبارة عن وظيفة بسيطة.

الدولة تريد أن تكون هي الماسكة بزمام المبادرات، وهذا في حقيقته نهج الأنظمة الديكتاتورية المتواجدة في العالم، والتي تفضل أن تتفاوض مع “ناسها” فقط. ثم هنالك مسألة أخرى: لماذا يُشترط التفاوض أولا قبل تحقيق المطالب؟ فالمطالب واضحة جدا وبسيطة جدا وتتلخص في إجراء تحقيق نزيه في استشهاد محسن فكري، والتحقيق في مقتل شهداء 20 فبراير وغيرها من المطالب الواضحة والبسيطة. وأرى أن هذا المخزن لا يختلف في حقيقته عن الحركات المتطرفة الإرهابية التي تقتل وتدمر وتعادي الإنسان والإنسانية.

إذن، إذا كانت الدولة تخشى من إعطاء الشرعية لنشطاء الحراك، فما عليها إلا تحقيق هذه المطالب وإنشاء ما يطالب به السكان من مستشفى لمعالجة السرطان وبنية تحتية من طرقات… وعندما تتحقق هذه المطالب سنعود لبيوتنا.

نرجع معك قليلا لوسائل المخزن لتقويض الحراك، من تهديد وإغراء للقيادات أو الوجوه البارزة في الحراك، هل حدث وأن جرت محاولة إغراء ناصر الزفزافي باعتباره الوجه البارز في هذا الحراك، أو محاولة إغراء نشطاء من الدائرة الضيقة داخل قيادة الحراك؟

عندما أقول إن الحراك مبارك، فهو حقيقة حراك مبارك. لماذا؟ لأن النشطاء لديهم قناعات راسخة بأن مبدأهم الأول والأخير هو الريف. الريف بالنسبة إليهم هو المبتغى والمنتهى.

معي شخصيا، حدثت محاولات الاتصال بي منذ بداية الحراك من بعض الأشخاص المجهولين عبر الهاتف وبأرقام مجهولة. هناك من يسألني: اطلب الوظيفة التي تتمناها، اطلب المبالغ المالية التي تريدها وغير ذلك من الطلبات. وأصارحكم أن هناك أشخاصا لا أعرفهم جاؤوا إلى باب بيتي ففوجئت بهم يعرضون علي مبلغا من المال وقالوا لي: “هذه هدية السي ناصر والناس في الميناء يشكرونك “. أنا أعرف أن الميناء تسيطر عليه مافيا، ثم صرخت في وجوههم وفروا على الفور، بينما أنا دخلت للبيت للبحث عن عصا أواجه بها أولئك الأفراد.

هذا ما حدث، وكما جاء في سؤالك، فالدولة المخزنية لها أساليب معروفة. فحينما ترى شخصا يدافع عن حقوق الناس، تغريه بالمال معتقدة أن جميع الناس سواسية وأن الجميع قابل للبيع. أعود فأقول إنه من حسن الحظ أن هذا الحراك يتوفر على نشطاء لا يساومون ولا يبيعون. ونحن عاهدنا الله سبحانه وتعالى وعاهدنا الجماهير، على أنه إن ثبت أن شخصا – كيف ما كان – ساوم أو حاول أن يساوم، فنحن سنفضحه أمام الجميع.

وكما لاحظتم، ومنذ بداية هذا الحراك، وُجد مع الأسف بعض الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم مناضلين ودخلوا السجون، قد حاولوا الركوب على الحراك لأنه معروف عنهم أنهم ساوموا على حركة 20 فبراير وعلى كثير من القضايا، معتقدين أن هذا الحراك يشبه حراكات الماضي. اليوم احترقت أوراق هؤلاء.

