محمد السقفاتي: حكاية وراء قصة الجندي الذي أحرق البيت الريفي وحمل الحمار على ظهره لوجبة العشاء

محمد السقفاتي قاص وشاعر مغربي مقيم في هولندا

محمد السقفاتي
قاص وشاعر مغربي مقيم في هولندا

حضرت قبل عامين في أمسية عائلية. بينما كان أفراد العائلة يتحادثون ويتبادلون الأخبار والطرائف في ما بينهم، التقطت أُذُناي من أمي هذا الحوار:

- a mani؟

- gha c3ayb n llouh

- Ah Ya wddi !! nghin 3litto ucan bllitu7 . Ccin as waxxa d aghyur nni

akku7

في البدء لم أفهم من هذا الكلام أي شيء وسألت عن من يكون أٓعْليطّو؟ وبٓلِّيطوحْ؟

وقتذاك، لم أكن أتذكر أنه سبق لي أن سمعت بهذه الكلمات رغم وقعها ونغمتها المألوفة على أسماعي. ظننتها مفردات قديمة منقرضة أو في طريقها للانقراض، وتُذكر فقط في القصص الأسطورية الأمازيغية العريقة التي تروى في مثل هذه الأمسيات والمناسبات، دون أن يكون هناك أحد يعرف معناها بالتدقيق.

هزت أمي رأسها يمنة ويسرة وهي تستغرب أشد الإستغراب من سؤالي. ربما كانت تؤنب نفسها وهي تتساءل كيف لابنها أن ينحط حتى هذا المستوى ولا يعرف… فبدأت مباشرة في الشرح والتوضيح، وفهمت أنها أسماء أو قل ألقابا تطلق في هذه البنية الشكلية على الأطفال الصغار، في أعمار تتراوح ما بين الخمس سنوات حتى حدود الثانية عشر سنة تقريبا، وتتسم هذه الألقاب بخاصيتين اثنتين: التمزيغ بغاية إزالة ما هو دخيل أو غريب عنها وجعل نطقها يصير أمازيغيا صرفا… وتصغيرها لأهداف متباينة.

“لم أكن أظن أن العقل الريفي قادر أن ينقل حدثا تاريخيا هاما في بضع كلمات”

لشدة استغراب أمي من جهلي، أخذت وقتا طويلا شرحت فيه السياق التاريخي الذي دار فيه هذا الحوار ووصفت حتى النقطة الجغرافية التي تم فيها بدقة وتفصيل، واختتمت بالتأكيد على أن هذه ليست مجرد قصة من نسج الخيال، إنما واقعة ووقعت حقا.

عندها.. عند هذه النقطة توقفت قليلا. أخذت نفسا عميقا وكنت أحس بنبض قلبي يدق بشكل لن يفهمه سوى من جرب ما كنت أمر به حينذاك.. أخذ بي إحساس بعد فهم الكلمتين، واستيعاب مغزى القصة، وكأنني عثرت فجأة، بعد بحث مكد وطويل، على شيء لا يوصف… كنز ذات قيمة غالية كبيرة.

ولأني لا أتذكر كثيرا وذاكرتي تخونني مرارا وتكرارا، فإني تجرأت على مقاطعتها عندما أسهبت هي في الحديث وانتقلت الى مواضيع أخرى، متوسلا منها هذه المرة أن تعيد القصة على مسامعي كلمة كلمة. كنت قد أخذت قلما ودفترا لأدونها. رأيت في ملامح وجهها نفورا واضحا، استخلصت بأنها وجدت في أسئلتي استياءا وحرجا لم أفهم طبيعتهما حينذاك في خضم تلك الأمسية الرائعة.

نفور أمي من سلوكي بينته بشكل واضح ولم تخفه، وكأنها تستغرب وتتساءل كيف لابنها الذي ربته أحسن تربية، أن يتجرأ بمقاطعة حديثها ويفعل هذا كل مرة، كيف يتجرأ أن يطلق في وجهها هذا السيل من الأسئلة التي لا يطرحها غيره.

أعرف أمي جيدا وأعرف قدر كراهيتها لإعادة كلام لم تمر حتى دقائق على قوله! كم تكره أمي هذا وكم تكره استقبال الأسئلة بينما هي منشغلة بحكي أشياء بسيطة يفهمها الجميع ولا تستدعي السؤال ولا التساؤل! لكن ذاكرتي كثيرا ما تخونني ولا تزال تفعل هذا بي كل مرة… فماذا علي أن أفعله إذن؟

سمعت من أمي أشياء كثيرة قيمة جدا، لكن حينما أود تدوينها وأقف لأحضر الدفتر، تكون تلك القصص، تلك الإزران، تلك الأقوال والحكم، تكون قد تلاشت من أمامي وذهبت مع الريح، لتغيب كليا في مملكة النسيان.

في عز ثورة الكرامة التي شهدها الريف عند نهاية الخمسينات من القرن الماضي، أرسل سلطان البلاد تسعين في المائة من جيشه المدجج بأسلحة متطورة إلى منطقة صغيرة من الريف، واستعانت العساكر بالدبابات والطائرات الفرنسية وبتجارب حديثة في منهاجها لأسلوب الأرض المحروقة الذي استعملته بوحشية لا إنسانية في فيتنام، ليعيثوا في الريف خرابا وفسادا، وفي سكانها غتصابا وقتلا وإبادة.

