محمد أحداد: عبد الإله ابن كيران

  • 0
محمد أحداد صحفي في يومية المساء المغربية

محمد أحداد
صحفي في يومية المساء المغربية

عبد الإله ابن كيران شخصية تواصلية ناجحة، تتوفر على كل مقومات التواصل السياسي: عفوي، مزج موفق بين العربية والدارجة، توظيف الثقافة الشعبية ومفردات تنتمي إلى هذا القاموس، استعمال عبارات وإيحاءات دينية، حس السخرية اللاذع ثم قدرته على مواجهة خصومه.

فهم حزب العدالة والتنمية أن جزء من قوته الانتخابية والسياسية في المرحلة الراهنة يكمن في ابن كيران نفسه وفي خطاباته الملهمة، إذ لم يكن بمستطاع أي زعيم سياسي أن يحشد عشرات الآلاف من المناصرين في ساحة عامة، ثم يلهجون باسمه دون أن يطلب منهم ذلك.

لا مجال للإنكار أن التجمعات الخطابية لرئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية ساهمت بقسط وافر في تحقيق نتائج ساحقة للحزب، بل واستطاع أن يطرد أحزابا كبيرة من قلاعها الانتخابية وأخرج عبد الحميد شباط من فاس بهزيمة نكراء كادت تغتال رأسه من رئاسة الحزب لولا حسابات الدقائق الأخيرة..

الثنائية الحزبية بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وإن خلقت جوا سياسيا مشوقا إلا أنها بينت أن الأشخاص أهم بكثير من المؤسسات.

طوال خمس سنوات كان ابن كيران في الصف الأول من المواجهة مع عدوه الأول حزب الأصالة والمعاصرة، وحتى في المعارك التي خاضتها الحكومة في سياق مواجهة انتقادات حادة وقاسية من جهات مختلفة، كان صوت ابن كيران هو صاحب التردد العالي، فلم يتورع عن الهجوم والدفاع والمناورة والتلميح، ولم يسلم منه أحد حتى أقرب مقربيه في الحزب.

في علم التواصل يطلق على شخصية مثل ابن كيران بـ”البركان”، ولا أحد يتوقع متى ينفجر ومتى تحرق حمم خطاباته الآخرين في كل المواقع. والثابت في هذا السياق أن ابن كيران استطاع أن يخلق جيلا حزبيا يفكر كما يفكر ويقرر كما يقرر، ويتحدث بنفس اللغة التي يتحدث بها.

واهم جدا من يعتقد أن الإسلاميين تنظيم عسكري: لا نأمة زائدة، لا خلاف، لا تعارض، بالعكس من ذلك، فعبد الكبير الخطيبي، المفكر المغربي الراحل يقول إن التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية يقدح فيها التعارض أكثر من باقي التنظيمات الأخرى، لأنها قائمة على أساس يمتح من العقيدة، بيد أن ابن كيران توفرت له الخبرة السياسية الكافية كي يهصر هذه التعارضات في بوتقة واحدة. وعلى هذا الأساس، جنب الحزب خطر الانقسام الحاد عشية الحراك الشبابي في المغرب حينما قرر جزء من قيادات حزبه أن ينزل إلى الشارع ورفع شعارات محاربة الفساد والاستبداد، ثم أبعد أشد معارضيه ولجم آخرين، وحين بقي عبد العزيز أفتاتي، البرلماني عن نفس الحزب يعزف سمفونية غير التي يحبها ابن كيران وجد نفسه في الركن القصي من النسيان.

وحدهم الجاحدون قد ينكرون عن ابن كيران صفة القيادي الذكي الذي تعامل مع الهزات الإقليمية التي وأدت تجربة الإسلاميين، غير أن الحقيقة المؤلمة التي يعرفها جزء كبير من الإسلاميين: مع ابن كيران انصهرت مؤسسة الحزب في شخص ابن كيران، وصار الحزب الذي كان مضرب المثل في الديمقراطية الداخلية مختصرا في وجه ابن كيران، ولم يعد بالإمكان، كما كان من قبل أن تسمع عن شخصيات قوية مثل مصطفى الرميد وعزيز الرباح وسعد الدين العثماني وهي تواجه خصومها..

اختفت هاته الأصوات..ومع كل اختلافاتها مع ابن كيران، إلا أنها أيقنت مثل لبيد أن كل شيء ما عدا ابن كيران.. ربما في الحكم بعض التعسف في التأويل، بيد أن الإعلاميين والسياسيين المنافسين والمناصرين يدركون أن الأمين العام تحول إلى مؤسسة قوية، بفضل شخصية ابن كيران القوية.

الثنائية الحزبية بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وإن خلقت جوا سياسيا مشوقا إلا أنها بينت أن الأشخاص أهم بكثير من المؤسسات..

*المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments