محمد الداودي: أسئلة لا بد منها حول معايير البحث العلمي في موضوع الحرب الكيماوية: قراءة نقدية في كتاب ‘التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة 1921-1927′ لمصطفى المرون*

  • 0
  1. تقديم:

موضوع استعمال إسبانيا للأسلحة الكيماوية خلال حرب الريف هو موضوع يكثر تداوله في السنوات الأخيرة، وإذا كان هذا التداول يفتقر في العديد من الأحيان للدقة العلمية والمعرفية خاصة فيما يروج في النقاش العمومي سواء في الأوساط المدنية أو في التناول الصحفي، فإن مهمة المؤرخ أو الباحث الأكاديمي الأساسية في تناول موضوع كهذا وفي أي موضوع تاريخي آخر تتجلى في القدرة على طرح الأسئلة الضرورية ومحاولة استقصاء موضوع البحث وتمحيص المعلومات وعدم التسرع في إطلاق الأحكام الجاهزة أو التعميمات غير العلمية والتبسيطية.

محمد الداودي - تاريخ الريف

محمد الداودي

وتزداد خطورة هذه المهمة إذا كان الموضوع يكتسي بعدا أخلاقيا مثلما هو الحال هنا، ناهيك عن البعد القانوني أو الحقوقي الذي قد يكتسي أيضا أولويته لدى بعض المهتمين. يبقى السؤال إذن: إلى أي حد ينجح مؤلف الدكتور مصطفى المرون في تلك المهمة؟ هذه القراءة في كتاب “التاريخ السري للحرب الكيماوية في منطقة الريف وجبالة” الصادر في مطلع سنة 2016 (مطبعة دار القلم بالرباط) هي محاولة جد متواضعة للإجابة على هذا السؤال والمساهمة في النقاش حول قضايا تهم تاريخنا المشترك، وهو نقاش يجب أن يستند دائما إلى المعايير العلمية الأكاديمية الصرفة في طرح الأسئلة ومحاولة استقصاء المادة التاريخية وعدم استعجال اليقينيات التي تؤسس ليس فقط للتفكير الأسطوري، بل لاستبداد جديد لا يقبل المساءلة والتشكيك.

  1. ملخص لمضامين الكتاب:

يقع كتاب “التاريخ السري” في 182 صفحة (هي بالتحديد 175 صفحة، لكن وقع خطأ في ترقيم الصفحات الأولى من الكتاب)، ويتضمن أربعة فصول يمهد لها تقديمان كتبهما أهم باحثين ومؤرخين متخصصين في الموضوع. كتب التقديم الأول المؤرخ البريطاني سيباستيان بلفور، والذي سبق وأن عمل معه المؤلف كباحث مساعد. أما التقديم الثاني والأطول فقد كتبته المؤرخة الإسبانية ماريا روسا ذي ماضارياغا، أكدت فيه بأن كم المؤلفات حول استعمال إسبانيا للغازات السامة “يبقى قليلا وجزئيا” (ص. 19).

يتناول الفصل الأول الظروف والحيثيات التي أدت بإسبانيا إلى اتخاذ القرار باستعمال الغازات السامة من خلال الحديث عن التجاذبات التي أثرت في المؤسسة العسكرية الإسبانية في بدايات القرن العشرين، ثم إلى انتكاسة الجيش الإسباني خاصة في أنوال. ثم يشير المؤلف إلى سوابق استعمال الغازات السامة خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها. يتعرض الفصل الأول أيضا للدور الألماني في تزويد إسبانيا بالغازات من خلال رجل الأعمال هوغو شتولتسنبرغ، وكذا أنواع الغازات التي استعملت وزنة القنابل السامة وكذا المصانع الحربية التي كان يتم فيها الإنتاج، خاصة مصنع “لامارانيوسا” قرب مدريد ومصنع “لامايسترانثا” بمليلية، ثم الشفرات السرية التي كانت تستعمل في المراسلات الرسمية للتستر على طبيعة الأسلحة الكيماوية المستعملة.

في الفصل الثاني، يتناول المؤلف الوسائل التي استعملت للقصف بالقنابل الكيماوية، وهي المدفعية في بداية الأمر ثم الطيران. وإذا كانت الغازات في البداية قد اقتصرت على الفوسجين والكلوروبكرين، فإنه تم اللجوء بعد ذلك إلى غاز أكثر فتكا وهو الخرذل أو الإيبريت. وقد كان أول قصف مدفعي بغاز الخرذل في 15 يونيو  1923 في معركة ‘ثيزي عزا’، أما القصف الجوي بالخرذل فقد بدأ سنة بعد ذلك، ويعتبر هذا أول قصف جوي كيماوي في التاريخ. بعد الحديث عن أنواع الطائرات التي استعملت في الحرب الكيماوية، يخصص المؤلف بابا خاصا للحديث عن سرب الطيارين الأمريكيين الذين شاركوا في قصف شمال المغرب لصالح فرنسا. ثم يتناول المناطق التي طالتها حملات القصف الكيماوي موضحا بأن هذه الأخيرة قد شملت كلا من منطقتي الريف وجبالة.

يتناول الفصل الثالث الصعوبات التي واجهتها إسبانيا في شن حربها الكيماوية والعراقيل التي طبعت مراحل تلك الحرب. يذكر المؤلف من بينها عدم الاستعداد والخبرة الكافيين للجنود الإسبان لخوض ذلك النوع الجديد من الحرب، وضعف إجراءات الوقاية للجنود العاملين في مصانع إنتاج القنابل السامة، والنقص في كميات الأسلحة الكيماوية التي كان الجيش الإسباني بحاجة إليها في الحرب ثم ضعف فاعلية الحرب الكيماوية لأسباب مختلفة من بينها الجغرافيا الريفية. يخصص المؤلف في هذا الفصل أيضا بابا عن السياقات القانونية الدولية التي سبقت الحرب الكيماوية، مشيرا إلى المعاهدات الدولية حول إنتاج الغازات السامة واستعمالها، خاصة معاهدة فرساي حول حظر الأسلحة الكيماوية. ويختم الفصل بالحديث عن ردود الأفعال في المغرب إزاء الحرب، مذكرا بنداءات ابن عبد الكريم الخطابي إلى المجتمع الدولي ومشيرا كذلك لموقف السلطان يوسف، وهنا يرفض الكاتب الرأي القائل بتحمل السلطان جزءا من المسؤولية في الحملة الكيماوية على الريف. وتجدر الإشارة إلى أن أصحاب هذا الرأي ينتقدون ما يرونه مباركة من طرف السلطان للحملة على الريف أو على الأقل سكوته عنها. ويربط الدكتور المرون هذا الرأي بالأكاديميين الغربيين.

يخصص المؤلف الفصل الرابع والأخير لقضايا تتعلق بالنقاشات الراهنة حول الحرب الكيماوية وبالتحديد تلك المتعلقة بالقانون الدولي وبالآثار على الصحة ثم بالشق السياسي. فيناقش مثلا موضوع العلاقة المحتملة بين مرض السرطان والغازات السامة، كما يتطرق لمسألة مطالبة إسبانيا بالاعتذار عن تاريخ الحرب الكيماوية رافضا في هذا السياق موقف المؤرخة الإسبانية ذي ماضارياغا التي تعارض دعاوى المطالبة بالاعتذار لأنه برأيها إذا اتبعنا نفس المنطق يجب على المغرب كذلك الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها المجندون المغاربة أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.

صدور كتاب حول موضوع الأسلحة الكيماوية التي استعملتها إسبانيا خلال الحرب الاستعمارية في شمال المغرب في العشرينيات من القرن الماضي، هو في حد ذاته خبر سار للدارسين والمهتمين، خاصة في ظل النقص الواضح في حجم الأبحاث التاريخية والعلمية التي تناولت هذا الموضوع. أضف إلى ذلك أن كتاب الدكتور المرون هو أول كتاب يصدر باللغة العربية حول موضوع الغازات السامة في حرب الريف، هذا إذا استثنينا طبعا الترجمة العربية لكتاب الألمانيين غوديبيغت كونتس وغولف ديتا مولر ‘حرب الغازات السامة بالمغرب: عبد الكريم الخطابي في مواجهة السلاح الكيميائي’(1)، وهي الترجمة التي تبقى رغم نواقصها من أهم المراجع في الموضوع(2).

تأكيد المؤلف، والذي يبدو واضحا من خلال عنوان الكتاب، على أن الحرب الكيماوية لم تستهدف فقط منطقة الريف كما يعتقد الكثيرون بل أيضا منطقة جبالة، هو تنبيه مهم لتصحيح بعض التصورات الخاطئة حول الموضوع. يتضمن الكتاب أيضا بعض الرسائل والوثائق التي لم ينشر بعضها من قبل بين دفتي كتاب. إلى جانب ذلك، كان المؤلف يصحب المؤرخ البريطاني بلفور في العديد من استجواباته لقدماء حرب الريف والحرب الأهلية الإسبانية من المغاربة، وكان بالتالي من الممكن أن يستعين إلى جانب المادة الوثائقية بالمادة الشفهية التي تخولها هذه الاستجوابات. الباب المتعلق بسرب الطيارين الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الريف هو أيضا أول محاولة من نوعها بين دفتي كتاب باللغة العربية.

