“خليد البرنوصي: ذوشّايْث” .. سلوقية سيذي شعيب أونفتاح

خليد البرنوصي - الريف - المقاوكة

خليد البرنوصي

عادة ما يختار الولي الصالح بالريف أجمل الأماكن لمقامه.. فيكون موقعا طبيعيا ساحرا، يكسب احترام الناس ويخضعهم لمهابته دون الحاجة إلى جهد إقناع أو ترهيب.. وغالبا ما يكون أعلى قمة جبل. 

وكما ينطبق هذا على مقام سيدي بوخيار وسيدي عبد الله وضريح لالة منانا وسيدي بوجداين وأضرحة أخرى كثيرة، فإنه ينطبق أيضا على مقام “سيذي شعيب أونفتاح”. لكن ليس لنفس الأسباب، إنما لسيذي شعيب أونفتاح طريق آخر.. قصة أخرى.. سياق آخر مغاير ويكاد يكون منسيا.

لم تكن نيتنا زيارته اليوم.. فالبحر وجهتنا وغايتنا هذا اليوم الصيفي القائض.. حرارة شمس هذه الظهيرة الحارة لم تعد تطاق في المدينة.. وكان لنا فقط أن نتفق على أي شاطئ من بين عشرات الشواطئ الجميلة ستستقبل جلودنا وعريها المحتشم.

رغم أن ثمة شواطئ ساحرة على الشريط الحسيمي لم يسبق لنا أن زرناها.. تم الاتفاق وسريعا على أن نقتحم هذه المرة أغوار شريط بحري آخر مهمش أكثر.. قصد سبر خبايا سحره وأسراره.. أخذنا الطريق الساحلي إلى تمسمان.. ” الأرض التي تلامس البحر”.. تمسمان التي طالها النسيان وكان نسيانا مخزيا جدا.

تمسمان الأرض والتاريخ وحيوية الإنسان.. أرض لا تكاد أي نقطة من جغرافيتها إلا وكانت محطة أو ملحمة.. على قممها وسفوحها وشعابها.. (أرقاماث، إيغريبن، أدهارأبران، أنوال…) تبدد أقوى الجيوش الاستعمارية وتلاشى.. كما لو أنه لم يكن ولا كان.. ” ذسويث اذمواث “. وهنا على جزئها المطل على الساحل المتوسطي، يتواجد ضريح سيذي شعيب أونفتاح.. الذي كان على مر قرون مَجْمعا وملاذا لأهالي الريف.. للبقاء على قيد الحياة والفرح.

- أين الطريق الى سيذي شعيب اونفتاح؟

- لا تهتم بالطريق .. أنظر صوب الجبال وحين ترى قبة ضريح سيذي شعيب أونفتاح.. آنذاك وليس قبل.. سيظهر لك الطريق.

- ها هو فوق..

- أين.. أنا لا أرى أي شيء؟

- من هنا حتى أنا لا أراه.. اختفى.. لكن انتبه.. وأنت؟ خفف السرعة.. سنصادف في أي لحظة طريقا فرعية ستكون ولابد هي الطريق التي تؤدي وتوصل اليه.

لم تكن نيتنا هذا اليوم زيارته.. تجاوزنا المسلك الضيق الذي يؤدي إليه على جهة يميننا.. بحثنا عن شاطئ على ساحل تمسمان لم نزره من قبل.. وكان لنا واحدا أنعشنا وخلصنا من جحيم قيض الظهيرة.

مع العودة انعرجنا يسارا.. الطريق إلى سيذي شعيب أونفتاح ضيق جدا.. بالكاد لا يسع لسيارة واحدة.. وكل الطريق صعودا يلتوي كحية.. كثعبان.. المنعرجات تكثر في التواءات حادة يمينا ويسارا .. وبعد كيلومترين أو ثلاثة، ينتهي بنا الطريق الى شجرتي زيتون.. ونصل مقامه في القمة.

أنت في القمة … قمة تطل على امتداد بحري واسع وشاسع.. على الجانب الأيمن أجراف صخرية بقمم حادة.. أسفلك منحدر يستحيل تسلقه.. وبعده سفح هادئ، “أزغار”، يلامس البحر بجرف حاد.. الطبيعة توحي لك هنا بالرهبة والطمأنينة معا. أمامك ضريح سيدي شعيب أونفتاح وسط غابة من شجر الصبار.. بأبهته وقبته البهية.. وهندسة معمارية فريدة.. تأخذ من المحلي بعضها.. وتبدي أشكالا مغايرة ينعدم وجودها في كل المحيط. جهة الغرب وفي مكان مفتوح ويطل على البحر وكأنه بموقعه ذاك برج حراسة.. بناء بسيط يكاد يشبه غرفة وحيدة معزولة.. وأسوار قصيرة مهملة.. إنه مزار “ذوشايث”.. سلوقية سيذي شعيب أونفتاح.