هذا بالنسبة للحراك بصفة عامة، ولكن بالنسبة لك شخصيا، كيف تعيش حياتك؟ هل تغيرت؟ هل تخشى على حياتك؟ هل أضاف لك الحراك جرعة زائدة من الشجاعة؟

بخصوص هذا السؤال، وبصراحة، (يضحك). صدقني إن قلت لك، وقسما برب العزة، إنني لا أعرف معنى الخوف، لأنني حينما أشارك إخواني الذين يخرجون بالآلاف إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم وحقوق الناس، فهذا مفخرة لي؛ مفخرة أن يدافع المرء عن أهلك وأرضك. أجدادنا دافعوا عن أرضنا وقدموا  دماءهم في سبيل هذا الريف كي نعيش نحن بكرامة وحرية.

قبل الحراك، كنت أنجز بعض الفيديوهات وأحاول أن أجتهد قدر المستطاع لأكشف ما يجري هنا بسبب المخزن ودكاكينه السياسية، ولكن والدتي كانت تخشى علي وخاصة حينما أتحدث عن لصوص العقار والتهديدات التي أتلقاها بسبب ذلك. تخاف علي أيما خوف، ولكن مع هذا الحراك وسط إخواني، أرى والدتي تتقدم الصفوف. الوالدة هي التي تشجعني الآن وتطلب مني أن أكون قويا. أحس أن هذا الحراك منح لي حرية كاملة. أنا الآن أعيش في حرية مطلقة. الدفاع عن الريف هو بمثابة فرض عين على كل الحرائر والأحرار.

ناصر الزفزافي - الوجه البارز في قيادة الحراك الشعبي في الريف: إذا أعطى هذا الحراك نتائج إيجابية، فلي الفخر أنني كنت واحدا من المشاركين فيه

ناصر الزفزافي – الوجه البارز في قيادة الحراك الشعبي في الريف: “إذا أعطى هذا الحراك نتائج إيجابية، فلي الفخر أنني كنت واحدا من المشاركين فيه”

خلال هذا الحوار يُلاحظ أنك تستخدم مصطلحات سياسية صرفة، مع أنك تؤكد أنك ناشط في حراك  اجتماعي لا يطالب إلا بمطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية.

إذا طالبتَ بإنشاء جامعة على سبيل المثال فهذا في حد ذاته سياسة. الدولة تدرك أن إنشاء جامعة معناه تكوين طلبة واعين رغم اختلاف أيدولوجياتهم. مطلب الجامعة، معناه أنك تمارس السياسة مع الدولة. وبالنسبة لي شخصيا، وبصدق، أنا لست سياسيا ولا أحب السياسة. ولكن كلامي ونشاطي يجراني أحيانا للسياسة بشكل غير مباشر. قد تسألني: لماذا لا تحب السياسة، وجوابي أن 99 في المائة من السياسيين منافقون، وأنا لا أقبل النفاق إطلاقا. ما في قلبي أقوله بلساني.

طرحت عليك السؤال أعلاه، لأن الصراع في نهاية المطاف، ورغم مظاهره الاجتماعية والثقافية، يبقى صراعا سياسيا، وبهذا الاعتبار ألا ترى معي أنه من الضرورة لك وللحراك البحث عن شركاء سياسيين يتبنون نفس المواقف والمطالب لتشكيل قوة سياسية ضاغطة على السلطة لتحقيق أهداف الحراك؟

أولا، حينما نتحدث عن السياسيين ينبغي التساؤل: من هم هؤلاء السياسيون؟ هل أولئك الذين ينتمون للدكاكين السياسية؟ هؤلاء في نظري لا خير يرجى منهم، لماذا؟ وللتوضيح فقط، فحينما يرفع الأحرار والحرائر شعار رفع العسكرة، فهل يجرؤ أي سياسي رفع هذا الشعار من داخل دكانه السياسي؟ لا أعتقد ذلك، وقد أعلنا التحدي ولم نر أي شيء منهم. وهنا اسمح لي أن أوضح نقطة مهمة جدا؛ فحينما أتحدث عن الدكاكين السياسيين فإنني لا أقصد القاعدة أبدا، وإنما أقصد من يملك القرارات داخل الأحزاب السياسية، أما القاعدة فهي منخرطة في الحراك وتخرج معنا في المسيرات. ولأوضح أكثر، أعتقد أن هذه القاعدة المنتمية للدكاكين السياسية لا تعرف ما يجري حتى داخل أحزابها، وبالتالي فإن من له سلطة القرار داخل الحزب لن يتبنى موقف المحتجين ولن يساندهم ولن يدافع عن المنطقة.

