جمال أمزيان: تقديم كتاب “إبقوين.. نبش في الذاكرة”.. القراءة زمن “الطابليت”

جمال أمزيان مهتم بتاريخ الريف وتطور العمران في مدينة الحسيمة

جمال أمزيان
مهتم بتاريخ الريف وتطور العمران في مدينة الحسيمة

تقديم

ازدانت المكتبة المغربية عموما والريفية على وجه الخصوص بكتاب جديد صدر هذه السنة 2016 عن دار النشر مطبعة المعارف الجديدة بالرباط موسوم بـ”قبيلة إبقوين.. نبش في الذاكرة”، لصاحبه الأستاذ عبد العزيز طليح. كتاب يقع في 390 صفحة من الحجم المتوسط بما فيها التقديم والمقدمة والخاتمة والبيبليوغرافيا ولائحتي الصور والجداول، ثم الفهرس.

وكملاحظة أولية لا بد من الإشارة إليها في البداية هو أن هذا المؤلف، وحسبما هو مثبت على الغلاف، هو دراسة إثنوغرافية، والإثنوغرافيا، كعلم، لها مريدوها وأهلها ومناهجها (الملاحظة، التحليل، ثم الاستنتاج والتعميم)، شأنها في ذلك شأن باقي العلوم. لذا فإن تقديم قراءة له قد تستلزم نوعا من التخصص، وهو شرط يبتعد نوعا ما عن اهتماماتنا الموجهة نحو التاريخ بالأساس. ومع ذلك سنحاول لما قد يكون لهذين الحقلين من ترابط بينهما، زد على ذلك أن”القبيلة” تظل تيمة مشتركة للبحث بين تخصصات مختلفة، فهي محط أنظار السوسيولوجيين والانثروبولوجيين والمؤرخين والاقتصاديين والجغرافيين. كما أنني سأحاول مقاربة هذا التقديم من زاوية قد تكون غير معتادة وذلك بالتركيز على مسألة التأليف والتدوين في زمن اللوحات الذكية.

دواعي التأليف

ما جعلني أتبنى هذه المقاربة في هذا التقديم، هو بعض العبارات التي أثارها الكاتب في مقدمة كتابه يلخص فيها دواعي البحث في موضوع قبيلة بقيوة الريفية، أو “إبقوين” كما يحبذ أن يسميها. ففي هذه المقدمة يقول:

«ويوما عن يوم تزداد الأصوات المنادية بضرورة إيلاء الذاكرة المحلية المزيد من العناية والاهتمام، لما للموضوع من أهمية وملحاحية آنية غير قابلة للتأجيل في ظل زحف سريع للتنميط الثقافي الذي تبشر به العولمة، وما يمثله من خطر مهدد بمسح الذاكرات المحلية وطمسها.»

ثم يضيف بأن هذا التنميط الثقافي وهذه العولمة بإمكانها «القضاء على الهويات المميزة لجماعة عن الأخرى.»

الحسيمة - إبقوين

كتاب: إبقوين.. نبش في الذاكرة

مما سبق، يمكن أن نستشف الدواعي الأساسية، إن بشكل مضمر متواري، أو بشكل ظاهر ولائح، والتي تكمن وراء ظهور هذا الكتاب وهي: أولا التخوف من اندثار الخصوصيات الإثنوغرافية للمجتمعات الأصيلة بسبب العولمة، وثانيا: التخوف من أفول هوية هذه المجتمعات. وهي تخوفات مشروعة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ملاحظاتنا للتحولات السريعة التي تعرفها المجتمعات الأصيلة، ومنها قبيلة “إبقوين”. وهذا ما يقر به المؤلف حين يقول في صفحة 165: «غير أن هذه الأعراف والعادات والطقوس الممارسة، صارت في خبر كان بداية من الربع الأخير من القرن الماضي.»

