محمد أمزيان: في ذكرى رحيله.. عودة الخطابي تحتاج لخطوة شجاعة

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

السادس من فبراير 1963. قد يكون هذا اليوم عاديا في حياة الكثيرين، لكنه جرح نازف بالنسبة للريفيين وللذين استوعبوا معنى: “مكر التاريخ”.

في هذا اليوم توفي الأمير محمد عبد الكريم الخطابي في القاهرة، ليدفن في مقبرة الشهداء بالعباسية بعد تشييعه في جنازة رسمية مهيبة. كان عبد الناصر في قصره بحدائق القبة. لم يحضر الجنازة ولم يشيّع الراحل من بيته قبل أن يوارى الثرى. قيل إنه تلقى ملامة من بعض القادة العالميين على غيابه، فاستدرك الأمر عندما زار بيت الخطابي بعد ذلك وقدم واجب العزاء للأمير امحمد، شقيق الراحل، ولأفراد أسرته الصغيرة. عبد الناصر استدرك الوقت بسرعة وسجل بعدسات المصورين تلك اللحظات الفارقة بين الرجلين. معروف أن حبل الود بين الرجلين كان قصيرا جدا. كان الخطابي بمثابة المَزار لكل قادة وزعماء العالم حينما يزورون القاهرة، وكان جمال عبد الناصر، الشاب الذي أطاح بزملائه الذين أطاحوا فعلا بالملكية، يُغبط في الخطابي تلك المكانة التاريخية التي يتمتع بها، وتلك الشعلة الثورية التي يستمدها منه قادة الحركات التحررية في العالم، بغض النظر عن أيدلوجياتهم أو خلفياتهم السياسية. كان الخطابي ثوريا قبل أن يكون مسلما أو مغربيا أو ريفيا، وتلك هي “عالمية” الخطابي التي سعت إليه دون سعي منه.

وإذا كان عبد الناصر قد تدارك الموقف وأصلح ما يمكن إصلاحه لتلميع صورته أولا وقبل كل شيء، فإن مَن تسلم زمام الأمور في المغرب؛ البلد الذي علّم فيه الخطابي العالم معنى المقاومة الشعبية والثورة، ما يزالون يعاكسون حركة التاريخ.

خلف الصورة التي نرى فيها محمد الخامس يصافح الخطابي في بيت هذا الأخير في حدائق القبة قصة تُروى. هذه القصة سمعتها من أكثر من راوٍ. فبعد انتفاضة الريف، قام الملك محمد الخامس بجولة مشرقية قادته إلى القاهرة (1960). كان السيد عبد الخالق الطريس سفير المغرب هناك. والطريس كان من بين الشخصيات التي كانت في استقبال الخطابي إبان نزوله في القاهرة سنة 1947، بل ومن الذين صعدوا إلى الباخرة التي كانت تقل الأسرة الخطابية نحو ميناء مرسيليا الفرنسي، وكتب رسالة تعد من بين أقرب الوثائق إلى الحدث وبعثها لقادة حزب الإصلاح الوطني في تطوان. وكان الطريس الذي وصل القاهرة أياما قلائل قبل وصول الخطابي إلى ميناء بورسعيد، آخر من اجتمع بهم السلطان محمد الخامس في طنجة في أبريل 1947. وتشاء الصدف أن يلعب الطريس دورا ما في لقاء محمد الخامس بالخطابي، رغم أن الأمور سارت عكس ما كان يتمناه الطريس.

“مَن تسلم زمام الأمور في المغرب؛ البلد الذي علّم فيه الخطابي العالم معنى المقاومة الشعبية والثورة، ما يزالون يعاكسون حركة التاريخ.”

يقول أحد شهود العيان، وهو ما يزال على قيد الحياة: في اليوم الذي كان مقررا أن يصل فيه محمد الخامس لمطار القاهرة، زار السفير الطريس الخطابي في بيته، وطلب منه أن يرافقه للمطار لاستقبال الملك. رفض الخطابي رفضا قاطعا متعللا بتبعات المرض الذي يعاني منه. ظل الطريس يستعطفه حتى اقترب موعد وصول الطائرة، فقال له مترجيا: أيها الأمير، لقد وضعتني في أزمة، فالرئيس عبد الناصر سيسبقني للمطار، وهذا ليس من الأعراف الدبلوماسية. تمسك الخطابي بموقفه.

تناسى محمد الخامس مسألة الاستقبال وحضر شخصيا لحدائق القبة، والتقى بالخطابي وكثير من الحاضرين قبل أن يختليا في غرفة خاصة لمدة، دون أن يدري أحد بمضمون ما جرى من حديث في تلك الخلوة، ثم أفسحوا المجال لالتقاط الصور، ومنها هذه الصورة المشهورة. وبعد ذلك قام الخطابي برد الزيارة للملك في مقر إقامته بقصر الضيافة. زيارة محمد الخامس للخطابي أذابت بعضا من الجليد بين الرجلين وخاصة من جانب الملك الذي أُقنِع بحكاية الانفصال وتمرد الخطابي على العرش، وظهر ذلك في بعض التصريحات التي أدلى بها الخطابي بعد ذلك ملمحا إلى “قرب” عودته للمغرب حالما توفرت الشروط، ولعل أهمها شرط “جلاء” القوات الأجنبية من المغرب.

الخطوات الكبيرة تحتاج لرجال كبار. فهل فات الوقت لـ”زيارة” الخطابي حيث يوجد الآن منفيا، والشروع في توفير ظروف عودته لبلده؟

*نشر في المساء، عدد الاثنين 6 فبراير 2017

Comments

comments