“أهم مشكل منهجي في الكتاب هو وجود فقرات بل صفحات كاملة منقولة عن دراسات أخرى، لكن دون الإحالة لمصدرها ودون تمييز تلك الفقرات المنقولة عن باقي فقرات الكتاب، وهذا كما هو معروف شيء غير مقبول في أخلاقيات البحث الأكاديمي”.

أما فيما يخص بالتحديد المادة التاريخية الخاصة بتاريخ الغازات السامة في حرب الريف، أي التفاصيل المتعلقة بالظروف التي أدت إلى استعمالها وأنواع الغازات وزنة القنابل وطرق استعمالها وحيثيات الحصول عليها وتصنيعها والوسائل المستعملة في تلك الحرب من مدفعية وطيران، فإن الكتاب لم يأت بجديد في هذا الاتجاه، بل استعان المؤلف بالمادة التاريخية التي سبق أن وردت خاصة في أبحاث ماريا روسا ذي ماضارياغا وسيباستيان بلفور. يعتمد المرون كذلك ولو بشكل أقل على كتاب الألمانيين غوديبغت كونتس وغولف ديتا مولر ودراسة للمؤرخ الإسباني أنخيل فينياس الذي خصص بابا حول الموضوع في الفصل الأول من كتابه ‘فرانكو، هتلر واندلاع الحرب الأهلية’(3). لذلك فمن المفروض أن يعطي الكتاب، ولو نظريا على الأقل، فكرة للقارئ باللغة العربية الذي لا يمكنه الاطلاع على كتابات هؤلاء بلغاتها الأصلية(4).

لكن في هذه الاستعانة والنقل من مصادر أخرى تكمن في نظري أهم المشكلات المنهجية والمعرفية في هذا الكتاب. ليس الهدف هنا الإشارة إلى كل الأخطاء التي وردت في الكتاب، لكن ستتضح بعضها من خلال تركيزي على ما أعتبره انزلاقات منهجية في تعامل المؤلف مع المصادر والمراجع التي اعتمد عليها، وألخصها في ثلاثة جوانب أساسية: أولا، النقل الحرفي دون ذكر المصدر أو تمييز المادة المنقولة عن متن الكتاب، وهو ما يعرف بالسرقة الأدبية. ثانيا، إساءة فهم مضامين بعض المواد المنقولة وتحريف معناها. ثالثا، الأخذ بتحليلات باحثين آخرين دون تمعن أو تساؤل وتكرار بعض الأخطاء التي وقعوا فيها، مما أدى بالمؤلف إلى الوقوع في هفوات جاءت نتيجة عدم اعتماده للأدوات الضرورية للمؤرخ من طرح التساؤلات ومقارنة المعلومات وتمحيصها وتحري صحتها. سأحاول فيما يلي توضيح هذه النقاط الثلاث، ثم أختم المقال بالتركيز على الباب المخصص لسرب الطيارين الأمريكيين كنموذج سأحاول أن أوضح من خلاله طبيعة الهفوات المنهجية الثلاث السالفة الذكر.

  1. أ. السرقة الأدبية:

أهم مشكل منهجي في الكتاب هو وجود فقرات بل صفحات كاملة منقولة عن دراسات أخرى، لكن دون الإحالة لمصدرها ودون تمييز تلك الفقرات المنقولة عن باقي فقرات الكتاب، وهذا كما هو معروف شيء غير مقبول في أخلاقيات البحث الأكاديمي. وتعرف السرقة الأدبية أو السرقة الفكرية على أنها نقل فكرة أو تعبير ما من مصدر معين كيفما كان نوعه في عبارة أو جملة أو فقرة بشكل حرفي أو غيره، وذلك دون ذكر المصدر الذي تم النقل عنه بشكل فوري وواضح لا لبس فيه، عن وعي أو عن سهو، بشكل قد يوهم القارئ بأن الكاتب القائم بالنقل هو صاحب المادة المنقولة(5). من بين الدراسات التي ينقل عنها الدكتور المرون بكثرة مقال مطول تحت عنوان “حرب كيماوية في الريف: راهن القضية” للمؤرخين الإسبانيين ماريا روسا ذي ماضارياغا وكارلوس لاثارو آفيلا نشر في أبريل من سنة 2003(6). وفيما يلي بعض الأمثلة التي تظهر التطابق الكلي بين الفقرات الأصلية وتلك المضمنة في كتاب الدكتور المرون. فمثلا، في معرض حديثه عن الحيثيات التي أدت إلى اتخاذ القرار باستعمال الغازات السامة ومناقشته للفرضيات المتعلقة بتاريخ أولى حالات هذا الاستعمال، وعلى امتداد صفحات كاملة، لا يذكر المؤلف إسمي صاحبي المقال الأصلي سواء في النص أو في الهوامش، وهو ما قد يجعل القارئ يعتقد بأن الفقرات المنقولة هي من إنتاجه هو وليست منقولة عن باحثين آخرين. يكتب المرون ما يلي:

“رغم أن القرار باستخدامها كما يظهر يعود إلى شهر غشت 1921، أي أياما قليلة بعد المذبحة التي تعرض لها الجنود الإسبان في جبل العروي يوم 9 غشت 1921، فإن استخدامها لم يتم خلال الشهور المقبلة، بدليل متابعة الصحافة في المطالبة باستخدامها. في هذا الصدد، فإن ما أثر في هذا القرار بدون شك، هي الرغبة الشديدة للجيش، وبعض قطاعات الرأي العام، في الانتقام من المذابح التي اقترفها الريفيون ضد الجيش الإسباني في كل من سلوان وجبل العروي، وكذا، الحاجة إلى وضع حد لهذه الحرب في أسرع وقت ممكن، عبر الاعتماد على وسائل عسكرية أكثر حداثة وأعظم فتكا، رغم قذارتها وعدم أخلاقيتها بسبب حظرها من طرف المجتمع الدولي”. (المرون، ص. 37)

“يجد القارئ نفسه في العديد من الأحيان أمام تناقضات واضحة تعتري فقرات في الكتاب، وهي تناقضات ناتجة عن انعدام التناسق بين ما يقوله المؤلف ويتبناه وبين ما ينقله عن باحثين آخرين”.

لنقارن هذه الفقرة مع النص الأصلي بالإسبانية:

“Si la decisión de utilizarlos parece, pues, remontar a agosto de 1921, poco después de la masacre el día 9 de ese mes de soldados españoles en Monte Arruit, no parece, en cambio, que se hiciese uso de ellos en los meses siguientes, a juzgar por la prensa que lo seguía reclamando. En esta decisión influyó sin duda el deseo de venganza del ejército y de ciertos sectores de la opinión pública por las masacres perpetradas en Zeluán y Monte Arruit, así como la necesidad de poner fin cuanto antes a aquella guerra, recurriendo a los medios militares más modernos por reprobables que fueran.” (de Madariaga y Lázaro Ávila, pp. 59-60)

وتتضمن الفقرات المنقولة تساؤلات إشكالية ومحاولات للإجابة عنها قد يخيل للقارئ أنها من وحي الدكتور المرون، لكنها تساؤلات وإشكالات طرحها بنفس الصيغة في الغالب المؤرخان الإسبانيان. وهكذا، ففي معرض حديثه عن إمكانية امتلاك إسبانيا لأسلحة كيماوية قبل تاريخ اكتشاف حجم الخسائر في أنوال والعروي في صيف 1921، نجد هذه الفقرة:

“من جانب آخر، يمكن طرح السؤال التالي: إذا كان قرار استخدام إسبانيا للغازات السامة، قد جاء بسبب الهزيمة النكراء للجيش الإسباني في معركة أنوال خلال صيف سنة 1921، فهل كانت إسبانيا تمتلك هذه الغازات السامة قبل هذا التاريخ، رغم كونها لم تلجأ إلى استخدامها؟

يكمن الجواب على هذا السؤال استنادا إلى الوثائق الريفية المحفوظة بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، إذ في هذا السياق، طلب القايد حدو بن حمو، في رسالة إلى الأمير بن عبد الكريم الخطابي، مؤرخة بيوم 31 غشت 1921، بأن لا يطلق سراح الأسرى الإسبان، وبالخصوص الجنرال نابارو، لأنه في حالة إطلاق سراحه، سوف يقوم الإسبان، حسب قوله، ‘بتدميركم بواسطة القنابل السامة'”. (المرون، ص. 37)

وفيما يلي النص الأصلي بالإسبانية والمطابق تماما للفقرة أعلاه:

“No obstante, si la decisión de utilizar gases tóxicos surgió a raíz de la derrota del ejército en el Rif en el verano de 1921, cabe preguntarse si España no disponía ya antes de esta fecha de algún tipo de gas, aunque hasta entonces nunca lo hubiese utilizado.
Eso es al menos lo que parecen sugerir ciertos documentos de origen rifeño existentes en los archivos del Ministerio Francés de Asuntos Exteriores. Así, el caíd Haddu ben Hammu, en una carta a Abd-el-Krim, de fecha 31 de agosto de 1921, le pide que no libere a ninguno de los prisioneros españoles, sobre todo al general Navarro, ya que, si los libera, los españoles, le dice, ‘os destruirán con bombas envenenadas.’” (de Madariaga y Lázaro Ávila, p. 60)