إن مسألة خفوت واندثار الخصوصيات الإثنوغرافية للمجتمعات الأصيلة أصبح أمرا واقعا أمام زحف العولمة، ومع انتشار معرفة وثقافة الدول المتقدمة المنتجة للمعرفة والتقنية، والساعية إلى تنميط المجتمعات وفق نموذجها المعرفي والاجتماعي والثقافي. لقد وفرت لها الثورة المعلوماتية الرقمية المناخ الملائم لكي تستأسد وتتغول وتفرض نموذجها الثقافي، فتأثرت بذلك مختلف المجتمعات الضعيفة والمتخلفة، والتي تغيرت فيها أنماط سلوكات الأفراد تجاه أنفسهم، وتجاه من وما حولهم حتى تحول الجميع. إن الإقبال على استهلاك هذه التكنولوجيا، وبشكل طوعي، حول الإنسان إلى ما يمكن تسميته بـ”الإنسوب”، أي الإنسان المعدل حاسوبيا، إذ «أصبحت [هذه] التكنولوجيا المعلوماتية ووسائط الاتصال الاجتماعية؛ معيشا يوميا، وبات الارتباط بالتقنية أكثر متانة من العلاقات الطبيعية، بل أضحت (…) مؤثرة ومحددة لطبيعة هذه العلاقات [في] هذا الواقع [الذي] تحتل فيه التقنية والصورة حياتنا اليومية إلى درجة يمكن القول معها، إن التقنية نمط وجود حياتنا اليومية». و«تحولت معها الوسائل التكنولوجية إلى آلة لإنتاج المعاني والمشاعر الاجتماعية، تحدد طبيعة السلوكات السياسية وتتحكم في إدارة الجماهير إلى درجة يمكن معها وصف الحالة الاجتماعية المرتبطة بالتقنية بـ”رقمنة المشاعر” “والتسيد الرقمي”.

أمام هذا الوضع، كيف يمكن لهذه الشعوب أن تحافظ على نموذجها الثقافي والمعيشي، وحتى الهوياتي، التي تتفرد بها؟ هل يمكن لنا اعتبار الكتاب الورقي، في ظل هذه الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، قادرا على أداء هذا الدور في ظل الإكراهات التي تواجهه؟ فإلى جانب التكاليف المادية المرتفعة، نجد المنافسة الشرسة للتكنولوجيا الحديثة وثورتها المعلوماتية، ثم ما نشهده على أرض الواقع من النفور الكبير من قراءة الكتب، بموازاة الإقبال الذي لا يضاهى على توظيف التقنية الجديدة في اكتساب المعلومات والمعارف، من قبيل الشبكة العنكبوتية ومحركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعية. هذا أولا. أما ثانيا، فإذا ما قارننا مدى الإقبال على اقتناء الكتب مهما كان ثمنها، مع اقتناء الهواتف واللوحات الذكية، فسيبدو البون الشاسع جليا بينهما. أما لماذا؟ فهذا أمر آخر قد تكون له علاقة بالمنظومة التعليمية، ثم سعي الفرد إلى تسريع عملية اكتساب المعلومة والمعرفة، من وفي أي مكان يتواجد فيه، وكذا الشعور والإحساس بالحرية المتاحة للتعبير عن أفكاره. زد على ذلك هوس العصرنة والإغراءات والمزايا التي تقدمها هذه التقنيات الجديدة. فقد تجد إنسانا وفي يده هاتفا ذكيا يتصفح حسابه في أحد منتديات التواصل الاجتماعي، وفي ذات الآن يبحث عن معلومة ما في أحد محركات البحث، ويستمع لإحدى أغانيه المفضلة، ويشاهد فيلما أو شريطا وثائقيا أو ما شابه ذلك وهو متمدد على رمال شاطئ أو جائلا في منتزه أو مستلقيا أمام شاشة التلفاز أو ساهرا في حفل ما، أو متابعا لنشاط رياضي أو ثقافي معين. ولنا أن نتساءل عن عدد الساعات التي يقضيها وهو يقرأ ويعلق ويكتب و”يجمجم” ويتواصل في صفحات منتديات التواصل الاجتماعي، وكم من ساعات يقضيها في الكتابة على الورق أو يتصفح جريدة أو يقرأ كتابا ما، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار، وحسب الإحصائيات الدولية، أن معدل القراءة لدى المغاربة لا يتعدى ساعتين ونصف في السنة. ولكم أن تتصوروا ماذا يمكن أن يستفيد وماذا يمكن أن يترسخ في ذهنه، المشتت أصلا، من معلومات ومعارف هي في مجملها سطحية وغير دقيقة، لغة ومعنى. تجده عارفا بما حدث ويحدث، وربما ما سيحدث، في مختلف أصقاع العالم، لكنه جاهل لتاريخه، لثقافته، لمكونات هويته وعناصرها الإثنوغرافية. هذه هي «همجية زحف التقنية التي تمثلها مختلف وسائل التواصل وما تمثله من اجتثاث واقتلاع للإنسان وثقافته.» وجعلت من الصعب على الجماعات البشرية أن تبقى منعزلة، فأضحى الاختلاط الثقافي  أمرا لا مفر منه ولا محيد عنه.

