محمد أمزيان: حراك الريف.. حتى لا يضيع الموعد مع التاريخ

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

ما يثلج الصدر في حراك الريف اليوم، هو التنظيم والنظام. فإذا كان الريفيون يوصفون من طرف من لا يعرفهم بالفصيلة “المغوغة” و”المغندفة” في المشهد المغربي، فإنهم أبانوا منذ البداية أنهم عقلاء، يعرفون ما يفعلون بلا غوغائية ولا اندفاعية كان يمكن استغلالهما لخلط الأوراق في غير صالحهم وفي غير صالح الريف كهامش مُهمش من المغرب “غير النافع”. ولقد أبانت مدينة الحسيمة كعاصمة مشرقة لهذا الحراك الحضاري، أن الإبداع هو أرقى أشكال الاحتجاج. وسيذكر التاريخ أن ما قام به هذا الجيل الواعي من الشباب، بمختلف توجهاتهم ومنابتهم الفكرية والاجتماعية، يُعَدّ في حد ذاته إنجاز عظيم.

في الذكرى الأربعينية لاستشهاد مُفجر الحراك الشهيد محسن فكري، دُعيتُ للحديث بهذه المناسبة في لقاء نُظم بالجامعة الحرة في بروكسيل. وافقتُ بلا تردد، ليس لكوني أملك مفاتيح الخطابة أو التنظير أو التحليل.. كل هذا لا يهم الآن. ما يهم في نظري المتواضع هو استحضار اللحظة التي وهب فيها الشهيد محسن فكري روحه ليرفع الغطاء عن واقع لم يتغير منذ الاستقلال. أرى أن الحراك وشباب الحراك أوفياء لروح الشهيد ولروح شهداء الإقصاء في كل هوامش الوطن، وهي هوامش تزداد رقعتها يوما عن يوم مع الأسف، حتى داخل الحواضر والمدن. فالهامش ليس جغرافيا فحسب، ولكنه روحي وانتمائي أيضا. ولعل أقصى درجات التهميش هو حينما تحس أن الوطن لم يعد لك فيه مكان.

“حراك اليوم يوضح لمن يريد أن يفهم أن سياسات المخزن تجاه الريف، سياسات عقيمة وفاشلة”.

لم يحن الوقت بعد لتقديم قراءة موضوعية لما يجري في الريف، لأن الحراك ما يزال في بدايته والصورة لم تكتمل بعد. إلا أنه يمكن ملاحظة تشابه بين مقدماته اليوم، ومثيلاتها مع بداية الاستقلال. فالإقصاء (الحُكرة) ما يزال كما كان وكأنه قدر مقدور، والدولة المركزية (المخزن) لم تتخل عن المعالجة الأمنية المصبوغة بالعنف والانتقام، وكأنها أيضا قدر مقدور. هذه المعالجة عمقت هُوة عدم الثقة بين الريف والمركز حتى وصلت إلى مستوى خطير جدا. لم يَظهر المخزن عبر تاريخ تعامله مع الاحتجاجات والاحتقانات الشعبية في مظهر “المتنازل” أو “المستجيب” مهما كانت المطالب بسيطة وتافهة، ولكنه يتعامل بمنطق من يملك القوة المطلقة. وإذا ما “استجاب” يوما ما، فإنه يُلبس ذلك بلبوس “الرضا” عن الرعية، والرضا عاطفة تخضع لتقلبات الأمزجة، وليست سياسة ومنهاجا يوصلا للعدالة الاجتماعية كحق يتشارك ويتساوى فيه الجميع. الجيل الجديد فهم المعادلة، وجاء دور المخزن ليفهم.

في محاولة بسيطة لاستقراء التاريخ، يمكن ملاحظة شيء ثابت في تعامل المخزن مع “بوابة” الشمال (الريف) و”بوابة” الجنوب (الصحراء) باعتبارهما منفذين حاملين لأسباب التغيير، ولذلك يستخدم أساليب ثابتة أيضا في سد هاتين الثغرتين بالإغراء (المادي) تارة، وبالغواية (إشراك أفراد معينين في سلطة شكلية) تارة أخرى. وهذه السياسة أثبت الزمن عدم جدواها، بل تحمل في أحشائها ما يحوّل الغضب الشعبي العادي إلى احتقان حامل لبذرة الانفجار. حدث هذا في الريف أواخر الخمسينات وأواسط الثمانينات، وكالعادة، اعتمد المركز على مفهوم الحق المطلق في استخدام لغة القوة.

حراك اليوم يوضح لمن يريد أن يفهم أن سياسات المخزن تجاه الريف، سياسات عقيمة وفاشلة. فقد فشل فشلا ذريعا في إيجاد “حاضنة” دائمة له رغم أساليب الغواية والضغط والإكراه. فشل خُدامه القليلون في تقديم “وصفة” جاهزة لتمكينه من بسط السيطرة بلا مقاومة رغم المسكنات والمهدئات الظاهرة. والخطورة في كل هذا، أنه بقدر ما يفشل المخزن في اختراق جدار الريف المتماسك، بقدر ما يكون رد فعله قويا ودمويا إذا سنحت له الفرصة.. ولقد فعلها في السابق بلا حرج.

الأمل كبير في مسؤولي حراك اليوم ألا يمكّنوا المخزن من أسباب التدخل، وعلى المخزن من جهته ألا يضيّع هذه اللحظة التاريخية لعقد مصالحة عادلة قابلة للحياة.. وعسى ألا تضيع هذه الفرصة فيضيع موعدنا مع التاريخ.

* نشر في صحيفة المساء المغربية، الأربعاء 14 ديسمبر 2016

Comments

comments