بعد ذلك، يتساءل المرون عن الأسباب التي أدت بإسبانيا إلى التأخر في استعمال تلك الغازات ما دام أنه ثبت امتلاكها لها في مراحل مبكرة من الحرب:

“من هنا، يمكن طرح السؤال التالي: إذا كان الإسبان يمتلكون قذائف الغازات السامة، فلماذا لم يتم اللجوء إليها؟ ثم، من هي الدولة التي زودت إسبانيا بهذه الغازات؟

بالنسبة للتساؤل الأول، فإن عدم لجوء إسبانيا لاستعمال الغازات السامة قبل كارثة أنوال يوم 21 يوليوز 1921، يعود إلى سببين: الأول سياسي، والثاني تقني. فبالنسبة للعامل السياسي، فإن استخدام هذه الغازات السامة بكثافة خلال الحرب العالمية الأولى، دفعت بالمنتظم الدولي إلى منع استخدامها، ينضاف إلى ذلك، أن ظروف العمليات العسكرية ضد المقاومة المغربية لم تخلق حافزا للجيش الإسباني لاستخدامها، بحيث كان يرى بأن استخدام السلاح العادي كاف للقضاء عليها. أما بالنسبة للعامل التقني، فيتجلى في كون إسبانيا لم تكن تمتلك، خلال تلك الفترة، مدافع مناسبة لإطلاق قنابل معبأة بتلك الغازات، ولا قوات متخصصة في استخدامها، إذ من المرجح جدا أن الجيش الإسباني كان في انتظار الحصول على مدافع من الصنف المناسب لإطلاق هذا النوع من القذائف، ممكن عيار 155 ملم، بالإضافة إلى خبراء تقنيين ضروريين لاستخدام هذا الغاز عند الحاجة.

فيما يتعلق بالدول التي زودت إسبانيا بهذا الغاز، فإن الصحفيين الألمانيين روديبيرت كونز ورولف ديتر مولر، مؤلفا الكتاب الذي سبق ذكره، يؤكدان على أن إسبانيا كانت تمتلك خلال صيف 1921، كمية من قنابل الغازات الكيماوية، وعلى مركبات مخصصة لتعبئتها داخل بناية تقع في مليلية، وأن فرنسا هي التي كانت تزودها بالغازات، بالإضافة إلى المواد والآلات التي يحتاجها تجهيز المصنع”. (المرون، ص. 38-39)

والنص الأصلي بالإسبانية يظهر مدى التطابق الكلي بين تساؤلات الدكتور المرون وفرضياته وتلك الواردة في مقال ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا:

“Aquí se imponen dos preguntas: si los españoles los poseían ¿por qué no los habían utilizado?; y ¿qué país había proporcionado a España esos gases puesto que ella no los fabricaba?
Respecto de la primera pregunta cabe suponer que si no habían utilizado los gases de que podrían disponer antes del Desastre de Anual sería por diferentes razones de orden político o técnico. Político, porque después de la Primera Guerra Mundial, en la que se habían utilizado masivamente, la comunidad internacional condenaba su uso. Además, el mando español no pensaba en aquellos momentos que fuese políticamente acertado utilizarlos contra la resistencia rifeña, y consideraba que las armas convencionales bastarían para vencerla. Técnico, porque España no debía de disponer entonces de cañones adaptados para el lanzamiento de granadas cargadas con esos gases ni de personal especializado en su manejo. Es probable que el ejército estuviera a la espera de recibir cañones del tipo adecuado, posiblemente de 155 mm, así como el asesoramiento técnico necesario para el empleo del gas llegado el caso.
En cuanto a la procedencia de los gases, los periodistas alemanes Rudibert Kunz y Rolf-Dieter Müller, autores del libro antes mencionado, sostienen que en el verano de 1921 España disponía de cantidad de bombas de gases y de las instalaciones necesarias para cargarlas en un edificio situado en Melilla y que era Francia la que se los suministraba, así como el material para la fábrica.” (de Madariaga y Lázaro Ávila, 60-61)

مثال آخر على ذلك يتجلى في هذه الفقرة:

“في يوم 5 يونيو 1923، تكبد رتل أرسل لإغاثة تيزي عزة، خسائر بشرية كبيرة، كان من بينها اليوتنان كولونيل بالينثويلا نفسه، قائد اللفيف، الذي قتل في المعركة وعوضه في منصبه فرانكو. في السياق ذاته، فمن بين هذين الرتلين اللذان توجها إلى تيزي عزة، نعتقد بأن رامون سيندير لم يكن يشير إلى الرتل الذي خرج خلال شهر نوفمبر 1922، ولكن إلى ذلك المتعلق بشهر يونيو 192، لأنه في التاريخ الأول، لم يكن الجيش الإسباني يمتلك غاز الخرذل (الإيبيريت)، لكن في الثاني، من المرجح أن المساعدة الألمانية مكنته من امتلاكه، وإن لم يكن بكمية كبيرة، فبكمية كافية مكنته من تعبأة عدد وفير من القذائف بهذا الغاز الفتاك”. (المرون، ص. 75)

وستمكن معاينة النص الأصلي بالإسبانية من ملاحظة التطابق بين الفقرتين:

“El 5 de junio de 1923, un convoy enviado en auxilio de Tizzi Azza volvió a soportar numerosas víctimas, entre las que se encontraba el teniente coronel Valenzuela, jefe de la Legión, que resultó muerto, con lo que pasó a ocupar su puesto Franco. De estos dos convoyes a Tizzi Azza, creemos que al que se refiere Sender no es al de noviembre de 1922, sino al de junio de 1923, porque en la primera fecha no se disponía aún de iperita, mientras que, en la segunda puede que la ayuda alemana permitiera ya disponer de ella, si no en grandes cantidades, sí en las suficientes para cargar con ese gas tóxico un número considerable de proyectiles.” (de Madariaga y Lázaro Ávila, p. 68)

وفي ما يلي مثال آخر يمكن من خلاله ملاحظة التطابق الكامل بين ما يكتبه الدكتور المرون وما كتبه المؤرخان الإسبانيان:

هناك وثائق تدفع على الاعتقاد بأن الاستخدام المكثف للغاز ضد القبائل الأكثر مقاومة وتصلبا كبني ورياغل (قبيلة بن عبد الكريم)، كانت أكثر رسوخا في عقلية الاستراتيجيين الإسبان”. (المرون، ص.  116-117)

لنقارن هذا مع النص الأصلي بالإسبانية:
Hay documentos que inducen a pensar que el uso intensivo del gas contra las cabilas más irreductibles, como la de Beni Urriaghel (la cabila de Abd-el-Krim), estuvo presente en la mente de los estrategas militares españoles.” (de Madariaga y Lázaro Ávila, p. 74)

هذه فقط بعض الأمثلة التي تبين بوضوح كيف أن كتاب الدكتور المرون يتضمن فقرات بل وصفحات كاملة تكرر نفس التعابير والأفكار والتساؤلات والتحليلات والفرضيات التي وردت في مقال ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا. وكما يعلم أي باحث عارف بأخلاقيات البحث الأكاديمي، لا يمكن لمؤلف نقل نصوص من مصادر أخرى وتجاهل ذكر المصدر لأن ذلك يعني الادعاء بأن تلك النصوص من تأليفه هو. وهذا بدوره يجعل أي حكم على القيمة العلمية للأسئلة والتحليلات التي يتضمنها كتاب الدكتور المرون حكما غير ذي معنى لأنها لم تكن تحليلات المؤلف وأسئلته بالأساس. وفيما يلي لائحة بأهم حالات السرقة الأدبية في الكتاب، وفيها إشارة للصفحات والفقرات في كتاب الدكتور المرون مع ما يقابلها في المقالات الأصلية:

De Madariaga y Lázaro Ávila, 59
المرون، الفقرة 1، ص. 35
De Madariaga y Lázaro Ávila, 59
المرون، الفقرة 2، ص. 36
De Madariaga y Lázaro Ávila, 59-60
المرون، ص. 37
De Madariaga y Lázaro Ávila, 60
المرون، ص. 38
De Madariaga y Lázaro Ávila, 61
المرون، ص. 39
De Madariaga y Lázaro Ávila, 61-62
المرون، ص. 40
De Madariaga y Lázaro Ávila, 62
المرون، ص. 41
De Madariaga y Lázaro Ávila, 52
المرون، الفقرة 3، ص. 42-43
De Madariaga y Lázaro Ávila, 53
المرون، ص. 44
De Madariaga y Lázaro Ávila, 53-55
المرون، ص. 45
De Madariaga y Lázaro Ávila, 68-69
المرون، الفقرة 1 و2، ص. 48
De Madariaga y Lázaro Ávila, 69-70
المرون، ص. 49
De Madariaga y Lázaro Ávila, 63-64
المرون، ص. 54
De Madariaga y Lázaro Ávila, 64-65
المرون، ص. 55
De Madariaga y Lázaro Ávila, 65-66
المرون، ص. 56
De Madariaga y Lázaro Ávila, 66-67
المرون، ص. 57
De Madariaga y Lázaro Ávila, 67
المرون، ص. 58
De Madariaga y Lázaro Ávila, 67-68
المرون، ص. 59
De Madariaga y Lázaro Ávila, 83-84
المرون، ص. 62
De Madariaga y Lázaro Ávila, 55
المرون، ص. 68
De Madariaga y Lázaro Ávila, 55, 58
المرون، ص. 69
De Madariaga y Lázaro Ávila, 68
المرون، الفقرة 1، ص. 75
De Madariaga y Lázaro Ávila, 71
المرون، الفقرة 1، ص. 77
De Madariaga y Lázaro Ávila, 71
المرون، الفقرة 2، ص. 77-78
De Madariaga y Lázaro Ávila, 77-78
المرون، ص. 84
Dean, 50-51 (7)
المرون، ص. 87
Dean, 51
المرون، الفقرة 2، ص. 88-89
Dean, 52
المرون، ص. 100
Dean, 52-53
المرون، الفقرة 1، ص. 101
De Madariaga y Lázaro Ávila, 79-80
المرون، الفقرة 1 و2 والهامش، ص. 109
De Madariaga y Lázaro Ávila, 80
المرون، الفقرة 3، ص. 111
De Madariaga y Lázaro Ávila, 74
المرون، الفقرة 2، ص. 116-117
De Madariaga y Lázaro Ávila, 74
المرون، ص. 117
De Madariaga y Lázaro Ávila, 74-75
المرون، ص. 118
De Madariaga y Lázaro Ávila, 75-76
المرون، ص. 119
De Madariaga y Lázaro Ávila, 76
المرون، ص. 120
De Madariaga y Lázaro Ávila, 76-77
المرون، الفقرة 2، ص. 120-121
De Madariaga y Lázaro Ávila, 73
المرون، ص. 124
De Madariaga y Lázaro Ávila, 73
المرون، ص. 125
De Madariaga y Lázaro Ávila, 73-74
المرون، الفقرة 2، ص. 125-126
De Madariaga y Lázaro Ávila, 70-71
المرون، الفقرة 2، ص. 128
De Madariaga y Lázaro Ávila, 71
المرون، ص. 129
De Madariaga y Lázaro Ávila, 72-73
المرون، ص. 130
De Madariaga y Lázaro Ávila, 81-82
المرون، الفقرة 2، ص. 134
De Madariaga y Lázaro Ávila, 56
المرون، ص. 157
De Madariaga y Lázaro Ávila, 56, 58
المرون، ص. 158
De Madariaga y Lázaro Ávila, 84-85
المرون، ص. 166
De Madariaga y Lázaro Ávila, 85
المرون، الفقرة 2، ص. 166-167

 

التعقيد الذي ينضاف إلى ما سبق هو أنه بسبب نقل هذه الفقرات دون إحالة لمصدرها ودون تمييزها عن متن الكتاب، يجد القارئ نفسه في العديد من الأحيان أمام تناقضات واضحة تعتري فقرات في الكتاب، وهي تناقضات ناتجة عن انعدام التناسق بين ما يقوله المؤلف ويتبناه وبين ما ينقله عن باحثين آخرين. فمثلا في معرض الحديث عن الفرضيات المتعلقة بأنواع الغازات التي كان يحتمل أن الإسبان كانوا يمتلكونها في السنوات الأولى للحرب أي في 1921 و1922، يقوم الدكتور المرون بتحليل لرسالة للقايد حدو بن حمو لابن عبد الكريم، والتي ترد فيها كلمة يعتقد بأنها ‘الوهج’، وهو تحليل منقول عن ذي مادارياغا ولاثارو آفيلا حرفيا. فينطلق المرون (في صفحات 39، 40 و41) مثل ذي ماضارياغا في تحليل الكلمة وطرح فرضيات معينة حول ما قد تعنيه القنابل “الوهجية” رابطا إياها بالقنابل المضيئة. يتساءل المؤلف ويطرح فرضيات عن مدلول كلمة “الوهج” التي اعتقدت ذي ماضارياغا بأنها وردت في رسالة القايد حدو، فيقول:

من هنا يمكن التساؤل، لماذا كانت هذه القنابل أو القذائف هي للغازات الكيماوية، في حين، فإن المصطلح العربي لتحديد هذه القنابل هي ‘السامة’؟ يمكن أن يكون الأمر يتعلق بالقنابل أو القذائف الحارقة، والتي يسميها الريفيون، حسب الاصطلاح العربي، ‘الحارقة’، أي ‘المشعلة للنار’، والتي يمكن أن يخلطونها مع القنابل المضيئة، التي تختلف عن تلك الحارقة، إذ أن انبعاث الضوء منها لا يمكن أن يعود إلى عامل انفجار القنبلة أو القذيفة، لأنه (الانفجار) يحدث ارتفاعا في درجة الحرارة، وهو ما يعمل على تحلل مادة الغاز الكيماوي، ومن ثم، يقضي على فاعليته. من هنا، يمكن أن يكون الأمر يتعلق بغاز الفوسجين الذي يحدث عند انتشاره سحابة بيضاء أو صفراء، وهو ما كان يشاهده الريفيون. فعند اكتشافه من طرف دافي سنة 1811، كان الفوسجين يأخذ، عند عرضه أمام الضوء الشمسي، خليطا من الكلور وأكسيد الكربون، ومن هنا اتخذ اسم: الفوس = الضوء، وجين = إحداث (أي إحداث الضوء)”. (المرون، ص. 40)

الريف - غازات سامة - مصطفى المرون

كتاب الدكتور المرون

لا توجد أيه إشارة في هذه الفقرة المنقولة إلى أن المؤلف لا يتفق مع هذا الطرح، بل إنه يورده دون تعليق كما لو أنه جزء من المتن. لكن نفس المؤلف وفي تناقض صارخ مع ما يورده على هذه الصفحات، يستدرك بعد عدة صفحات إلى أن الكلمة هي في الحقيقة “الرهج” أي السم بالريفية وليس الوهج، وهو ما يقوض التحليلات والفرضيات التي سبق وأن أوردها قبل ذلك نقلا عن ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا. يقول المرون:

“تذكر ماريا روسا … بأنها لم تجد إشارات إلى الغازات السامة ضمن الوثائق الريفية إلى غاية يونيو 1922 … وهو التاريخ الذي وجه فيه القايد حدو بن حمو رسالة إلى امحمد، أخ الأمير محمد بن عبد الكريم … وتضيف، أنه تجدر الإشارة إلى أن التسمية العربية التي استعملها القايد حدو للدلالة على الغاز هي ‘الوهج’، والتي يمكن أن تدل على تلك التي يطلق عليها الإسبان ‘القنابل المضيئة'”. (المرون، ص. 52-53)

ثم يعلق في هامش الصفحة:

“أظن أن استعمال اللغة العربية قد خانت المؤرخة الإسبانية، لأن الكلمة واضحة في الوثيقة، وهي ‘الرهج’، أي السم في اللهجة الريفية، وليس ‘الوهج’، كما تصورتها ماريا روسا”. (المرون، ص. 53)

لا ينتبه المرون هنا إلى أن محتوى هذا الهامش يلغي كل التحليلات التي سبق أن أوردها في صفحات سابقة والتي ينقلها عن ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا بشكل واضح، ولو أنه لم ينبه القارئ إلى ذلك. يتكرر مثل هذا التناقض في مناسبات عدة، ويتجلى مثلا في التذبذب بين الزعم بأن الحرب الكيماوية لم تكن تؤت أكلها وكانت قليلة الفعالية واعترتها عوائق جمة بالنسبة للإسبان وهو زعم منقول مرة أخرى عن مقال ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا، ويخصص المرون لذلك حيزا مهما من الفصل الثالث (من الصفحة 115 إلى 130)، ثم بعد ذلك يشير إلى أن هذه الحرب الكيماوية نفسها قد أحدثت أضرار فادحة وأثرت كثيرا على معنويات الريفيين (ص. 161)، وأنها كانت من العوامل الحاسمة التي دفعت بابن عبد الكريم إلى الاستسلام (ص. 140). من الأمثلة الأخرى على هذا التناقض نجد تأكيد المرون على أن الحرب الكيماوية لم تكن أبدا شاملة بل كانت عبارة عن “عمليات غير مكثفة” وانتقائية (ص. 84)، وهو الزعم المنقول مرة أخرى عن ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا، ثم نجده بعد ذلك يقر، اعتمادا على وثيقة يذكرها بلفور، بأنها كانت كاسحة وشاملة بحيث أنه بحلول مارس من سنة 1925، كانت “جميع المناطق التي كانت تحت إمرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي قد تم رشها بغاز الخرذل” (ص. 108).

وبسبب هذه التناقضات وحالات التذبذب المتكررة بين طرح معين ونقيضه دون توضيح أو مقارنة، لا يستطيع القارئ الخروج بخلاصات واضحة حول جوانب عديدة يثيرها الدكتور المرون بخصوص الحرب الكيماوية.