وعليه، فإن كل مواطن من القاعدة منتم لتيار سياسي معين، من حقه أن يشارك إخوانه في الحراك، لأن هذا الحراك ليس هو حراك ناصر الزفزافي، بقدر ما هو حراك جميع الأحرار والحرائر. وهذا ما ينطبق كذلك على المثقفين الذين لديهم الغيرة على منطقتهم. الحراك في حاجة ماسة للجميع، وعليهم الانخراط فيه. وكل من لديه تخوفات أو لا يريد أن يظهر في الواجهة، فما عليه إلا أن يدعم الحراك في الخفاء.

الخلاصة بالنسبة لنا أن السياسي المربوط داخل دكانه السياسي لا يُرجى منه خير. لننظر على سبيل المثل لبرلمانيي الريف؛ هؤلاء لم يجرؤوا ولو مرة  واحدة على طرح ولو سؤال علني واحد، سواء في البرلمان أو عبر القنوات التي أستحيي أن أسميها قنوات إعلامية عمومية. أن يطرحوا هذا السؤال: لماذا يُبقي هذا النظام الذي يدعي أنه جديد وأنه دولة الحق والقانون، على هذا الظهير الذي ما يزال يعتبر منطقة الريف عسكرية، بينما نحن نعلم أن مناطق أخرى من المغرب كانت تحت نفس مقتضيات هذا الظهير وتم رفعه، بينما ظل الريف يرزح تحته؟ هذا ما يقع في الواقع على الرغم مما نسمعه من معزوفات تتغنى بالعهد الجديد والإنصاف والمصالحة، في حين أن ما وقع هو تصالح النظام مع بعض الأشخاص فقط وليس مع المنطقة ككل.

أشرت إلى المثقفين، هل تتواصلون مع النخبة المثقفة في الريف وكيف؟ وهل هناك تجاوب منها مع الحراك؟

الحراك في حاجة ماسة للجميع، وعليهم الانخراط فيه

هناك فعلا مجموعة تنتمي للنخبة المثقفة والسياسية لا ترتبط بالدكاكين السياسية. هذه المجموعة تقوم بمجهود جبار لمساندة الحراك. هناك من يتصل بي شخصيا عبر الهاتف ينبهني إلى بعض المصطلحات أو استخدام بعض التعابير والكلمات أثناء خطاباتي، ويزودونني بنصائحهم…

.. وهل تستمع لهذه النصائح وتقبل بها؟

أكيد، أكيد، لأن مثقفي الريف جزء لا يتجزأ من هذا الحراك. تعبئة الناس تستوجب الاستماع والإنصات للجميع، حتى ولو أنه عمليا يستحيل الاستماع للجميع. من جهتنا نحاول التواصل مع الجميع عبر النقل المباشر للاجتماعات، وهذه الطريقة جديدة لم يشهدها الريف من قبل…

.. ربما التقنية الآن تساعد على النقل المباشر..؟

في السابق كانت هناك أيضا كاميرات، لماذا لم يتم استخدامها للتواصل مع الناس؟ توجد وسائل عدة لإخبار الناس بما يجري داخل الاجتماعات، ولكنهم لا يفعلون. نحن نفعل ذلك، حتى المخزن نفسه تفاجأ بأسلوبنا. نحن لا نعمل في الخفاء. ما نقوم به يستوجب منا الكشف والتوضيح وإخبار الناس به. وعندما  نتحدث عن النخبة فيجب توضيح مسألة أساسية، وهي أننا نقصد النخبة المستقلة في تفكيرها وقرارها ولا تخضع لتوجيهات الدكاكين السياسية أو لتوجيهات جهات معينة.