“مسألة خفوت واندثار الخصوصيات الإثنوغرافية للمجتمعات الأصيلة أصبح أمرا واقعا أمام زحف العولمة، ومع انتشار معرفة وثقافة الدول المتقدمة المنتجة للمعرفة والتقنية، والساعية إلى تنميط المجتمعات وفق نموذجها المعرفي والاجتماعي والثقافي.”

بعد هذا كله أو بعضه، ألا يحق لنا أن نتساءل: هل يمكن للكتاب الورقي أن يشكل آلية قادرة على أن تسمح لتلك الشعوب الأصلية بالحفاظ على مكونات هويتها وخصوصياتها التي تميزها عن الآخرين؟ هذه هي الهواجس التي جعلتني أعتبر موضوع التأليف بمثابة مغامرة. ولنقلها صراحة: “إن عملية التأليف والكتابة ليستا مورد رزق ومعيشة في زمننا.”

مما أثار الكاتب، وأظن أنه كان أيضا، حسب اعتقادي، من دوافع خوض غمار هذه الدراسة، التخوف من اندثار الهويات المميزة للمجموعات البشرية الأصيلة، وهو تخوف مشروع نابع مما نعيشه اليوم من سعي تلك المجموعات إلى البحث عما يميزها عن الأخرى، كما تشكل الدعوة إلى الحفاظ على الهوية، ومكوناتها، العمود الأساسي في الخطاب السياسي للبلدان، ولا سيما حينما تظهر هناك ضرورة لإعادة تنظيم المجال الجغرافي والإداري لتلك البلدان. وهذا ما حدث في المغرب في السنوات الأخيرة حينما اقتُرح مفهوم الحكم الذاتي للخروج من عنق زجاجة النزاع حول الأقاليم الجنوبية، وهو الاقتراح الذي أفضى إلى إعادة النظر في التقسيم الجهوي للبلاد، وهو التقسيم الذي أثار نقاشا بين مختلف الفاعلين حول نوع وطبيعة المعايير التي سيتم الاعتماد عليها في هذا الإطار، فطرحت ضرورة تبني “الهوية” كمعيار لهذا الإصلاح، سواء أكانت ثقافية أو إثنية أو لغوية، ذلك أن الإنسان، وكما يقال، لا يحيا بالخبز فقط، بل لا بد له من هوية تميزه عن الآخر، وهذه الهوية تنبني على أسس مستمدة من تاريخه وثقافته وعاداته وتقاليده، من ذاكرته الفردية والجماعية، فإن هي اندثرت: «صارت الأجيال اللاحقة أجيالا بلا ذاكرة»، لا شخصية لها.

ورغم هذه التخوفات وهذا الوضع القاتم للإقبال على القراءة وعلى الكتاب، فإن الكتاب أتى، حسب المؤلف:

  • ضد استمرارية ثقافة النسيان.
  • لحماية ذاكرة رهيفة وإنقاذ لروح ثقافتنا من عقم يعقبه زوال وانقراض هويتنا.
  • لجعلها ذاكرة حية للأجيال الصاعدة.
  • لتوفير مادة غنية يشتغل عليها الدارسون والباحثون لكتابة التاريخ المحلي الذي يعتبر لبنة متينة في كتابة التاريخ الوطني.
  • للتوجه نحو المستقبل، إذ قد يأتي يوم سيبحث فيه الأبناء والأحفاد عن الجذور، وسيجدون في هذا المؤلف، إلى جانب أخرى، ما هم في حاجة إليه.

