محمد أمزيان: الريف.. لنحتكم للغة العقل

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

لا يمكن الحديث عن الريف دون استحضار السياسة وما وطّنته من توتر بينه وبين المركز. وحينما نستحضر السياسة في هذا السياق، فلا نقصد ذلك الفعل النبيل في الإدارة وتدبير الشأن العام، ولكن السياسة بمفهومها الشعبي الدارج، والذي يعني “القوالب” والمطبات وكل ما هو دنيء في الإنسان، والشاطر فيها هو “الشيطان”؛ أي ذلكم الكائن الذي لا يخجل ولا يضبطه أي وازع، سواء أكان دينيا أو أخلاقيا أو اجتماعيا وعرفيا.

لماذا يفوز “الشيطان” دائما في كل الجولات؟ هل هي مسألة حظ وكفى؟ أم لأنه يتوفر على دراية كافية بالصنعة (أي دراية بصناعة القوالب)؟ أم ببساطة لأنه الكائن الوحيد الذي لا يحترم قواعد اللعبة النظيفة في بيئة يسود فيها قانون التوحش السياسي وقانون الغاب؟ قانون الغاب (البقاء للأقوى وليس للأصلح) صالح للمجتمعات الحيوانية التي تتحكم فيها ثقافة القطيع، وتغيب فيها أدنى مقومات الكائن العاقل. ويبدو أن ما يحكم الآن بين المركز والريف هو قانون الغاب؛ أي غياب العقل.

فلو حاولنا قلب بعض الصفحات القليلة من كتاب العلاقات بين المركز والريف، لوجدنا أن قانون الغاب القائم على عنصر القوة والعنف بهدف السيطرة وإخضاع “الخصم” – والمركز مع الأسف لا ينظر للريف إلا على أساس أنه خصم – هو الفيصل والحَكم دائما. وعلى هذا الأساس لم يُدخل المركز منهج الحوار وحكمته في الحساب، ولم يفكر في الاستماع الذي يؤدي حتما إلى إيجاد بدائل حضارية في التدافع، ترتقي بمستوى العلاقة بين الطرفين من حالة الحيوانية إلى مستوى عقدٍ اجتماعي متوافق عليه.

“القوة لا تبني الحضارات، ولغة القوة إن تمكنت من ضبط الأمور لبعض الوقت فإنها لن تضبطها طول الوقت.”

من نوادر التاريخ في هذا الباب، أن الخطابي الأب، وهو المعروف بعلاقاته الحسنة مع المخزن في فترة من الفترات لدرجة أن المخزن أقرّه قاضيا ومدبرا لشؤون الريف بمقتضى ظهير، حاول (الخطابي الأب) إيصال وجهة نظره للمخزن في فاس بخصوص مواجهة “الفتان” بوحمارة الذي كان قد بسط سيطرته على تازة والنواحي، وهدد فاس العاصمة ذاتها مرارا. ومن أجل نقل فكرته تلك، ابتعث نجله الشاب محمد للقاء السلطان آنذاك في فاس، إلا أن محمد عبد الكريم الخطابي ظل في فاس أشهرا عدة ينتظر، دون جدوى، إلى أن جاءه الجواب أخيرا عبر وسيط (من محيط السلطان) يبلغه بأن المخزن الشريف لديه ما يكفي من القوة لضبط بوحمارة. والنتيجة المعروفة في كتب التاريخ هي أن “الحرْكة” التي بعثها السلطان لتأديب بوحمارة، انتهى بها المطاف لاجئة في مليلية بقيادتها وجنودها النظاميين وغير النظاميين!

العبرة من هذه الحكاية التاريخية أن المخزن لم يفكر أبدا في إيجاد حلول في منأى عن منطق القوة والاستعلاء بها، حتى وإن أدرك أن القوة ولغة العنف، لا تقدم له أي ضمان بالنصر فكيف بتحويل المواطن العاقل إلى فرد في جيش القطيع. ومع ذلك يغامر.

في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، شهد الريف احتجاجات شعبية واسعة، وكانت مطالبها اجتماعية في غالبيتها، وكان يمكن تلبية الكثير منها دون أدنى الخشية من تناقص “هيبة” المخزن والدولة، والعنف المنظم هو بالأساس ما يُنقص من هيبة الدول، إلا أن المسؤولين آنذاك آثروا أن يدفعوا بأكثر من 80 في المائة من الجيش النظامي لقمع مواطنين عزل. فمن لطخ سمعة البلاد في الوحل؟ المحتجون السلميون أم سياسة الاستقواء بالعنف؟

يتكرر السيناريو الآن في الريف، والكل يستشعر قرون العنف تطل بلا رحمة. فما الذي يمنع من “الاستماع” – مجرد استماع – لمطالب المحتجين؟ إشعال النار أهون بكثير من إطفائها، فلماذا هذا التعنت الأعمى؟

قد أسمح لنفسي بأن أهمس في أذن من يريد أن يسمع: القوة لا تبني الحضارات، ولغة القوة إن تمكنت من ضبط الأمور لبعض الوقت فإنها لن تضبطها طول الوقت. الصبر والحكمة التي أبان عنها شباب الحراك، قد يحولها الضغط والقهر والعنف إلى شيطان مارد. لا أقصد شياطين السياسة الذين تحدثت عنهم في بداية هذا الكلام، ولكن شياطين متمردين وليسوا عُصاة.

5 يناير 2017

* عمود “شيء من كلام”، نشر في صحيفة المساء – عدد الثلاثاء 10 يناير 2017

 

Comments

comments