كثيرا ما يحدث أن يوقفني أساتذة في الشارع ويبلغونني ملاحظاتهم، مثلا: أخطأت في استخدام كلمة أو تعبير معين في سياق معين. أفرح حينما أتلقى هذه النصائح، فأنا في آخر المطاف إنسان يخطئ ويصيب، والأخطاء قد تؤثر على هذا الحراك، فإذن من حق الجميع تقديم النصح لي. كما أتلقى نصائح من سياسيين لكن هؤلاء لا ينطلقون من توجيهات دكان سياسي معين. ما أريد قوله هنا إنني منفتح على الجميع.

من الملاحظ كذلك أنكم تستحضرون في خطاباتكم نهج الأمير الخطابي ونهج التجارب السابقة، هل هذا الاستحضار من محض الصدفة أم هو استحضار ناتج عن قراءة واعية للتجارب السابقة؟

حينما نستحضر نهج عبد الكريم الخطابي، يذهب تفكير البعض رأسا إلى الحرب والرصاص، ويعتقدون أننا نحن أيضا من أنصار هذا الأسلوب. بالنسبة إلي، فإن نهج الأمير عبد الكريم الخطابي يتمثل في توحيد صفوف الريفيين الذين كانوا يتصارعون في ما بينهم على أبسط الأمور. واللغة التي استخدمها الأمير في هذا السبيل كانت لغة مبسطة يفهمها الجميع. كما أن نهج الخطابي كان أيضا سلميا وليس المواجهة بالرصاص فقط.ولذلك، فنحن اخترنا نهج السلمية في حراكنا.

ولا ننسى أن الأمير الخطابي خلق وعيا لدى الناس بالتواصل مع القبائل التي كانت في السابق تتناحر في ما بينها على أتفه الأسباب، وهذا ما قمنا به نحن وما زلنا. زرنا مناطق كثيرة بهدف خلق هذا الوعي وتوحيد الصفوف وشرح أهداف الحراك. ما نقوم به من استنباط نهج الأمير الخطابي هو بالضبط ما لا يريد أن يفهمه ويستوعبه بعض الإخوان الذين يتمسكون بلغة مترفعة؛ لغة الجامعات التي تقصي شريحة واسعة من المجتمع الريفي من فلاحين وعمال وأمهاتنا اللواتي لم يتعلمن. كما أننا في الحراك نستنبط فكرة التحرر. فإذا كان الأمير دافع عن تحرر الريف من التبعية للاستعمار الإسباني، فنحن على نهجه سائرون لتحرير المنطقة من الحصار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

من غباء الأنظمة الديكتاتورية عموما أنها لا تستخدم العقل

استكمالا لهذا السؤال، ألا تخشون من أن يكون مآل حراككم المستند على تجربة الأمير الخطابي وتجربة الانتفاضة الريفية في الخمسينات، كمآل هاتين التجربتين؟

نحن، واستنادا دائما إلى نهج الأمير الخطابي، نقوم بواجبنا، وليس هناك فشل أو نجاح. الريف ينادينا ونحن نلبي النداء، ولا نستبعد أن تلتجئ الدولة إلى أساليب لا تخطر على بال أحد، وقد جربنا ذلك أثناء تخليد ذكرى وفاة الأمير يوم 5 فبراير الماضي. فلقد كان أسلوب المخزن خبيثا. على المخزن أن يعلم جيدا أن نساءنا خط أحمر.

نعم، يستطيع المخزن الاستعانة بالجيش، وقد فعل ذلك ليلة الخامس من فبراير حينما جعل قوات الجيش على أهبة الاستعداد للتدخل واستخدم صفارات الإنذار. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة أن هذا النظام المجبول على الظلم والقمع قادر على أن يستخدم قواته ضدنا، ونحن سنبقى ثابتين ومرابطين لأننا ندافع عن الحق. فإن متنا ففي سبيل الكرامة وحق المواطن في الإنسانية.