فهل مضمون هذا الكتاب سيشفي غليلنا المعرفي وسيسمح لنا بتجاوز ثقافة النسيان، ورتق ذاكرتنا المثقوبة ويحافظ على خصوصياتنا الثقافية وتاريخنا ولغتنا لتتوارثها الأجيال الحالية والقادمة؟ وهل سيجد فيه الباحثون في التاريخ المحلي والجهوي ما سيساعدهم على إعادة كتابة تاريخ هذه القبيلة والقبائل الريفية الأخرى؟ وهل حدث فيه نبش في ذاكرة القبيلة أم في ذاكرة المؤلف؟

مضمون الكتاب

يقول الكاتب، مع بعض التصرف: «النبش في الذاكرة [هو تدوين] كل ما تحفظه الذاكرة عن تاريخ وجغرافية المجال؛ والمجال ها هنا هو قبيلة إبقوين، عن أحداثها التاريخية ووقائعها الاجتماعية، عن العادات والتقاليد وأنماط فن العيش، ومختلف الأعمال والأفعال التي تمارسها الساكنة المحلية بصفة يومية أو دورية، وفي مناسبات مختلفة، سواء أكانت هذه الممارسات واعية أو عفوية»

لنقف عند العنوان الفرعي: “نبش في الذاكرة”، فماذا تقول المعاجم في شأن هذين اللفظين؟

تجمع المعاجم على أن لفظة النبش تعني الحفر أو السبر أو الجس. فيقال مثلا نبش العقل، أي سبره وجسه لاستخراج المعلومات من خلال طرح الأسئلة. ويقال أيضا: نبش الماضي، أي نفض غبار النسيان عما هو مستور أو مطوي.

أما الذاكرة فهي «إحدى قدرات الدماغ التي تُمكِّنه من تخزين المعلومات واسترجاعها»، وعملها يمر عبر ثلاث مراحل: ترميز البيانات المستقبلة، تخزينها للرجوع إليها عند الحاجة، ثم الاسترجاع عندما تتم عملية استعادة المعلومات المرمزة سلفا وإعادتها إلى حالتها الأولى عند الاستقبال، أي قبل الترميز.

والذاكرة أنواع ثلاثة: الذاكرة الحسية، ذاكرة قصيرة المدى، وتسمى أيضا الذاكرة العاملة، ثم الذاكرة طويلة المدى.

وأثناء إعداد دراسة ما تتطلب العودة إلى الماضي، هنا يمكن الرجوع إلى الذاكرة الفردية أو إلى الذاكرة الجماعية لمجموعة بشرية معينة. غير أن ما يميز هذا النوع من الذاكرة هو كونها تتأثر بعامل الزمن، فيعتريها الوهن والتشوه، وهذا ما يجعل عملية استرجاع البيانات والمعلومات أمرا صعبا.

فهل استطاع الكاتب في هذا المؤلف أن ينبش فعلا في ذاكرة القبيلة، أو في ذاكرته هو، بحكم انتمائه إلى هذا المجال الجغرافي والبشري والثقافي، وهو شرط أساسي في الدراسات الإثنوغرافية، ليستخرج منها ما علق وخزن فيها من معلومات إثنية عن القبيلة، موضوع الدراسة؟ ماذا سيقدم مضمون الكتاب لشريحة مهمة من ساكنة المضيق\الرينكون ترجع أصولها إلى هذه القبيلة. هل سيذكرهم بجذورهم وأصولهم التي نسوها، أو تناسوها، فيجعلهم يحسون بنوع من النوستالجيا والحنين إلى ذلك الزمن الذي عاشوه هناك، بمره وحلوه؟ أم أنهم طووا تلك الصفحة نهائيا وبالتالي قد لا يعيرون أي اهتمام لمضمون هذا الكتاب لكونهم اكتسبوا هوية هذه المدينة التي تبحث لنفسها عن شخصية مشتركة بين جميع أولئك الوافدين عليها وتتوق إلى تشكيل هوية خاصة بها، تتفرد بها عن باقي الحواضر؟

ماذا سيضيف هذا المؤلف إلى مكتسباتنا المعرفية عن إحدى أهم وأعرق قبائل شمال المغرب عموما، علما بأنه قد صدرت بلغة الضاد، رغم قلتها، كتابات أخرى نذكر منها: منطقة الحسيمة عبر التاريخ بجزأيه لصاحبه الأستاذ المفتوحي أحمد بوقراب، ثم إبقوين قبيلة من الريف المغربي (مونوغرافية قبيلة بقوية)، لصاحبه الإسباني أنخيلو كيريلي (1913)، والذي قام بترجمته الأستاذ عبد المجيد عزوزي. هذا بالإضافة إلى أن القبيلة قد وردت بشكل، أو بآخر، في مؤلفات ودراسات أخرى من قبيل كتاب أيث ورياغر، قبيلة من الريف المغربي، لصاحبه الأمريكي دايفيد مونتغمري هارت، وكتابات الأستاذ أحمد الطاهري عن الريف، وآخرون.

