محمد أحداد – أمستردام: “التجربة الهولندية”

  • 0

محمد أحداد صحفي في يومية المساء المغربية

هولندا دولة صغيرة يمكن أن تقطعها من شمالها إلى جنوبها في ظرف أربع ساعات أو أقل. لكنها دولة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصبح واحدة من أنجح الديمقراطيات الغربية وأكثرها توزيعا للثروات بين مواطنيها وأقدرها على مواجهة تقلبات البورصة الاقتصادية في العالم. هولندا مثلنا لا تتوفر على الغاز أو على البترول بل إنها قبل سنوات فقط كانت معرضة للاختفاء تماما من الكرة الأرضية بسبب انخفاضها عن مستوى مياه البحر، وإلى اليوم يمزح الهولنديون فيما بينهم ويقولون إنهم في الأصل كائنات مائية.

هذه الكائنات المائية التي كانت مهددة بالانقراض أصبحت اليوم مضرب المثل في كل بلدان الاتحاد الأوربي، ففي الوقت الذي اهتزت فيه أقوى الاقتصاديات الأوربية من بينها فرنسا وألمانيا، حافظت الأراضي المنخفضة على توازنها في محيط متذبذب والسبب بسيط جدا: نظام اجتماعي قائم على تكافؤ الفرص والشفافية المالية.

“باختصار شديد جدا، لا شيء أكبر في هولندا من العدالة.”

منذ سنوات كثيرة خاضت الجمعيات البيئية حربا شرسة ضد الحكومة بسبب مقطع طرقي لا يتجاوز عشر كلمترات يربط بين دنهاخ العاصمة الإدارية وروتردام العاصمة الاقتصادية للبلد. رفضت منظمات المجتمع المدني المشروع الذي سيفتح مدارا طرقيا آخر للتخفيف من حدة حركة السير بين المدينتين لأنه ثمة محمية طبيعية تهاجر إليها أنواع نادرة من الطيور، ولم تحسم المعركة إلا بعد سنوات من الصراع داخل المحاكم واستقر الرأي أن تبنى الطريق شريطة الحفاظ على المحمية الطبيعية..

في هولندا، تحدى الإنسان الطبيعة وما كان سببا للضعف صار خلال سنوات قليلة مبعث قوة حقيقية، حيث تبحث كل دول العالم على التجربة الهولندية لتحلية مياه البحر ومواجهة أخطاره التي لا تقبل التفاوض.

في هولندا تذوب الفروق الطبقية بين الفقير والغني، وإذا كنت تربح 5000 يورو، فالأمر لا يختلف سوى ببعض التفاصيل الصغيرة عن الذي يربح 1500 يورو بسبب نظام اجتماعي محكم يكره التفاوت الطبقي ويلغي التمايزات الاجتماعية، ولا يسمح لأحد بمراكمة الثروات على حساب الآخرين، لكنه بالمقابل نظام يشجع على خلق الثروة والمنافسة الحرة. إنه عداء رأسمالي بنفس اشتراكي إذا شئنا الدقة أكثر.

استطاعت هولندا أن تؤسس نظاما فلاحيا فعالا ليس رهينا بالأمطار، يجمع بين إبداع الإنسان وفعالية التقنية، وفي مدة قصيرة تبوأت الفلاحة مركز الصدارة في سلسلة الإنتاج الهولندي.

في الأراضي المنخفضة، قلصت الحكومة ميزانية الدفاع كي تضيفها في ميزانية التعليم وقررت أن تبقى دولة محايدة تقتصر مشاركتها العسكرية سوى في بعثات حفظ السلام مدركة أن خط الدفاع الأول هو التعليم، ولذلك تلفي الهولنديين، على خلاف الكثير من الشعوب، منفتحين جدا يتقنون اللغات الحية ولا يجدون حرجا في الحديث مع الغريب باللغة التي يريدها، ولا غرابة كذلك أن تجد الآلاف من المراكز العلمية المنتشرة في كل أنحاء البلد..

في هولندا يتنافس المنتخبون لإظهار قدراتهم وكفاءاتهم من أجل خدمة الشأن العام، والغريب في كل القصة أن السياسيين الهولنديين يفضلون تسيير المدن على تولي مناصب في الحكومة المركزية، وليست لديهم أية عقدة نقص اتجاه الآخرين، فأحمد بوطالب المغربي يسير مدينة روتردام واحدة من أكبر المدن الهولندية.

في هولندا، وفي دنهاخ بالتحديد يمكن أن تلتقي رئيس الوزراء خارجا من القصر الرئاسي ممتطيا دراجته ويحترم أسبقية الراجلين، وكل المباني الحكومية مشيدة بطريقة بسيطة متراصة في حي واحد، وقد تلفيه في المساء يتناول سندويشا في الحي الصيني أو عند مطعم مغربي مقابل للبرلمان الهولندي، أو ينخرط في حديث ثنائي مع أحد عمال المطعم ولا حرج..

باختصار شديد جدا، لا شيء أكبر في هولندا من العدالة.

Comments

comments