وأنت بين شجرتي زيتون.. سيأخذك سحر البحث عن الطريق الذي سلكته “ذوشايث” إلى ماوراء البحر عائدة بشرف القبيلة وفلذة كبد الأم / الوطن. عندما وصل قراصنة إسبانيون واقتحموا ساحل تمسمان.. واختطفوا فتاة وأخذوها معهم إلى الضفة الاخرى.. لم يكن بمقدور أحد أن يفعل أي شيء..

“لم يكن الأجداد عبدة كلاب.. هم ونحن أهل الأرض. وسيدي شعيب أونفتاح.. منظومة تختصر فن العيش لشعب مقاوم وحي.. لابد من أن تحفظ.”

غدرا أخذت الفتاة.. وبخفة قراصنة جبناء غادروا بها.

لحظة الخطب تلك.. لم يكن سيدي شعيب أونفتاح حاضرا.. ولا علم الأهالي بمكان تواجده.. انتظروا مكتوفي الأيدي.. وفي صمت رفعوا الدعوات طلبا عودته.. لما وصل أخيرا وأُخبر بالأمر.. مسد بيده رأس وظهر “ذوشايث”.. وأشار لها بيده.. انطلقت السلوقية من القمة كالبرق., سريعة خفيفة نزلت السفح إلى أن وصلت الشاطئ.. انشق البحر إلى نصفين.. أمام ركضها ينفتح الطريق إلى الضفة الأخرى.. تعدو يمنة ويسرة وتتقدم إلى الأمام في زرقة البحر.. خلفها يرتسم الطريق الذي سلكته كحبل متموج أبيض..

قبل الغروب لاحت في الأفق البعيد.. “ذوشايث” عائدة.. تشق نفس الطريق وخلفها يلتحم البحر.. تاركا ذلك الخيط الرفيع الأبيض علامة لطريقها السحري الذي سلكته.. تصل القمة وقد أعادت الفتاة إلى حضن أمها.. وأرض قبيلتها.مباشرة بعد إنجازها لمهمتها المستحيلة ووصولها إلى المكان الذي انطلقت منه.. خرت قوى ذوشايث.. لفظت آخر أنفاسها.. سقطت صريعة على بعد أمتار قليلة من مقام سيذي شعيب أونفتاح.. هنا تنتهي الأسطورة.. أو تبدأ..

لها ولذكراها.. شُيد مزار في مكان سقوطها.. ولذكرى الوصال والأمان يزور الناس منذ القدم مرقدها.. حتى نحن فعلنا..

وأنت هنا في القمة.. قرونا بعد موتها.. ستجد نفسك دون وعي.. تتطلع إلى بساط زرقة البحر اللامتناهية.. متفحصا باحثا.. فالمشهد السحري لا يكتمل إلا وأنت ترى الطريق المرسومة في البحر كخيط رفيع عندما انشق البحر إلى اثنين.. أمعنا النظر طويلا.. ساعدنا أطفال وهم يشيرون بأصابعهم إلى بعيد.. استكشفنا الكثير مما يتحرك فوق بساط البحر.. لكن المشهد لم يكتمل.. فالضباب الكثيف حجب علينا الرؤية.

أجلنا المهمة لموعد آخر.. لزيارة أخرى.. وعندما يحين وقتها.. حينذاك فقط سيكتمل المشهد..

“ذوشايث”.. هي الأسطورة المرتبطة بمقام سيذي شعيب.. وهو المكان الذي أسلمت فيه سلوقيته روحها بعد أن أعادت الفتاة المختطفة الى تمسمان.. وشكل ذلك مزارا لكل أهل المنطقة..

ــ هل دفنت في هذا المكان؟

نسأل قيم ضريح سيذي شعيب.. يجيب ويصر:

ــ لا لا … صار المكان يسمى ذوشايث… لا جثة ولا قبر…

ــ أصحيح أن ذوشايث قطعت البحر؟

ــ نعم نعم… تلك من بركة مولانا…

ــ هلّا أريتنا الطريق الذي سلكته؟

يضحك .. وفي تأمل يرد:

ــ من هناك يمكن أن ترصدوا طريقها… وأشار إلى مزار ذوشايث … قد لا ترون أي شيء الآن… وقد تحتاجون لسنين … لتتحقق البشارة.

في التاريخ.. في تشكل الجماعة.. في ارتباطها بالمكان.. أي مكان.. ومع مخاطره المتعددة الطبيعية والبشرية.. لا يمكن أن يستأنس الأهل به ويرتاحوا له..إلا في وجود منبهات لهذه المخاطر وقدر من الحماية الطبيعية.. عليه أن يكون الكهف الذي يقي الجموع من الخطر القادم..

فإذا كان مسكن أهالي الريف في مواجهة أخطار الطبيعة.. من فيضانات السيول والأنهار.. والمد البحري “اسفاي نربحا”.. قد شكل لهم مع التجارب ضرورة بناء مساكنهم في المرتفعات وقمم التلال وبعيدا عن أحواض السهول و الشواطئ، فحتى المخاطر الآتية من وراء البحار.. القادمة مع القراصنة والغزاة.. كان لها حسابات أيضا عند الريفين.. من أشكال للدفاع ومقومات الصد والهجوم.. وآليات للرصد ومواقع الحراسة.