  1. ب. انعدام التساؤل والحس الإشكالي للمؤرخ:

يميل المؤلف في اعتماده على الدراسات الأخرى إلى النقل والتسليم بصحة ما ينقله دون تساؤل أو تشكيك أو طرح فرضيات أخرى أو مقارنة من أي نوع. فنجده مثلا يسلم برأي ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا في تحليلهما لرسالة أخرى للقايد حدو بن حمو بتاريخ 2 ديسمبر 1921:

“سوف يعود القايد حدو بن حمو في مناسبة أخرى للإشارة إلى موضوع الغازات، إذ في رسالة إلى الأمير بن عبد الكريم الخطابي، بتاريخ 2 ديسمبر 1921، يذكر في هذا الإطار: ‘أرسل لي أربعة صناديق للغاز، لأنه لم يتبق لدي منها الكثير، كذلك المال لأشتري عشرة منها في تاوريرت’ (في الهامش: كانت تاوريرت، مركزا فرنسيا يحد بمنطقة الحماية الإسبانية في شمال المغرب، وهو ما جعل منها معبرا رئيسا لتهريب السلاح نحو الريف). وفي هذا الصدد، نستشف من خلال الرسالة أن الريفيين كانوا يمتلكون الغازات السامة، ليس بواسطة شرائها من المنطقة الفرنسية، بل كذلك غنمها من الإسبان أنفسهم“. (المرون، ص. 38)

لنقارن أولا مع النص الأصلي بالإسبانية:

“Vuelve el caíd Haddu ben Hammu a referirse al tema de los gases tóxicos en otras ocasiones. En una carta a Abd-el-Krim, atribuida al mencionado caíd, del 2 de diciembre de 1921, decía a este respecto: “Envíame cuatro cajas de gas, pues ya no tengo más aquí, así como dinero para comprar otras diez en Taourirt”. (Taourirt era, como se sabe, el puesto francés, limítrofe con la zona española, desde donde se hacía un importante contrabando de armas con el Rif). Esta carta parece indicar que los rifeños disponían de gases tóxicos no sólo porque les era posible adquirirlos en la zona francesa sino también porque se los habían tomado a los españoles.” (de Madariaga y Lázaro Ávila, p. 60)

المثير للاستغراب هنا هو أن المؤرخين الإسبانيين يبذلان جهدا كبيرا في طرح الأسئلة للاستدلال على أن الجيش الإسباني قد واجه مصاعب عدة في الحصول على القنابل السامة وكذا في شحنها ثم استعمالها، وهو ما أدى في رأيهما إلى تأخير استعمال تلك الغازات. وهي كلها أسئلة مشروعة بل وضرورية بالنسبة المؤرخ، لكنهما في قراءتهما لرسالة القايد حدو لا يعمدان إلى نهج نفس التأني والحذر والتساؤل، بل إنهما يسرعان إلى الاستنتاج بأن الريفيين كانوا يملكون هم أيضا غازات سامة. ولا يكلفان أنفسهما، في هذه الحالة لا يكلف المرون نفسه، عناء التساؤل عن ما قد يقصد بكلمة ‘الغاز’ في هذه الرسالة، وهي على الأرجح إشارة إلى سائل الغازولين في العامية الريفية. لكن المغالطة الأكبر المتضمنة في هذا الزعم هو التسليم بسهولة اقتناء القنابل الكيماوية وتهريبها من تاوريرت على حدود منطقة الحماية الفرنسية وكأن الأمر يتعلق بالبنادق أو الذخيرة، وهي مقولة تفترض ضمنيا توفر مخازن سلاح الجيش الفرنسي في منطقة الحماية في تلك الفترة المبكرة على أسلحة كيماوية، وهي فرضية ضعيفة جدا. أضف إلى ذلك أن قضية الأسلحة الكيماوية لدى الجيش الفرنسي تبقى مسألة ما تزال تحتاج إلى بحث كاف، ولا توجد إلى اليوم على حد علمي المتواضع أية دراسات خاضت في هذا الموضوع.

يتكرر إيراد المرون لما ينقله دون طرح الأسئلة في مناسبات أخرى. فمثلا يؤكد دون تشكيك ما يذهب إليه كل من ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا اللذان يؤكدان بأن بعض المسؤولين الفرنسيين والإنجليز كانوا معادين للإسبان، وبالتالي فقد كانوا يتحينون الفرص لتشويه سمعة إسبانيا باتهامها باستعمال الغازات. لكن كما يوضح ذلك جليا أنخيل فينياس (ص. 107) وكذلك بلفور في كتابه ‘العناق المميت’، كان الفرنسيون والإنجليز على علم تام باستعمال القنابل الكيماوية من طرف الإسبان، لكنهم لاعتبارات متعددة حرصوا على إبقاء الموضوع سرا.

“كان من الممكن أن يكون لهذا العمل دور في تعريف القارئ المغربي بموضوع حساس من تاريخه، لكن الانزلاقات المنهجية والمعرفية الكثيرة التي سقط فيها المؤلف ساهمت إلى حد كبير في التقليل من قيمة الكتاب العلمية.”

بالإضافة إلى ذلك، وردت في الكتاب حالات عديدة ينقل فيها المؤلف عن باحثين آخرين أخطاء معرفية وتاريخية واضحة، ولا يبذل مجهودا في تحري دقة المعلومات المنقولة وصحتها. فمثلا، في معرض الحديث عن قلة فعالية الطيران الإسباني، يذكر المرون (دائما نقلا عن مقال ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا السابق الذكر لكن دون التصريح بذلك) شهادة يقول بأنها لملحق عسكري أمريكي اسمه شين. ثم يقع المرون في خلط أكبر عندما يضيف بأن هذه الشهادة تتوافق مع شهادة أخرى لمراقب أمريكي خلال إقامته مع قبيلة المطالسة. والحال أن هذين الشخصين اللذين يتحدث عنهما المرون هما في الواقع شخص واحد، وهو فنسنت شِييْن الذي لم يكن لا ملحقا عسكريا كما يعتقد المؤرخان الإسبانيان(8)، ولا مراقبا كما يقول المرون (ص. 124)، بل كان مراسلا لجريدة “شيكاغو تريبيون” كان محتجزا في ثلاثاء أولاد بوبكر الواقعة بين دار الدريوش وعين زوهرا بقبيلة إبضارسن (أو المطالسة) بالريف الشرقي في منتصف يناير من سنة 1925(9). يتحدث شِييْن عن ما يصفه بحملات قصف روتينية وعديمة الجدوى أثناء مقامه في ثلاثاء أولاد بوبكر. ويورد المؤرخان الإسبانيان وكذلك المرون هذه الشهادة في سياق الاستدلال على ضعف فاعلية الطيران الإسباني. وهو استدلال انتقائي لا يأخذ بعين الاعتبار أن عدم كثافة حملات القصف قد تكون راجعة إلى أن المنطقة التي كان يتواجد بها شِييْن في تلك الفترة كانت بعيدة عن جبهات القتال. كما أنه لا يمكن تعميم ما شهده شِييْن خلال أحد عشر يوما فقط وهي مدة إقامته بين المطالسة لتسري بشكل تبسيطي على مجريات الحرب ككل وطبيعة حملات القصف الإسبانية خلال مختلف مراحلها.

  1. ت. إساءة فهم بعض المضامين الواردة في دراسات أخرى:

يسيء الكاتب فهم بعض المضامين المنقولة عن مراجع أخرى بشكل يحرف محتواها، فيوردها بمعنى مخالف بل أحيانا مناقض تماما للمعنى الأصلي. وسأضرب مثالا على ذلك من خلال فقرة وردت في الكتاب اعتمادا على كتاب “المغاربة الذين جلبهم فرانكو” لماريا روسا ذي ماضارياغا. يقول الدكتور المرون في معرض حديثه عن التناقضات والتجاذبات داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية:

“كان الجيش الإسباني المعروف بجيش إفريقيا El ejército de Africa منقسما إلى جناحين: فمن جهة، نجد المقيمين في إسبانيا، والذين عرفوا باسم “los Junteros“. هؤلاء لم تكن لهم مصالح تتعلق بالحرب داخل المغرب، وهم الذين سيصبحون أنصارا للجمهورية خلال اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية ما بين سنتي 1936 – 1939. ومن جهة أخرى، نجد المقيمين في المغرب، والذين عرفوا باسم “العسكريون الأفريقانيون los Africanomilitaristas“، وهم المستفيدون على عكس غيرهم، من هذه الحرب، ومن ثم، هم من سيتزعم الانقلاب العسكري ليوم 17 يوليوز 1936 ضد الجمهورية الإسبانية، بعد تقليصها للامتيازات التي كانوا يستفيدون منها”. (المرون، ص. 26)