قبل ظهورك الحراك اعتقد البعض منا أن الريف تم تركيعه، هل يمكن أن توضح لنا ما الذي تتوفرون عليه أنتم كشباب الحراك ولم يتوفر في الجيل الذي سبقكم؟

لا يخفى على أحد أن من سبقنا ساهم، كل من موقعه، في خلق ونشر الوعي بمقالات وكتابات وغيرها من الإسهامات التي لا يمكن تجاهلها. شخصيا، وهنا أتحدث عن نفسي وليس نيابة عن إخواني في الحراك، أرى أن استقلاليتنا عن الدكاكين السياسية والإيديولوجية هو ما جعلنا نتصرف بهذه الجرأة وبهذه الاستقلالية. فليس في بطني “عجينة” كما يقال، وكل من أراه فاسدا ومفسدا يستوجب مني فضحه. ولا أخفي عليكم أن لدي أخ ينتمي للدكان المعلوم وهو “البام”، ولقد هاجمته في كثير من الأشرطة المصورة عبر “اللايف”، لأن انتماءه لهذا الحزب يساهم في حصار المنطقة. لدي أصدقاء كذلك ينتمون لدكان العدالة والتنمية والاستقلال…

خلاصة القول إن عدم انتمائنا للأحزاب المحسوبة على النظام المخزني جعلنا، ربما، نتصرف بهذه الجرأة. فالدكاكين السياسية هي التي أفقدت المواطنين الثقة وبالتالي لم يخرجوا للاحتجاج منذ سنة 2011، لأن هذه الدكاكين مهمتها الرئيسية هي احتواء الاحتجاجات بواسطة بعض المتملقين للنظام المخزني و”لحّاسين الكابا”. المواطن الريفي اليوم واعي، وليس غبيا. الناس اليوم لديهم قراءتهم الخاصة لما يجري في الريف ويفهمون ألاعيب الدكاكين السياسية…

وأنت؟ أليس لديك أي انتماء سياسي؟

أبدا، ليس لدي أي انتماء…

هناك من يشيع عنك أنك تنتمي لجماعة العدل والإحسان…

أقول لهم: هاتوا برهانكم. وإذا ثبت ذلك علي بالحجة، فأنا مستعد للمحاكمة أمام الجماهير الشعبية.

بالعودة إلى هذا الوعي الجديد لدى الشباب، كيف تمكن هذا الجيل من الشباب أن يحافظ على وعيه على الرغم من أساليب المخزن في كسر كل أسباب الممانعة والمقاومة؟

من غباء الأنظمة الديكتاتورية عموما أنها لا تستخدم العقل. هي فقط تستخدم القوة، وكل من يستخدم القوة مصيره الفشل في النهاية، وهذا حال حتى أعتى الإمبراطوريات في التاريخ. فهذا الحصار المخزني الشامل على المنطقة أدى إلى خلق طاقة كامنة في المواطنين، وهذه الطاقة لابد لها من الانفجار حينما تتوفر شروط وظروف الانفجار. الدولة المخزنية أوجدت في داخل المواطن الريفي حقدا كبيرا ضدها، وأؤكد لكم أن هذا الحقد هو حقد برئ.

النظام هو إذن أصل هذا الشعور بالحقد تجاهه، ولا بد من أن يأتي يوم يفيض فيه الكأس. استشهاد محسن فكري هي النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت الناس إلى التعبير عما في صدورهم بجرأة. وهذا مثال عن اليأس الذي كان المخزن أوصل إليه المواطن الريفي: قبل الحراك سُجل ما يقارب 12 عملية انتحار لشباب في مقتبل العمر بسبب الفقر وانسداد الآفاق، ومنذ بداية الحراك إلى يومنا هذا لم نسمع عن أية عملية انتحار واحدة، باستثناء حالة منفردة مشكوك في أمرها حدثت في جماعة لوطا. المخزن يمارس القمع والقوة ضدنا، ونحن نستخدم العقل. نحن سلميون، وسلميتنا تتجلى في التفكير الرزين والمتعقل في كيفية مواصلة الحراك حتى تحقيق المطالب العادلة.

