الدكتور مصطفى المرون يرد على محمد الداودي: في أدبيات القراءة النقدية

  • 0
د. مصطفى المرون - باحث في تاريخ المعرب المعاصر

د. مصطفى المرون – باحث في تاريخ المغرب المعاصر

أدبيات القراءة النقدية: تعليق حول الأستاذ محمد الداودي في قراءته لكتاب: “التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة (1921 – 1927)

بادئا، أتوجه بخالص تشكراتي إلى الأستاذ محمد الداودي لقيامه بقراءة نقدية لأول عمل باللغة العربية حول موضوع استخدام إسبانيا للغازات الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة، وهذا يوضح الاهتمام البالغ الذي حظي به الكتاب لدى شريحة مهمة من القراء، ومن ثم، تكون قراءته النقدية إضافة نوعية، ستثري لا محالة مضامين هذا العمل المتواضع.

للإشارة، كانت القراءة النقدية للأستاذ محمد الداودي قد ألقيت ضمن أشغال الملتقى العاشر للذاكرة والتاريخ، المنظم من طرف جمعية ذاكرة الريف بالحسيمة في موضوع “الحرب الكيماوية ضد الريف”، أيام الجمعة والسبت، 27 و28 مايو 2016، وقد خرج من حضر الندوة بانطباع يتمثل في “الغياب الكلي للنقد الإيجابي، وأن ما ركز عليه الأستاذ الداودي هو الكاتب أكثر من الكتاب، وإن دل ذلك على شيء، إنما يدل على الصبغة الانفعالية، وعدم التحلي بالموضوعية، والالتزام بأدبيات القراءة النقدية”

“اقتصرت القراءة على الشكل وليس المضمون، أي بمعنى، الجانب التقني وليس العلمي المتمثل في تحليل القضايا التي كانت وراء تأليف هذا الكتاب، والمتمثلة في نقد بعض الطروحات التي أصبحت من المسلمات.”

“نسجل كذلك، تخصيص الأستاذ محمد الداودي ست دقائق فقط لعرض مضامين الكتاب، بينما خصص ست وعشرون دقيقة للنقد في جانبه السلبي وفقط، مع عدم ذكر أية نقطة إيجابية فيما جاء به الكتاب، وهذا يدعو إلى التساؤل عن مصير الكتاب، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما جاء به محمد الداودي؟؟؟. من وجهة نظرنا الخاصة، سيكون مصيره سلة المهملات”.

في هذا السياق، بعد اطلاعي على القراءة النقدية، وقفت على عدة ملاحظات، ألخصها في التالي:

أولا، اقتصرت القراءة على الشكل وليس المضمون، أي بمعنى، الجانب التقني وليس العلمي المتمثل في تحليل القضايا التي كانت وراء تأليف هذا الكتاب، والمتمثلة في نقد بعض الطروحات التي أصبحت من المسلمات، جاء الكتاب لتصحيحها استنادا إلى مادة مصدرية غميسة تمثل بعضها في وثائق تنشر لأول مرة، وهذه القضايا سنأتي على ذكرها لاحقا.

ثانيا، استخدام مصطلحات بعيدة عن اللباقة الأخلاقية، وكذا التركيز على خطأ محدد، وتعميمه على جميع ما جاء في الكتاب؛ بالإضافة إلى التدقيق المفرط في أخطاء عادية لا يخلو منها أي عمل مهما تحرى الدقة في الأسلوب وتقنيات الكتابة، مع ملاحظة يمكن لأي قارئ لمقال الأستاذ الداودي الخروج بها، وهي المتمثلة في تضخيم الأخطاء، ومحاولة تبخيس كل ما جاء به الكتاب. فإذا كانت القضايا التي يطرحها العمل تسير في وجهة مغايرة لبعض الأطراف التي تقتات من مآسي الريفيين، أو لربما، بعض الدخلاء الذين يقرأون الموضوع بنوع من العاطفة، بحيث يسير العمل الأكاديمي في وجهة مغايرة لرؤيتهم، فإنني توخيت الموضوعية في طروحاتي، وانتقدت كل وجهة نظر رأيتها تخرج عن الجانب العلمي، دون الخوف من لومة لائم، مستندا في ذلك إلى المادة المصدرية.

من هذا المنطلق، أدخل إلى صلب الموضوع، وأقول إن الهدف من تأليف الكتاب هو الوقوف عند ثلاث قضايا جد هامة من وجهة نظري، والتي أسالت مدادا كثيرا، وقد أصبحت من المسلمات. هذه القضايا هي كالتالي:

أولا، من الجديد الذي جاء به الكتاب، هو الإشارة إلى تعرض منطقة جبالة للقصف بواسطة الغازات الكيماوية، وهو ما جعل الأمور تتعقد، لأنه لم يبق الريف هو الضحية، بل دخلت منطقة جبالة لتزاحمه في هذا المضمار، ومن ثم، طرح أسئلة حول قضايا مرتبطة بهذا القصف، كمرض السرطان مثلا.

ثانيا، الموقف المعارض للسلطان مولاي يوسف ضد استخدام إسبانيا لغازات محرمة دوليا ضد رعاياه في منطقة الحماية الإسبانية بشمال المغرب، وذلك استنادا إلى مادة وثائقية، مما سحب البساط من تحت أقدام بعض الأطراف التي تريد تصفية حسابات مع الدولة المغربية استنادا إلى حدث تاريخي، دون الاستناد إلى دليل مصدري، عدى استنباطات بعض المؤرخين الأجانب.

ثالثا، قضية علاقة مرض السرطان بالغازات الكيماوية، حيث اقتنعت بأنه في غياب دراسات علمية مغربية أو أجنبية ميدانية، لا يمكن الجزم في مثل هذه العلاقة، وما يؤكد ذلك، هو لماذا لا نجد نسبة مرضى السرطان مرتفعة بمنطقة جبالة، رغم تعرضها للقصف بكميات كبيرة من قنابل الغازات الكيماوية.

هذه القضايا الثلاث، كنت أود لو ناقشها الأستاذ محمد الداودي، ليبين خطأي فيما ذهبت إليه، وإن لم يكن، فإنها تبقى من حسنات هذا العمل.

كخلاصة، لن أدخل في تفاصيل دقيقة تبقى مجرد تصحيح لبعض الأخطاء التي تضمنتها ثنايا الكتاب، والتي يمكن إرجاع أغلبيتها إلى المصادر أو المراجع التي استندت إليها، وهي أخطاء لا يخلو منها أي كتاب مهما حاول توخي الدقة العلمية، مع تشكراتي للأستاذ محمد الداودي في تنبيهي إليها، والتي سوف آخذها في الحسبان عند الطبعة الثانية.

Comments

comments