تعبر الفقرة عن نقص في تحري الدقة والصرامة العلمية يطبع للأسف فقرات عديدة أخرى في الكتاب. أولا، لا تعود تسمية جيش إفريقيا للجيش الإسباني بكامله كما قد يفهم من هذه الفقرة بل فقط لتلك الوحدات من الجيش التي كانت بالمغرب. ثانيا، التمييز بين المجالس أو النقابات العسكرية (Junteros / juntas militares) والعسكريين الأفريقانيين وكأن أحدهما كان مقيما بإسبانيا بينما كان الآخر مقيما بالمغرب هو تمييز فيه نوع من التبسيط. لكن يبقى أكبر تبسيط يقع فيه الكاتب في هذه الفقرة هو التأكيد على أن أعضاء المجالس العسكرية قد كانوا كلهم أنصارا للجمهورية في حين كان الأفريقانيون أنصارا للانقلاب. الأدهى من ذلك كله أن المؤلف يورد هذا التحليل في سياق يعتمد فيه على ما كتبته المؤرخة ذي ماضارياغا في حين أن المؤرخة الإسبانية تذهب عكس ذلك تماما، وتورد هذا الرأي فقط من باب الطعن فيه. تكتب ذي ماضارياغا ما يلي:

La mayoría de los autores que han escrito sobre el ejército español, especialmente en relación con las guerras de Marruecos o sobre la Guerra civil de 1936, han establecido una división entre militares “africanistas” y “junteros”, entendiendo por los primeros los que hicieron su carrera en África, y, por los segundos, los que se quedaron en la Península, por lo que “junteros” vendría a ser sinónimo de peninsulares o metropolitanos. Por otro lado según este rígido esquema, los “africanistas” serían los que se sublevaron contra el gobierno de la República en 1936, mientras que los “junteros”, o una parte importante de ellos, habrían permanecido fieles a la República, lo cual está lejos de corresponder a la realidad, pues tanto en unos como en otros hubo de todo, y fueron varios los “africanistas” que no siguieron a Franco.” (María Rosa de Madariaga, Los moros que trajo Franco: la intervención de tropas coloniales en la guerra civil. Barcelona: Ediciones Martínez Roca, 2002. p. 32)

يتضح من خلال ما كتبته ذي ماضارياغا أن التمييز الذي يذهب إليه الدكتور المرون هو تمييز خاطئ، فهو برأيها اعتقاد شائع لدى العديد من الدارسين لكنه غير صحيح، إذ كان هناك أنصار ومعارضون للجمهورية داخل كلا الجناحين في المؤسسة العسكرية، وكان من بين الأفريقانيين من لم يكن مناصرا لفرانكو. وقد أكدت ذي ماضارياغا هذا المعنى محافظة على نفس الفقرة في الطبعة المعدلة والمنقحة للكتاب نفسه والتي صدرت السنة الماضية(10). تجدر الإشارة إلى أن سيباستيان بلفور أيضا يذهب مذهب ذي ماضارياغا في هذا السياق، حيث ينبه إلى أن الدارسين بشكل عام قد تغاضوا عن مسألة وجود أعضاء من المجالس العسكرية داخل جيش إفريقيا(11)، وبأن الصورة هي أكثر تعقيدا مما ذهب إليه الكثيرون. ومن المستغرب أن الفقرات التي أورد فيها المرون رأيه حول هذه المسألة اعتمدت على مرجعين هما بالتحديد كتابا بلفور وذي ماضارياغا.

هناك أمثلة أخرى لا ينتبه فيها المؤلف للتناقض بين ما يورده على لسان باحث آخر والمعنى الذي ذهب إليه ذلك الباحث نفسه، ويرجع ذلك في بعض الأحيان إلى أخطاء في الترجمة. ففي حديثه مثلا عن كارل فون ويغند، الصحفي الأمريكي الذي صاحب سرب الطيارين الأمريكيين في حرب الريف وذلك لكتابة مقالات دعائية لصالحهم، يكتب المرون ما يلي:

“كان الأمريكي كارل فون ويغاند هو الصحفي المرافق للمجموعة، والذي من المحتمل، كان من يدون الأخبار الشهيرة التي قامت بنشرها الصحيفة الأمريكية Christian Century، والتي كان هدفها تلميع صورة السرب الجوي الأمريكي لكن المحاولة باءت بالفشل”. (المرون، ص. 96)

في حين أن ما يقوله ويليم دين هو التالي:

« Le journaliste américain qui accompagnait le groupe, Carl von Weigand, fut probablement celui qui écrivit les fameuses dépêches dénoncées par Christian Century. Sa tentative de créer un courant favorable au groupe, échoua clairement ». (William Dean, « Des américains dans la guerre du Rif », p. 54)

ينقل المرون إذن بأن فون ويغند كان يعمل لحساب صحيفة (Christian Century) في حين أن ويليم دين يقول بأن هذه الأخيرة كانت من أشد المنتقدين للمقالات التي كان ينشرها فون ويغند. ولو كان الدكتور المرون حريصا فيما ينقله من مصادره لانتبه إلى التناقض بين ما ينقله عن دين وما كتبه دين فعلا. أما فون ويغند نفسه، فكان من السهل على الدكتور المرون لو كلف نفسه عناء البحث أن يعرف بأن هذا الصحفي كان بالأحرى مراسلا معروفا لما يسمى بصحف هيرست(12)، وهي مجموعة صحف أغلبها من الصحف الصفراء كانت مملوكة للثري ويليام راندولف هيرست، من بينها ‘الواشنطن هيرلد’ و’سان فرانسيسكو إيغزامنر’.

  1. سرب الحرس الشريفي أو الطيارون الأمريكيون في حرب الريف:

تقودني هذه النقطة إلى الجزء الأخير من هذا المقال، والذي سأحاول فيه أن أبين كيف أن النقل دون طرح الأسئلة وانعدام الدقة والحس التحليلي اللذين يجب أن يتحلى بهما المؤرخ، يتجليان أيضا في الباب الذي يخصصه المؤلف للحديث عن الطيارين الأمريكيين المكونين لما سمي بسرب الحرس الشريفي (Escadrille de la Garde Chérifienne) أثناء حرب الريف. تجدر الإشارة إلى أن هذه هي أول محاولة ضمن دفتي كتاب باللغة العربية للخوض في هذا الموضوع. وهذا في حد ذاته جهد محمود. لكن يحق للقارئ التساؤل في البداية: لماذا يخصص المؤلف بابا خاصا عن هذا السرب ضمن كتاب موضوعه هو الحرب الكيماوية في الريف وجبالة بل إنه يضمنه في الفصل الثاني الذي يعنونه ‘أرهاج الذي نزل من السماء’؟ يأتي جواب المؤلف قاطعا بجملة واحدة في الكتاب كله تربط بين السرب الأمريكي والغازات السامة. يكتب الدكتور المرون ما يلي:

“تأكد قيام هذا السرب الأمريكي بإلقاء القنابل الكيماوية ضد رجال المقاومة والمدنيين خصوصا النساء والأطفال”. (المرون، ص. 86).

يأتي هذا الجزم القاطع من طرف المؤلف دون أي تفصيل أو شرح أو إحالة لمرجع أو مصدر أو لوثيقة ما، وكأن الأمر مسلم به، وهو ما يتنافى مع أبسط شروط البحث التاريخي الرصين، خاصة إذا كان الأمر يتعلق مثلما هو الحال هنا بموضوع شائك لا تتوفر حوله دراسات كافية. والحال أنه لم تظهر دراسة أو وثيقة إلى اليوم تثبت بالملموس إلقاء الطيارين الأمريكيين في سرب الحرس الشريف لقنابل كيماوية في الريف أو جبالة.

بالإضافة إلى ذلك، تضمن هذا الباب المخصص للطيارين الأمريكيين أخطاء كثيرة جاءت في العديد من الحالات نتيجة اعتماد المؤلف على النقل من مراجع أخرى دون التمحيص والتدقيق في المعلومات، أو في طرح الأسئلة الضرورية أو في مقارنة ما كتب حول الموضوع، وهي كما لا يخفى خطوات أساسية في البحث التاريخي. تبدأ هذه الأخطاء بتسمية السرب نفسها فيربطه المؤلف بسرب ‘لافاييط’ المشهور خلال الحرب العالمية الأولى. وللأمانة يجب التأكيد على أن الدكتور المرون لم يكن الوحيد الذي سقط في هذا الخطأ، بل هو خطأ شائع سقط فيه معظم من أشار لهذا الموضوع في كتاباته. من بين هؤلاء ديفيد وولمان في كتابه ‘ثوار في الريف: عبد الكريم وثورة الريف’، وروبرت فورنو في كتابه ‘عبد الكريم، أمير الريف: قصة الرجل الذي تحدى قوة إسبانيا وفرنسا’، والطيب بوتبوقالت في كتابه ‘حرب الريف وردود فعل الرأي العام العالمي’، والفرنسيان فنسون كوغسيل-لابغوس ونيكولا ماغميي في كتابهما ‘حرب الريف: المغرب 1921-1926’، ومصطفى بن شريف في كتابه ‘الجرائم الدولية وحق الضحايا في جبر الضرر: حالة حرب الريف 1921-1926’، والمصطفى عزو في مقاله المهم ‘سرب لافاييط: طيارون أمريكيون في حرب الريف’، ثم ويليام دين في مقاله ‘طيارون أمريكيون في حرب الريف’(13).