نود التساؤل أيضا عن هذه المناعة التي أظهرها الريفيون هنا ضد الأساليب المتطرفة، على عكس ما يحدث للريفيين الشباب في أوروبا على سبيل المثال. لماذا لم يظهر في حراك الريف شباب انفجاري على غرار الانفجاريين الريفيين في سوريا مثلا؟

الريف له هوية وخصوصية تختلف تمام الاختلاف عن الآخرين. فحينما تخلى الشاب الريفي عن هويته الخاصة به وتبنى هوية غيره، أدى ذلك إلى إنتاج هوية سلبية مضادة للإنسان والإنسانية بالتحاقه بتنظيم داعش. الريفيون مسالمون بطبعهم. الريفيون يؤثرون دوما على أنفسهم من أجل الآخر حتى لا يصطدمون مع هذا الآخر، وبالتالي، ففي الوقت الذي تخلى فيه الريفي عن هويته وخصوصيته، تحول إلى انتحاري في صفوف داعش.كان من المفروض على مثل هؤلاء الشباب أن يشاركوننا الحياة هنا في الريف وألا ينساقوا للخطاب المتطرف الإجرامي.

الريفيون الذين يفجرون أنفسهم في سبيل داعش، لا يفعلون ما يفعلون خدمة للإنسان والإنسانية، وإنما يسعون لتحقيق رغباتهم الشخصية من جنس متخيل مع الحور العين. الريفي الذي يحب الآخر كما يحب أرضه، لا يمكن أن يفجر نفسه.

هل لديكم تواصل مع المناطق الأخرى من المغرب، والتي تعاني من نفس ما تعاني منه منطقة الريف؟

هذا يعود بنا إلى التذكير بنهج الأمير الخطابي الذي يرى أن انتصار الإمبريالية في أقصى الأرض هو هزيمة لنا. فحيثما تواجدت أساليب المخزن القمعية، من الواجب علينا التصدي لها وفضحها. ما يحدث لإخواننا في جبال الأطلس مثلا من حصار وتجويع يهمنا أيضا، ونتمنى أن نساعدهم ونؤازرهم قدر المستطاع.

كان في نيتنا التواصل والتعبئة العامة في الناظور ووجدة وغيرها من المناطق، ولم نتمكن من القيام بذلك لأسباب كثيرة. ومع ذلك، فقد وصل إشعاع الحراك في الريف إلى مناطق نائية في المغرب. هناك من يتصل بي من القنيطرة ومن مدن أخرى يستفسرون منا عن أساليب المواجهة. وهذا يعني أن إشعاع الحراك يتمدد. مواجهتنا للحصار نتشارك فيها مع كل من يعاني من نفس ظروف الحصار والإقصاء.

أين ترى نفسك بعد خمس سنوات من الآن؟

إذا لم أتعرض للتصفية الجسدية فسأخبرك بعد الحراك. ولكن ما هو ثابت ومبدئي، هو أنني أرفض رفضا قاطعا الالتحاق بأي دكان سياسي مهما كان لونه أو شكله في ظل وجود نظام مخزني قمعي ظالم. هذا أولا. وثانيا، فناصر الزفزافي، وكما كان قبل الحراك فسيبقى ناصر الزفزافي بعد الحراك. فإذا أعطى هذا الحراك نتائج إيجابية، فلي الفخر أنني كنت واحدا من المشاركين فيه. أما أن يحقق ناصر الزفزافي هدفا شخصيا على ظهر الحراك، فهذا لن يحدث أبدا.

*جرى الحوار في إحدى مقاهي الحسيمة يوم الخميس الثاني من شهر مارس 2017

Comments

comments