هذا ما سنحاول استجلاءه من مضامين كتاب “إبقوين”، نبش في الذاكرة.

كتاب: إبقوين.. نبش في الذاكرة

كتاب: إبقوين.. نبش في الذاكرة

بعد البحث في إيتيمولوجية اسم القبيلة، قبيلة “إبقوين” في الفصل الأول من القسم الأول من الكتاب، وعرض مختلف التسميات وتتبع تطورها، سعى في الفصل الثاني إلى تحديد التجمعات السكنية وتوزيعها عبر مجال القبيلة مع إبراز، في حدود الممكن، ظروف الهجرة إليها مستندا في ذلك على مجموعة من الوثائق كالنصوص والصور.

في القسم الثاني من المؤلف سعى الكاتب إلى نبش ذاكرة القبيلة عبر رصد مظاهرها الإثنوغرافية، فأبرز في الفصل الثالث المناسبات الفلاحية وطقوسها كما تمارسها قبيلة إبقوين، وميز بين فصول وشهور السنة الفلاحية وما يرافقها من مراسيم وطقوس وعادات (الحاكوز، لعنصارث، تسليت أونزار). وخص الفصل الرابع للمناسبات الدينية والتجليات الاحتفالية المرتبطة بها ( ثعاشورث، ارموروذ، ارندان، ليلث ثمقرانت، لعيذ أمزيان، لعيذ أمقران)، بينما شكلت مظاهر وأشكال ممارسة طقوس دورة الحياة من قبيل العقيقة (السابع)، ختان الذكور (الطاهارث)، الزفاف (ثمغرا) والجنازة، مضمون الفصل الخامس من الكتاب. أما الفصل السادس المدرج ضمن القسم الثالث، فقد خصه لظاهرة الولائية والصلحاوية بجرد أسماء وأضرحة الأولياء ومناطق تواجدها، وكذا المزارات المختلفة من زوايا ورباطات وركام أحجار متراكمة. وفي الفصل السابع عالج ظاهرة الأسواق وأهميتها في الحياة الاقتصادية للقبيلة.

نقد الوثيقة

هل مضمون هذه الفصول السبعة من الكتاب والموزعة على الأقسام الثلاثة سيجنبنا ثقافة النسيان، وسيحمي ذاكرتنا الرهيفة من عقم يعقبه زوال وانقراض هويتنا، وسيوفر للدارسين مادة غنية سيشتغلون عليها لكتابة التاريخ المحلي والجهوي، من سيوفر للأبناء والأحفاد الباحثين عن الجذور ما هم في حاجة إليه؟

أعتقد وبلا مواربة، أن هذا الكتاب هو الأول الذي صنف بلغة الضاد، إذا ما تجاوزنا ترجمة كتاب أنجيلو جيرللي الذي يعود تأليفه إلى عشرينيات القرن العشرين والذي تختلف الخلفيات المتحكمة في ظهوره مما هو عليه الشأن بالنسبة للكتاب الذي نحن بصدد تقديمه. ثم كون الاختلاف يكمن في الباحث نفسه. فغريللي، إثنوغرافي إسباني، نظر إلى القبيلة موضوع البحث انطلاقا من بيئته الثقافية، فضمن كتابه ما يخدم ثقافته وبلده ومراميها في المنطقة، بينما صاحب الكتاب الحالي هو ابن القبيلة ذاتها والهواجس التي تحكمت فيه تتوخى إبراز فرادة القبيلة عن القبائل المجاورة، فبذل مجهودا كبيرا في التحري عن الخصائص الإثنوغرافية لقبيلته هذه حتى يترك أثرا مدونا حولها للأجيال القادمة ويتجاوز بذلك الثقافة الشفوية التي هي السمة الغالبة على الثقافة في الريف.

إن هذا الكتاب فيه الكثير من المعطيات الإثنوغرافية المتعلقة بالقبيلة، قبيلة إبقوين قد تفيد الباحث والدارس والأبناء والأحفاد، وبلغة الضاد، وهي معطيات محينة، عاشها المؤلف وشاهد ممارستها هو بنفسه، أو استقاها من شيوخ القبيلة وما تمكنت ذاكرتهم من استعادته.

حتى نكون منصفين، فأهمية الكتاب لا مراء فيها ولا نقاش، وكم نتمنى أن تكثر هذه الكتابات والدراسات، على شكل مونوغرافيات، حول القبائل الأخرى من الريف، لتتوفر المادة الخام لإعادة كتابة تاريخنا، ذاك التاريخ، الذي لولا الأجانب، رغم العيوب، لما تمكننا من معرفة ما نعرفه منه. ومع ذلك فلا بد من ذكر بعض الهفوات، حسب تقديرنا البسيط، والتي كان من الممكن تجاوزها، فتزيد بذلك قيمة الكتاب.

 

لماذا لم يتم التوقف عند طوبونيميا بعض الأعلام الواردة في الكتاب حتى يتم إغناء محتواه ويكون مفيدا أكثر، ومنها مثلا تيقيث، أذوز، بادس، تفنسة، توسارث، الدبوز، أسكرم، بوسكور…….؟

لماذا تم إهمال البعد التاريخي لتفسير بعض الوقائع التاريخية وأسباب بعض الظواهر التي شهدتها القبيلة. وكمثال على ذلك يقول الكاتب في ص. 51: «أغلب “ثرفقين” بقبيلة إبقوين استقرت بمواضعها الحالية منذ منتصف القرن التاسع عشر، على غرار باقي قبائل ساحل الريف الأوسط، كما تجمع على ذلك الدراسات التي اتخذت من القبيلة موضوعا لها، على شحها.» ويضيف: «وعلى بعد قرن ونيف من الزمن، ومع وجود عوامل ومتغيرات عديدة….» ما هي تلك الدراسات؟ وما هي تلك العوامل والمتغيرات العديدة؟

حينما تطرق الكاتب لظاهرة الأولياء والوليات بالقبيلة (الفصل السادس بدءا من ص175) وذكر أسباب تمركز هؤلاء بها، وقف عند العامل الجغرافي وتنوع طبوغرافيا المجال، وعند العامل الديني/الثقافي، لينتقل إلى التوزيع الجغرافي لهذه الظاهرة، لكن دون الوقوف عند السياق التاريخي لها، إذ كان لابد من الإشارة إلى ظاهرة الجهاد البحري الناتجة عن حروب الاسترداد والصراع بين دار الكفر ودار الإسلام منذ القرن الخامس عشر الميلادي. وهو الأمر الذي أفضى إلى نشوء رباطات على طول ساحل الريف. زد على ذلك التواجد الإيبيري بالساحل المتوسطي في عدة مواقع بدءا بسبتة سنة 1415 إلى جزر شفاريناس (1848) مرورا بمليلة (1497) وبادس (1564)  والنكور(1673)

بالنسبة للمادة المصدرية والتوثيق، يبدو لي أن هناك نوع من التقصير. وسأقف عند بعض الأمثلة:

  • بالنسبة للوثائق العدلية التي أورد الكاتب صورا لها في مؤلفه، وهي صور غير واضحة ويصعب على القارئ قراءتها، أولا لنوعية الخط الذي كتبت به، وثانيا لعدم وضوحها. لذا كان من الممكن إعادة كتابتها بخطوط مقروءة وواضحة حتى تتمكن الاستفادة منها وكشف مضمونها.
  • استعمال بعض الصور مأخوذة من بعض المواقع الإلكترونية والتي ليست في ملكيتها ولا تشير إلى مصدرها الأصلي قد ينقص من القيمة العلمية لتلك الوثيقة، كما هو الشأن في ص.35، هامش 36، ص. 48، ص.60، ص217
  • اعتماد المجلة كمصدر قد يجانب الصواب، إذ أنها تتشكل من عدة مقالات ولك واحد منها صاحبه. لذا كان من الأجدر اعتماد الصيغة التالية في الإحالة: صاحب المقال، عنوان المقال، اسم المجلة، رقم العدد، الصفحات، السنة.
  • هامش 28، ص. 31 قد يفهم منه ورود ظهير محمد بن عبد الله بصفحة 55 من مقال حول القرصنة الريفية لزميلنا محمد أونيا. لكن بالعودة إلى ذلك المصدر، لم يتم العثور على ذلك الظهير، لا في المتن ولا في الهوامش، وحتى إن وردت لفظة بقيوة في تينك الصفحة، ففي سياق آخر.
  • تكرار الهامش 36 ص. 35 المحيل على كتاب أوغست مولييراس ص90 بالفرنسية، وفي ذات الوقت إلى صفحة “نحن من الحسيمة” الإلكترونية، فأيهما هو مصدر الصورة؟مع غياب الهامش 35
  • هامش رقم 25، ص28، تعود المعلومة المشار إليها إلى نص ووثيقة في ملكية السيد محمد أشهبار، رحمه الله، والذي سمح للمجلة بنشرها حتى تعم الفائدة، وبالتالي أعتقد أنه كان من الأفضل الإشارة إلى صاحب الوثيقة عرفانا له على هذه الخدمة التي خدم بها البحث العلمي، بدل إسنادها إلى المجلة.