وهذا المقال الأخير هو الذي ينقل عنه الدكتور المرون بكثرة. سرب لافاييط كما هو معروف سرب مشهور تكون من طيارين أمريكيين شاركوا في الحرب العظمى إلى جانب الطيران الفرنسي ضد الألمان. لكننا إذا تقصينا أكثر ما هو متوفر حول تاريخ سرب لافاييط وأعضائه، فسنجد بأنه لم يسبق لأي أحد من أعضاء سرب الحرس الشريفي أن كان عضوا من بين الأعضاء الثماني والثلاثين المشكلين لسرب لافاييط(14). يرجح أن من بين أسباب هذا الخلط أن الجيش والإعلام الفرنسيين أرادا أن يضفيا هالة على الأمريكيين المشاركين في حرب الريف وذلك بالدعاية لهم على أنهم سبق لهم التحليق ضمن سرب لافاييط ذي السمعة الأسطورية، لكن ذلك لم يكن صحيحا. كان من الواضح أيضا أن هؤلاء الطيارين أنفسهم ساهموا في تضخيم إنجازاتهم وتاريخهم العسكري. و من المرجح أن من ساهم في هذا التضخيم والدعاية قائد السرب نفسه الكولونيل تشارلز سويني صاحب المبادرة في تجميع هؤلاء الطيارين وحثهم على المشاركة في الحرب، والذي جعله حماسه يختلق أمجادا وهمية لهؤلاء الطيارين في أحاديثه للصحف الفرنسية، والحال أنه، كما ورد في مذكرات بول روكويل أحد أعضاء السرب الأمريكي المشارك في حرب الريف، لم يسبق لأي أمريكي في سرب الحرس الشريفي أن حلق مع سرب لافاييط، مؤكدا بأنه “لم يكن في مجموعتنا ولو عنصر واحد من سرب الحرب العالمية المشهور”(15).

اعتماد المؤلف على النقل من مراجع أخرى دون التساؤل والتدقيق والشك ومقارنة المعلومات، دفع به إلى الوقوع في أخطاء تتعلق بتفاصيل عديدة أخرى أهمها هوية هؤلاء الطيارين وكذا أعدادهم. ففي معرض حديثه عن عددهم، يقول الدكتور المرون:

“وهكذا، عند حلوله بالمغرب، كان السرب الجوي الأمريكي يضم تسعة ضباط وسبعة ضباط صف، وقد ألحق به كولونيل فرنسي (لا يذكر الأرشيف العسكري اسمه) كقائد مساعد، حيث كان الفرنسيون هم من يقومون بتغطية تكاليف الطاقم التقني واللوجستي للسرب، أي التسعة ضباط الصف، والخمسين من المجندين، في حين، فإن السلطان هو من تكفل بالزي العسكري للأمريكيين، وتغطية راتب طاقم السرب الجوي”. (المرون، ص. 95).

ففي نفس الفقرة يكون عدد ضباط الصف الأعضاء في السرب الشريف هو سبعة ثم يصبح فجأة تسعة، ثم ينضاف أيضا فجأة خمسون مجندين آخرين. ما يزيد الأمر تعقيدا هو أنه قبل ذلك في الصفحة 92، يذكر لائحة بأعضاء السرب تتكون من ثمانية أسماء ثم ينهي الفقرة قائلا: “إذن، كان هناك 14 أسماء”. ومن الطبيعي أن تسبب هذه الأرقام المتضاربة حيرة لدى القارئ. لكن العدد الصحيح لسرب الحرس الشريفي والذي يتسنى لنا من خلال مقارنة المصادر هو 17 في المجموع، 16 أمريكيا وكندي واحد.

أما فيما يتعلق بهوية أعضاء السرب أنفسهم فقد سقط الكاتب أيضا في نفس الأخطاء الناتجة عن النقل عن مراجع أخرى دون تحري الدقة أو صحة المعلومات المنقولة مما جعله يدرج من الصفحة 90 إلى الصفحة 92 أسماء طيارين لم يشاركوا في حرب الريف مثل ويليم رودجرز وتشارلز كريغ. وقد وردت بعض هذه الأسماء فقط ضمن اللوائح الأولية التي اقترحها قبل بداية الحملة قائد السرب الكولونيل تشارلز سويني، لكن تكاد تخلو التقارير الصحفية خلال الحملة، أي خلال الفترة الممتدة من بداية سبتمبر إلى منتصف نوفمبر 1925، من أسمائهم. وكان من الممكن للدكتور المرون معاينة لائحة بأعضاء السرب الذين شاركوا فعليا في القصف من خلال بعض التقارير الصحفية خلال شهري أكتوبر ونوفمبر. جريدة ‘الزمن’ (Le Temps) الفرنسية مثلا أوردت في تقرير لها يوم 14 نوفمبر 1925 إعلانا للمارشال بيتان يشكر فيه هؤلاء الطيارين لقاء خدماتهم، وهو إعلان تضمن لائحة بأسمائهم (ص. 2). وردت اللائحة بشكل أدق وأوضح في تقرير آخر كتبه يوم 18 أكتوبر 1925 الصحفي فنسنت شِييْن الذي كان آنذاك مراسلا لاتحاد جرائد أمريكا الشمالية(16).

كانت هذه أمثلة فقط على بعض الانزلاقات المنهجية التي يعاني منها الكتاب بسبب انعدام التعامل مع المصادر والمراجع بالشكل الذي يفترض على المؤرخ الرصين أن يتعامل به مع المادة التاريخية. وبسبب هذه الانزلاقات تلاحقت في الكتاب الأخطاء التاريخية والمعرفية التي تنم عن استخفاف واضح بمسؤولية المؤرخ في توخي الدقة والأمانة العلمية. من بين هذه الأخطاء مثلا القول بأنه أمام الزحف الإسباني الفرنسي المشترك سنة 1925 تراجعت قوات بن عبد الكريم “نحو المواقع الحصينة بجبال الأطلس” (ص. 103)(17)، أو أن الريفيين كانوا يمتلكون “دفاعات مضادة للطائرات” (ص. 97)، أو التأكيد على أن محمد أزرقان وزير الخارجية في الحكومة الريفية كان وزيرا للحربية (ص. 106 و110)، أو اعتبار مراسل جريدة ‘التايمز’ اللندنية البريطاني والتر هاريس كاتبا أمريكيا لجريدة أمريكية (ص. 97)، أو أن البرلمان المغربي قد طالب “باعتذار إسبانيا عن استعمال هذه الغازات وتعويض الضحايا” (ص. 171) وهو زعم لا أساس له من الصحة، أو أنه لم يثبت قيام المجندين المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية “بسلوكيات تنافي قانون الحرب” (ص. 167)(18)، أو أن الحروف المختصرة (R.A.F.) تعني “جمهورية ألمانيا الفيدرالية ” (ص. 80) دون التساؤل إن كانت جمهورية ألمانيا الفيدرالية موجودة أصلا في العشرينيات، في حين أن المقصود هنا هي القوات الجوية الملكية البريطانية (Royal Air Force)(19)، أو أن الطيار الإسباني إيغناثيو إيدالغو ذي ثيسنيروس كان يرى بأنه “عوض إلقاء قنابل الغازات السامة” كان “من الأجدى إلقاء قنينات المشروبات الغازية التي كانت تنتج في مدينة مليلية، والمشهورة بفاعليتها في تسهيل الهضم” (ص.  126)(20)، أو أن طائرات البيبلان ‘البريغيت 14′ الفرنسية تحتوي على طبقتين (ص. 96) في حين أن كلمة (biplan) تعني الطائرة ذات الجناحين أو ذات السطحين، أو أن الجنرال الإسباني سيلفيستري أقدم على “عبور نهر أمقران بقبيلة تمسمان في قمة ظهر أبران” (ص. 33) وهو خلط جغرافي لا معنى له، أو أن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن قد وجه خطابا للشعب الأمريكي سنة 1918 يساند فيه القضية الريفية (ص. 86).

هذه النقطة الأخيرة بالتحديد هي مثال آخر على الخلط الذي ينتفي فيه أي حرص على الدقة العلمية والتاريخية. ينقل المرون هذا الزعم عن مصطفى بن شريف الذي يخطئ بدوره عندما يحيل في كتابه (ص. 106) إلى مقال للمصطفى عزو. لكن ما يكتبه هذا الأخير بكل بساطة هو أن مشاركة طيارين أمريكيين في قصف الريف جاءت منافية لمبدأ الرئيس ويلسن المعروف في حق الشعوب في تقرير مصيرها، والذي أكده ضمن المبادئ الأربعة عشر لتحقيق السلام العالمي في خطابه في يناير 1918 (ص. 57). يعتقد بن شريف مخطئا، ثم المرون، بأن الرئيس ويلسن وجه خطابا أعلن فيه تعاطفه مع القضية الريفية. ومن المستغرب أنه لم يطرح أي منهما السؤال: أية قضية ريفية في سنة 1918؟ بل إن المرون يضيف مؤكدا بأن مشاركة الطيارين الأمريكيين دفعت أيضا “بالأمير محمد ابن عبد الكريم الخطابي بتوجيه نداء إلى الشعب الأمريكي، يطالبه فيه بتوفير الدعم اللازم للقضية الريفية” (ص. 95). لكن لم يثبت أي نداء لابن عبد الكريم للشعب الأمريكي كرد فعل على مشاركة الطيارين الأمريكيين. وقد يكون سبب هذا الخلط الرسالة التي وجهها الزعيم الريفي للشعب الأمريكي سنة كاملة قبل مجيء أولئك الطيارين إلى المغرب، وبالتحديد في أكتوبر 1924، وذلك نزولا عند طلب محاوره الصحفي بول سكوت ماورر، والذي طلب من ابن عبد الكريم أن يكتب له رسالة يعبر فيها عما يجب أن يعرفه الشعب الأمريكي عن الحركة الريفية، وذلك لنشرها على صفحات جريدته ‘شيكاغو ديلي نيوز’(21).

