محمد أمزيان: ارفعوا عنا مخازنكم …

  • 0

(تنبيه: هذا المقال سبق وأن نُشر في موقع الإذاعة العالمية بهولندا يوم 12 مارس 2012، ويُعاد نشره على موقع أنوال.نت على خلفية رفع المحتجين مؤخرا شعار: لا لعسكرة الريف).

محمد أمزيان

محمد أمزيان

ليس بالقمع تستعاد هيبة الدولة. المعادلة الأمنية التي تعتمدها الدولة لإخماد بؤر الاحتجاجات الاجتماعية الآخذة في الانتشار على أطراف المغرب “النافع”، أثبتت فشلها. فلماذا الإصرار الأعمى على اعتمادها؟ دشنت الحكومة الجديدة ولايتها بتخبط واضح في التعاطي مع أحداث تازة مع بداية هذا العام؛ الأمر الذي فسر على أنه اختبار مفاجئ لحكومة ’جديدة‘ كانت بالكاد تتحسس كراسيها.

قلنا “زلة” قد تغتفر.. والآن ها هو السيناريو ذاته يتكرر في بلدة آيت بوعياش في غياب تام لوزن الحكومة، إلا ما تحمله قوات الأمن بمختلف أشكالها من عتاد للقمع لم تشهد المنطقة مثيلا له منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي. هناك من يرى أن “زمام” الملفات الأمنية ليست بيد الحكومة. طيب: ومتى كانت المطالب الاجتماعية قضايا أمنية تُدار من وراء حجاب؟

سيفشل الحل الأمني بالتأكيد كما فشل في السابق، وستتعمق الجراحات أكثر من السابق، وستبرز بؤر ساخنة أكثر من السابق. المواطنون في آيت بوعياش، كما في غيرها من مناطق المغرب المنسي، فهموا الرسالة جيدا وهي أن ’انفصاليي‘ المركز ماضون في تعميق الهوة بين “الوطن” و”المواطن”، وإلا كيف يُفسَّر تهديد سكان حدوديون قبل فترةٍ ليست بالبعيدة بالهجرة الجماعية نحو الجزائر، وناظوريون (من مدينة الناظور) يهددون بدورهم بالعبور إلى مليلية المحتلة، ورفع مواطن من نفس المدينة علم إسرائيل فوق بيته بعدما يئس من الاستماع لمظلمته؟ أمثلة كثيرة تترك في النفس مع الأسف الشديد مرارة لا تُحتمل.

المسؤولون الحقيقيون عن تمريغ هيبة البلاد في الوحل هم إذن هؤلاء: “انفصاليو المركز”. فبعدما فرطوا في كرامة المواطن هاهم الآن يفرطون في المواطن نفسه. قد نستيقظ يوما في الصباح فنجد وطنا خاليا، وطنا بلا مواطنين. فالهجرة كما يعلم الجميع ليست دائما جسدية.. هي كذلك إحساس.

قد لا نتفق مع المحتجين على بعض أساليب الاحتجاج، مثل قطع الطرق العامة ومحاصرة مصالح إدارية والامتناع عن سداد فواتير الماء والكهرباء وما إلى ذلك، إلا أن هناك شيء اسمه اليأس وانسداد الآفاق. في نوفمبر من السنة الماضية تحدثت إلى أحد الوجوه البارزة في الحركة الاحتجاجية بآيت بوعياش وأبلغني أن بعض وسائل الاحتجاج تأتي عفوية مثل رفع علم ’الجمهورية الريفية‘ لأول مرة. حينها أصدرت تنسيقية آيت بوعياش لحركة 20 فبراير بيانا شرحت فيه موقفها. والآن ترفع أعلام ’الجمهورية الريفية‘ بالعشرات. فمن المسؤول؟ من رفع الأعلام أم من تجاهل لغة الكلام؟

أكثر من سنة والحركة الاحتجاجية في الريف تحاول فتح فجوة ولو صغيرة للحوار مع المسؤولين، ولكن لا حياة لمن تنادي. المرات القليلة التي كانت الدولة تخلع فيها النقاب عن ’وجهها‘ الهلامي، هي حينما يتقرر عقاب و”تربية” “أولاد السبنيول” (أولاد الإسبان) كما يحلو للقامعين أن يسموا مواطنيهم في الريف. هذه الشراسة اللفظية وما يرافقها من شراسة آلة القمع وتجاهل المطالب، تُعمق الإحساس بالغبن و’الحكرة‘ لدى المواطن ’غير النافع‘، وتنزع عنه أسباب الانتماء لوطن أهدرت فيه إنسانيته.

“قد نستيقظ يوما في الصباح فنجد وطنا خاليا، وطنا بلا مواطنين. فالهجرة كما يعلم الجميع ليست دائما جسدية.. هي كذلك إحساس”.

وبما أن التاريخ هو “مقعد” الحاضر كما يقال، لا بأس أن نعيد إنتاج حكاية مأثورة في الريف. فخلال الحملة “العقابية” التي قادها بوشتى البغدادي باسم السلطان على قبيلة بقيوة الريفية أواخر القرن التاسع عشر، عقابا لها على ممارسة القرصنة البحرية ضد السفن الأوربية، استعانت الحملة ’المخزنية‘ بقبيلة بني ورياغل الشديدة البأس لقهر جيرانها البقيويين. نجحت الحملة وتشتت من بقي حيا من رجال بقيوة على القبائل ومنهم من سجن في جزيرة الصويرة البعيدة.

بعد انتهاء الحملة، ظل الجيش المخزني مقيما في قبيلة بني ورياغل “ضيفا” ثقيلا عليها لمدة أشهر يعيل السكان المحليون أفراد الجيش ويعلفون حميرهم وبغالهم وخيولهم مما يجمعون من زرع وتبن كان بالكاد يكفي احتياجاتهم الذاتية. عندئذ قرر أعيان الريف المتضررين مكاتبة السلطان. ومما جاء في الرسالة بعد البسملة والحمدلة وتقديم فروض الطاعة لولي الأمر: “اجمعوا عنا مخازنكم وإلا فهذا”، ورسموا في أسفل الكتاب بندقية!!!

Comments

comments