كيفما كان العمل، ومهما بذل من مجهودات، وهي كثيرة لا تنكر وتسجل لصالح المؤلف باعتباره المبادر الأول إلى خوض مغامرة تدوين المعطيات والخصوصيات الإثنوغرافية لقبيلة إبقوين الريفية بلغة الضاد، على اعتبار أن الدراسات المنجزة حولها تعود إلى الحقبة الاستعمارية، فإن هذا المؤلف لا يخلو من بعض الملاحظات التي كان من الممكن تجاوزها سيما وأن المؤلف ابن القبيلة نفسها، وشاهد وعايش مجموعة من الخصوصيات الإثنوغرافية للقبيلة ولطقوسها، واجتهد في لملمتها. ومن بين تلك الملاحظات التي لا تنقص من قيمة الكتاب ما يلي:

  • في غالب الأحيان، حينما يستعرض الكاتب بعض الظواهر الإثنوغرافية للقبيلة، فإن الأمر دون الدخول في التفاصيل ولا البحث عن الجذور والأصول التاريخية سيما وأنها تمارس في قبائل ومناطق بتمظهرات تكاد لا تختلف عما هو ملاحظ في القبيلة، موضوع الدراسة. وكمثال على ذلك ما يلي:
  • ظاهرة الاحتفال بالعنصرة، ص.99
  • ظاهرة الولائية. ص179
  • ظاهرة طلب الغيث وطقوس ممارستها ص.102

إن بقاء الباحث عند هذا المستوى (الوصف) قد لا يتماشى ومنهج البحث في الدراسات الإثنوغرافية؛ العلم الذي، مهما اختلفت التعابير والجمل والصيغ، يتوخى فهم أساليب وطرق مجتمع أو جماعة ما من خلال معرفة أفكار أعضائه ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم وسلوكاتهم الاجتماعية وأدواتهم ومأثوراتهم وفي فترة زمنية محددة، والعوامل المتحكمة فيها. ومنهجه، كباقي العلوم، يعتمد الوصف والملاحظة (جمع المعلومات)، التحليل (تنظيم المعلومات واختصارها وتفكيكها وتصنيفها)، ثم الاستنتاج والتأكد من النتائج.