في عز هذه الثورة المعروفة ب “عام إقبان”، التقى على الطريق نازحان فرا من بطش الجيش المغربي وكانا يبحثان كلاهما عن مأوى آمن. وكان كل واحد منهما يأخذ وجهة مغايرة، فسأل النازح الأول عن الوجهة التي يقصدها الآخر. فأخبره هذا بأنه لا يوجد مكان آمن فيما تركه خلفه من طريق وهو يقصد الآن منزل السيد اشعيب نموح الذي سمع عنه بأنه المكان الذي لن يكتشفه فيه الجيش أبدا.

ضحك النازح الأول ساخرا وهو يقول: آه عليك.. إنهم قتلوا طفله أعْلِطّو، وطفله الآخر بٓلِّيطوحْ اختطفوه. حتى جحشه الصغير لم يتركوه وأخذوه معهم.

كنت أتواجد في منعطف مهم من مسيرتي الأدبية الإبداعية انتقلت فيها من كتابة الشعر الحر إلى الاهتمام بالقصة القصيرة جدا باللغة العربية، بعدما كنت أزاول نفس الهواية باللغة الهولندية.. فترك هذا الحوار بمحتواه المأساوي، بآفاقه المسدودة، وبتعابيره اللغوية الغائرة في الجمال، وبالصورة الأخاذة التي رسمها في بضعة كلمات، انطباعا كبيرا لدي.

لم أكن من قبل أعرف أن الثقافة الشفاهية بالريف تعرف شيئا يسمى “القصة القصيرة جدا” . لم أكن أظن أن العقل الريفي قادر أن ينقل حدثا تاريخيا هاما في بضع كلمات.

دونت في سرعة القصة هذه ولكي لا تضيع ، نشرتها على حائطي الفايسبوكي مصحوبة بتمهيد قصير، عبرت فيه عن وجهة نظري وعن انبهاري بها وتصنيفي لها كأحسن قصة ريفية قصيرة جدا، ووصفتها بتحفة أدبية.

من خلال التفاعل الضئيل الذي تلقته، فهمت أن لا أحد من القراء يعرفها وربما القليل منهم من استطاع استيعاب كلماتها.

وجدت في هذا حافزا جعلني أفكر في كتابة “الحكاية وراء القصة”. في تلك الأسابيع التي تلت نشري لها بحثت في أمر القصة وسألت عدة أشخاص كبار السن من عائلتي الكبيرة في المهجر وفي الريف أيضا عما اذا كانوا قد سمعوا من قبل بها. كل من سألته كان يعرفها، في صيغ أخرى مختلفة، لكن ليست مخالفة وأبقت هذه الصيغ كل الروايات على جوهرها نفسه ةبنفس المغزى؛ فهناك من لم يذكر قتل عليطو في القصة بتاتا. وهناك من استعمل في الجملة الأخير بدل ccin as waxxa d aghyur nni akkuh  حتى جحشه الصغير أكلوه ) فِعلا آخر aysin as ( = حملوا جحشه أو أخذوه معهم ) أو فعل ochan as. ( = سرقوا جحشه)هذه الفوارق تنتشر كثيرا في اللغات التي لا تكتب وتعتمد فقط على النقل عبر السمع الذي يختلف من واحد إلى واحد، فتتشكل تلك الفروق فتكون التي تعرف بالمرفلوجية.

مع مرور الأسابيع والشهور نسيت هذه القصة وامحت كليا من ذاكرتي. حاولت عدة مرات أن أبحث عنها لكن دون نتيجة، وفي الأخير لما لم يبق لي خيار آخر من غير التوجه الى أمي وطرح أكره وأبغض سؤال عندها، والتوسل لها لأن تعيد شيئا قالته من قبل، فعلت. سألتها عدة مرات وتوسلت جوابها لكنها رفضت وبقيت على رفضها.

لكن لحسن حظ هذه القصة فإنه حدث شيء غريب: صادفت في الفايسبوك صورة مطابقة لمشهد من القصة، التقطت لجندي وهو يحمل جحشا صغيرا على ظهره أثناء ثورة الريف. ذكرتني الصورة بقصة النازحين، فذهبت توا إلى أمي مصحوبا بتلك الصورة وما إن رأتها حكت لي القصة من جديد وبتلقائية.

جندي يحمل جحشا على ظهره في إحدى هضاب الريف المغربي

جندي يحمل جحشا على ظهره في إحدى هضاب الريف المغربي

لما شكرتها، أخذ بها الشك وأرادت أن تعرف سبب إلحاحي على معرفة تلك القصة وماذا أنوي أن أفعل بها.

أمي كانت هذه المرة خائفة متوجسة. لقد وصل إلى مسامعها أني كاتب وفهمت بأن كلمة الكاتب تطلق على شخص لا يقوم بشيء ينفع، ولا يستحق ثقة الناس، فهو يحمل مهمة فضح وإفشاء أسرار الناس.

لما لم أقدم لها جوابا يقنعها، اكتفت بتحذيري من مغبة أن أشيع هذه القصة بين الناس:

- ربما لا زلت تعتقد أنها أحجية فقط، لكن.. أتعرف اشعيب نموحْ؟ هل لديك فكرة حول من يكون هذا الشخص؟

- لا، قلت، ولم أكذب.

- إنه عمك وهذه القصة سر من أسرار عائلته. أبناؤه لا يزالون على قيد الحياة. إذا ما أخبروا بأنك فعلت شيئا بالقصة فسيستاؤون كثيرا منا وقد تحصل عداوة بين أُسرنا. أرجوك لا تفعل والعن الشيطان وإبليس الذي أغواك لتتلذذ وتتشهى بالقصص والأخبار وتتسلىً بالأسرار. إن الله وصانا بفعل الخير، وبكتم أسرار الناس. إنه لم يوصنا بأن نختار لنصير “كاتب”.

Comments

comments