في قبيلة تمسمان وما حولها من أراضي قبائل أخرى.. المرصد الوحيد.. أو المنطقة الوحيدة التي يمكن من خلالها رصد حركة البواخر وقراصنة المتوسط ومدى اقترابها إلى السواحل، هي منطقة ذوشايث.. بذلك فهي مرصد بحري.. وما كان لأجدادنا غير “ذوشايث” برج حراسة.. وبئس لعبدة نصوص يعتقدون كل منظومة دفاع.. نصبا وثنيا أو خرافة فحسب..

إن هذا كشأن المثال الدارج بالريف حول الحية: ” إذا رأيت أرجل الحية ، ستدخل الجنة”.. مثال لا يتحمله العقل.. فلا هو مسند بالعلم ولا هو من الدين.. في حين أنها الطريقة المثلى ليكون الكل فطنا منتبها للخطر الذي قد يأتي من الحية.. ففي الوقت الذي تريد رؤية أرجلها وهي تزحف.. تكتشفها أولا وتتابع تحركها لتتجنب مخاطرها.. تماما مثل إرادتك رؤية طريق السلوقية.. فتكتشف كل ما يتحرك على وجه البحر ما عدا مسلكها.. ما عدا أرجل الحية.

لسنين طويلة.. امتدت لقرون عديدة.. حين يكون الكل في حضرة سيذي شعيب.. وحين يمتلئ فناؤه وكل جنباته بزواره ومريديه.. ويلتئم الجميع للفرح أو للتعبد.. ثمة آخرون عند مزار ذوشايث في بحث مستحيل عن الطريق التي سلكته إلى الضفة الاخرى.. يحتد التنافس بين الأطفال والفتيان والشيوخ حول من يجد طريقها عبر البحر.. لنيل البركة العظمى.. وتتحقق الأمنيات.. فحضرة سيدي شعيب لن ينسى من كشف ورأى طريق سلوقيته. لم يره أبدا اي واحد ولا كشفه.. لكن حدث لمرات عديدة أن اكتشفوا بدل ذلك سفن القراصنة و هي تقترب.. سفن الاعداء المخيفين القادمين من أراض بعيدة وهي تترصد الشواطئ للانقضاض.وكان إذاك يتوقف التنافس بينهم.. ويعلو صوت آخر بين الاهالي.. يتوقف الغناء والرقص.. يتوقف كل شيء في القبيلة.. تتشابك الايدي لحماية الارض والعرض. إن لعبة البحث عن طريق ذوشايث الذي لن يظهر ابدا.. هو بحث عن القراصنة … عن الغزاة القادمين من خلف البحر.

ضريح سيدي شعيب - تمسامان تصوير: خ. البرنوصي)

ضريح سيدي شعيب – تمسامان
تصوير: خ. البرنوصي)

وأنت تحيا … لابد أن تحمي نفسك … وكان أخطر ما يهددك قد يأتي من البحر … خاصة أن هذه المخاطر توالت واستمرت لقرون … فكان بالضرورة أن تكون ذوشايث مقاما للرصد وتحسس المخاطر.. وفي قمة يصعب الوصول إليها.. لهذا ولأجلها ولهذه الوظيفة كانت “ذوشايث”، وكان بجوارها مقام سيذي شعيب أونفتاح.

شكل هذا المقام وفضاؤه الاجتماعي و الثقافي، تكثيفا لفن العيش بالريف.. إنه فضاء للطقس الديني وإعادة إنتاج قيمه ورموزه.. شكل أيضا فضاء للفرح.. للاحتفال والاحتفاء بالحياة.. فبعد نهاية أعمال دورات الإنتاج.. يشكل مجمعا للغناء والرقص الجماعي.. وتتجدد من خلاله العلاقات الاجتماعية وتتشابك. وفي حضرته تنشد “إزران”.. هذا الشعر الأمازيغي المرتبط بالأرض والتاريخ والحاضر ورؤى المستقبل.. كان له هذا المقام مظلة شرعية.. وما كان وإلى عهد قريب لأي موسيقار” أمذياز” أن ينال الصفة والاعتراف دون أن يمر و يقيم بمقام سيدي شعيب.

ليس بوارد لدينا الآن أن نصدق أو لا نصدق كرمات الولي الصالح … الأهم في هذا روعة المروي الشفوي … وسحر الطبيعة … وكثيرا من الذاكرة المشعة حول أناس قدموا الكثير من التضحيات .. وبقدر كبير من الصمود ليعمروا هذا البلد.

لم يكن الأجداد عبدة كلاب.. هم ونحن أهل الأرض. وسيدي شعيب أونفتاح.. منظومة تختصر فن العيش لشعب مقاوم وحي.. لابد من أن تحفظ.

Comments

comments