  • استعمال بعض العبارات التي قد تكون لها حمولة غير موفقة، وقد تجانب الصواب. ومن الأمثلة على ذلك: «والتعرف على عدد هائل من الأماكن المقدسة» (ص.180)، «كانت الساكنة أو ما تزال تقدسها» (نفس ص)، «الأماكن المقدسة» ص 204
  • كان من اللازم تحديد المفاهيم المرتبطة بموضوع البحث مثل مفهوم القبيلة، الكتلة القبيلة (ص21)، التكتل القبلي (ص22)، الجماعة البشرية (ص35)، البنية الإثنوغرافية (ص47)، مورفولوجية القبيلة (ص47)، التقسيم الربعي للقبيلة والربع (ص47)، السلالة، ثرفيقث (نفس ص)، الأسرة، المدشر (نفس ص)، العائلة والعائلة الواحدة (ص 49)، الاسم العائلي (نفس ص)، بنية الساكنة (ص. 51)، الرواية والرواية الشفوية (ص51)، الذاكرة (ص52)، الفرقة (ص70)، الذهنية الجماعية واليومية الفلاحية (ص85)، الجماعة\اجماعث (ص125)، الإثنية والدورة الحياتية (ص139)، الأقارب (ص141)، الجهاد (ص183)، الفخذ\الأفخاذ (ص190)، السوق (ص211)…
  • اللجوء إلى التعميم في الوقت الذي يكون فيه المعطى يتطلب مزيدا من التوضيح، إذ يقول مثلا: «على الرغم من وجود العديد من التفسيرات والتأويلات التي تسعى جاهدة لإعطاء معنى للفظ إبقوين» (ص39)، « فالحديث عن تعاقب التعمير والخلاء بالمنطقة، ولعوامل تختلف بين فترة وأخرى، معروف ومتداول ولا خلاف في ذلك» (ص. 52) «وغيرها من الربط» (ص189) « فمن غير المستبعد أن يكون سوق الأربعاء بأزغار، خلف الأسواق السالفة الذكر بعدما تراجع نشاطها لسبب أو لآخر، خصوصا تنامي ظاهرة الخطف والسبي التي عرفتها السواحل المغربية من قبل النصارى خلال فترات تاريخية معينة» (ص. 215)….
  • عديدة هي الوقائع التاريخية التي شهدتها القبيلة لم يتم تحديد زمن وقوعها. وكمثال على ذلك: «عرفت قبيلة إبقوين استقرار بشريا منذ القدم»(ص47)، «وقد كانت بادس ميناء لمدينة فاس» (ص68)، «وتلك رالا ميمونا تغادر سهل الغرب في اتجاه قمة الجبل أعلى مرسى بوسكور ببلاد بقيوة لتقيم صلواتها» (ص184)، «وما الضباب الذي اكتسح المنطقة لسنوات متتالية تقدر بالسبع، والتي ما زالت الذاكرة الشعبية تتناقلها جيلا عن جيل، إلا واحدة من هذه العوادي» (ص216). «فخلال الفترة التاريخية التي تعرف بفترة الريفوبليك التي عرفتها المنطقة» (ص221)،
  • كان من الضروري التمييز بين الأسواق المستعملة حاليا والأسواق المندرسة المندثرة في مفتاح خريطة ص209.
  • كان من الأجدر ترتيب بعض المتون في الكتاب بشكل منطقي وحسب الأولوية. فمثلا تسبيق متن فصول السنة الفلاحية (ص87) عن شهور السنة الفلاحية (ص86)، أي الانطلاق من الكل إلى الجزء.
  • لماذا لم يتم إرفاق الكتاب بفهرسة للأعلام وأسماء الأماكن والبحث في إيتيمولوجيتها بعض منها إن أمكن لمزيد من التوضيح وإغناء لمضمون الكتاب والرفع من قيمته العلمية.
  • لماذا لم يتم تنظيم وتفكيك الفهرس أكثر حتى يسهل الوصول إلى المعلومة التي يريدها القارئ وتتبين منهجية البحث أكثر؟

الهوامش:

1- المختار الأكحل، القبيلة، معلمة المغرب، ج.19، مطابع سلا، ص 6605

2- ص.9 من الكتاب

3-  نفس المرجع والصفحة.

4- ص. 165 من الكتاب.

5- مجلة أفكار، ص

6- إبراهيم الصافي، المصطنعات الرقمية وصناعة رغبات الجماهير، مجلة أفكار، ماي 2016، ص.58

7-  إبراهيم الصافي، مرجع سابق، نفس الصفحة

8- المنتصر حمادة، افتتاحية مجلة أفكار، ماي 2016، ص.6

9-  من تقديم الأستاذة صباح علاش للكتاب، ص.8

10-  نفس الصفحة

11- ص.8

12-  نفسه

13- ص9

14- نفسه

15- نفسه

16- ويكيبيديا الإلكترونية، النسخة العربية

17- وهي الذاكرة التي يتم تخزين كافة المعلومات المستقبلة عن طريق الحواس الخمسة بشكل فوري, وتمتلك هذه الذاكرة مساحة تخزين واسعة نسبيا وتخزن المعلومات لأوقات قصيرة، حيث يتم نقل بعض المعلومات من الذاكرة الحسية إلى الذاكرة قصيرة المدى. http://www.weziwezi.com/news بتاريخ 12 شتنبر 2016

Comments

comments