محمد أمزيان: زمن اليأس

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

كان إدريس البصري رحيما مع “الوليمة الديمقراطية” المقدمة للمغاربة في طبق واحد ووحيد؛ طبق أم الوزارات. كان يصنع خارطة الانتخابات في دهاليز وزارته المظلمة، ثم يأمر البصاصين والزبانية و”الغياطة” بتسويقها على العالمين، وكفى المغاربة شر التنابز بالألقاب. كان البصري صادقا مع نفسه ووفيا صدوقا للمعادلة المغربية البسيطة التي تقول: “خذوا ما آتيناكم بقوة”. كانت تلك هي الديمقراطية في سياقها الرمادي، الرصاصي. ثم تعودنا نحن المغاربة على “الوليمة البصرية” التي كنا على كل حال نعرف طعمها ورائحتها فنأوي إلى بيوتنا لنحلم. كانت الأحلام هي الملاذ.

كنا مقتنعين مع ذواتنا بأن الديمقراطية “البصرية” (“الديمقراطية الحسنية” كما كان يصفها صحافي مشهور)، لها طعمٌ رتيب يشبه طعم الأقبية المظلمة؛ يكون غير مستساغ في البداية، ومع التعود والتكرار يتحول إلى طعم بنكهة مغربية فريدة قابلة للبلع دون الحاجة إلى جهد الهضم. تنسرط بمرارة مع جرعة لا بأس بها من الأمل في أن هذا النوع من الوجبات لابد وأن يتعفن يوما ما، فيعافه حتى طابِخوه. وهكذا سارت الأمور.. حتى استيقظنا ذات غفلة – وليتنا لم نستيقظ – على صوت منادٍ ينادي: انتهى عصر الدهاليز، انتهى عصر الوليمة وحيدة المذاق، افتحوا أزراركم للإنصاف والمصالحة! فصدقّنا المنادي وهتفنا معه وهلّلنا حتى كدنا نفقد أصوات حناجرنا، بعدما فقدنا أصوات انتخاباتنا في دهاليز الاقتراع “البصرية”.

“في زمن ديمقراطية الدهاليز، كان لدينا أيضا أمل. كنا نظن، آثمين، أن هناك قضية تستحق أن يموت الإنسان من أجلها، لكي يعيش المستقبل بلا عثرات، ولكي يلحق الوطن بركْب الديمقراطية بأقل الأضرار. كنا واهمين”.

في زمن ديمقراطية الدهاليز تلك، كنا نعرف الألوان التي ستتزين بها قبة البرلمان، ونعرف حجم الصفقات التي يتم المصادقة عليها في مقهى “باليما؛ البرلمان الحقيقي.. وكنا كذلك نشم من بعيد رائحة  الوزير الأول ونُقدر أوزان الوزراء التابعين وتابعي التابعين، والذين لا يغرفون من بحر الكلام إلا كلمة واحدة: “نعم”، ولا يتقنون من الحركات الآدمية سوى حركة البصم بالعشرة على تعليمات “الداخلية”، والبصم على عقود الريع والصفقات التي أدخلت البلاد في نفق نتن ومتعفن. كنا موقنين بأن الشمس تشرق من نفس المكان وتغرب في نفس المكان وأن الأرض تدور إلا في المغرب، وأن بعض النجوم القليلة الشاردة تتآكل في صمتها ولا يبلغ نعيها أحدا. كان ذلك زمن الوجبة الوحيدة التي لا تقبل المشاركة ولا القسمة ولا التوابل المُنفِّرة.

في زمن ديمقراطية الدهاليز، كان لدينا أيضا أمل. كنا نظن، آثمين، أن هناك قضية تستحق أن يموت الإنسان من أجلها، لكي يعيش المستقبل بلا عثرات، ولكي يلحق الوطن بركْب الديمقراطية بأقل الأضرار. كنا واهمين.

ويمضي الزمن حولنا.. أما نحن فتجمّدنا في سذاجتنا. لا، بل تدحرجنا بلا كوابح أخلاقية ولا مسؤولية ولا حتى ذرة من ضمير نحو برزخ مظلم يبدو بلا قرار.  فالدهاليز زاد عطنها، والكواليس سَمك حجمُها فلم يعد يُرى ما وراءها ولو من سم الخياط، و”الطبخة” الوحيدة الرتيبة أضاعت آخر توابلها. فماذا بعد؟ هل هي اللعنة الأبدية؟

ما يجري من العبث بإرادة المواطنين – مع أنها إرادة محتشمة، خجولة، لا تسمن ولا تغني من جوع – لا يمكن إدراجه تحت أي تصنيف. قد تكون كلمة السلخ رحيمة، قد تكون كلمة السحل رؤوفة، قد تكون كلمة الاستخفاف بلا قيمة، وكأن اللاعبين بالمصائر يقولون لنا: هذا ما نفعله نحن، فماذا أنتم فاعلون؟! يا له من تحد بليد!!

كم من فرصة أخرى نحتاج لكي لا نخطئ موعدنا مع التاريخ؟ لن ينتظرنا أحد في منتصف الطريق، كما لن يرحمنا شيء اسمه المستقبل. ولعل أكثر ما يقتل المستقبل هو اليأس، وأمام اليأس يغيب العقل وتختفي كل المعادلات.

* منشور في المساء، عدد يوم الثلاثاء 23 يناير 2017

Comments

comments