إلى جانب هذه الهفوات المعرفية والمنهجية، يعاني الكتاب للأسف من أخطاء لغوية وركاكة في التركيب كان من الممكن التقليل منها لو أن مخطوط الكتاب عرض على قراء آخرين قبل النشر، خاصة وأنه طبع، مثل عدد كبير من الكتب المنشورة في المغرب، دون أن يمر بعمليات المراجعة والتصحيح التي تقوم بها الهيئات المتخصصة في دور النشر المعروفة.

وكخلاصة، كان من الممكن أن يكون لهذا العمل دور في تعريف القارئ المغربي بموضوع حساس من تاريخه، لكن الانزلاقات المنهجية والمعرفية الكثيرة التي سقط فيها المؤلف ساهمت إلى حد كبير في التقليل من قيمة الكتاب العلمية. ما يحتاجه موضوع شائك مثل هذا ما يزال بحاجة إلى تراكم بحثي مهم، هو كثير من الصرامة العلمية والحرص في التعامل مع المادة التاريخية وهما في نظري المتواضع عنصران غائبان في كتاب الدكتور المرون.

الهوامش:

* هذا المقال نسخة مفصلة لعرض قدم أثناء ندوة “الحرب الكيماوية ضد الريف” التي نظمتها جمعية ذاكرة الريف بالحسيمة في 27 و28 ماي 2016.
(1) روديبيرت كونز ورولف ديتر مولر، حرب الغازات السامة بالمغرب: عبد الكريم الخطابي في مواجهة السلاح الكيميائي. ترجمة عبد العالي الأمراني. منشورات فيدباك، الرباط 1996.
(2) على سبيل المثال لم تتضمن النسخة العربية الكم الهائل والمهم من الصور التي نشرت في النسخة الأصلية بالألمانية، كما تم حذف الملاحق المتعلقة بالوثائق بالكامل، والتي تصل حدود الخمسين صفحة تقريبا. انظر:
Rudibert Kunz; Rolf-Dieter Müller, Giftgas gegen Abd el Krim: Deutschland, Spanien und der Gaskrieg in Spanisch Marokko 1922 – 1927. Freiburg: Verlag Rombach, 1990.
حسب غوديبيغت كونتس، أحد مؤلفَي الكتاب، تم نشر الترجمة العربية في المغرب بدون ترخيص مؤلفي الكتاب. انظر:
Rudibert Kuntz, “Con ayuda del mas dañino de los gases: Der Gasgrieg gegen die Rif-Kabylen in Spanisch-Marokko 1922-1927.” In Vӧlkermord und Kiegsverbrechen in der ersten Hälfte des 20. Jaarhunderts. (Fritz Bauer Institut Jahrbuch zur Geschichte und Wirkung des Holocaust). Frankfurt: Campus Verlag, 2004. p. 190
(3) Ángel Viñas, Franco, Hitler y el estallido de la Guerra Civil. Madrid: Alianza Editorial, 2001. pp. 85-112.
(4) تم تقليص مساحة هذا الفراع مؤخرا بفضل نشر الترجمة العربية المهمة لكتاب المؤرخ البريطاني سيباستيان بلفور الذي يخصص الفصل الخامس فيه لموضوع الحرب الكيماوية في الريف. والفصل يبقى في نظري من أفضل ما كتب في الموضوع من ناحية محاولة إعادة بناء الحدث التاريخي (Reconstruction historique). سيباستيان بلفور، العناق المميت: من حرب الريف إلى الحرب الأهلية الإسبانية. ترجمة عبد المجيد عزوزي. منشورات تيفراز رقم 13. دار أبي رقراق، 2016.
(5) انظر مثلا “دليل هارفرد لاستعمال المصادر”.
“What Constitutes Plagiarism,” Harvard Guide to Using Sources. http://isites.harvard.edu/icb/icb.do?keyword=k70847&pageid=icb.page342054
(6) María Rosa de Madariaga y Carlos Lázaro Ávila, “Guerra química en el Rif: estado de la cuestión.” Historia 16, no. 324. Abril 2003 (pp. 50-85).
(7) William Dean, « Des américains dans la guerre du Rif » Revue historique des armées 1. Paris : Ministére des Armées, 2007. pp. 46-55.
(8) de Madariaga y Lázaro Ávila, “Guerra química en el Rif,” p. 73.
(9) استطاع شِييْن بعد أحد عشر يوما من مكوثه بين المطالسة أن يكمل طريقه نحو أجدير بعد ورود أمر مكتوب من ابن عبد الكريم بإخلاء سبيله. تجدر الإشارة إلى أن شِييْن لم يذكر بالتحديد اسم المكان الذي كان محتجزا فيه لكن مجموعة من القرائن تدل على أنه ثلاثاء اولاد بوبكر. فيما يخص شهادته عن مقامه هناك، انظر الفصل الثاني من كتابه:
Vincent Sheean, An American Among the Riffi. New York: The Century Co., 1926. pp. 35-91.
(10) María Rosa de Madariaga. Los moros que trajo Franco. Madrid: Alianza Editorial, 2015. p. 26.
(11) Sebastian Balfour, Deadly Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War. Oxford: Oxford University Press, 2002. p. 165.
(12)  John S. Bowman, The Cambridge Dictionary of American Biography. Cambridge: Cambridge UP, 1995. p. 760.
للمزيد حول فون ويغند، استعنت بأرشيفه الشخصي الموجود بأرشيفات مؤسسة هوفر بجامعة ستانفرد في كاليفورنيا. انظر:
Karl H. Von Wiegand, “Bibliographical Sketches,” n.d., p. 8. Karl H. Von Wiegand Papers, [Box no.1], Hoover Institution Archives.
(13) David Woolman, Rebels in the Rif: Abdelkrim and the Rif Rebellion. Stanford: Stanford University Press, 1968. p. 202.
Rupert Furneaux, Abdel Krim: Emir of the Rif. London: Secker and Warburg, 1967. p. 199.
Tayeb Boutbouqalt, La guerre du Rif et la réaction de l’opinion internationale. Casablanca : Imprimerie Najah El Jadida, 1992. p. 36.
Vincent Courcelle-Labrousse & Nicolas Marmié, La guerre du Rif, Maroc 1921-1926. Paris: Tallandier, 2008. p. 251.
Mustapha Ben Cherif, Crimes internationaux et droit des victimes à réparation: le cas de la guerre du Rif. Casablanca : Imprimerie Najah El Jadida, 2014. p.106.
El-Mostafa Azzou, « L’escadrille Lafayette: des aviateurs américains dans la guerre du Rif 1921-1926. » Guerres mondiales et conflits contemporains 209 (2003). p. 60.
William Dean, « Des américains dans la guerre du Rif », p. 50.
(14) اعتمدت في تحري تاريخ سرب لافاييط وأعضائه على الكتب التالية والتي يتوفر أغلبها على لوائح كاملة بأسماء طياري السرب:
Charles Bracelen Flood, First to Fly: the Story of the Lafayette Escadrille, the American Heroes Who Flew for France in World War I. New York: Atlantic Monthly Press, 2015.
Roger G. Miller, Like a Thunderbolt: the Lafayette Escadrille and the Advent of American Pursuit in World War I. Washington D.C.: US. Air Force, 2007.
Jon Guttman, Lafayette Escadrille: American Volunteer Airmen in World War I. Oxford: Osprey Publishing, 2004.
Edward Jablonski, Warriors with Wings: the Story of the Lafayette Escadrille. Indianapolis: The Bobbs-Merill Company, 1966.
James Norman Hall and Charles Bernard Nordhoff, eds. The Lafayette Flying Corps. Boston: Houghton Mifflin, 1920.
(15) Dale L. Walker, “Paul Ayres Rockwell: Moroccan Bomber, American Fighters in the Rif War.” Aviation Quarterly vol.5, 2 (1979): p. 118.
(16) “Yankee Air Unit Hit,” Los Angeles Times. 18 October 1925. pp. 1-2.
تجدر الإشارة إلى أن فنسنت شِييْن كان أثناء زيارته الأولى للريف في يناير من سنة 1925 مراسلا لجريدة “شيكاغو تريبيون”، أما في زيارته الثانية في سبتمبر وأكتوبر من نفس السنة فقد كان مراسلا لاتحاد جرائد أمريكا الشمالية. انظر:
John Maxwell Hamilton, Journalism’s Roving Eye: A History of American Foreign Reporting. Baton Rouge: Louisiana State University Press, 2009. pp. 197-198.
(17) مرة أخرى، هذا الخطأ ناتج عن النقل الحرفي من مقال وليم دين (ص. 54)، ولم يكلف المؤلف نفسه عناء التساؤل إذا كان ذلك صحيحا. تجدر الإشارة إلى أن تسمية أية منطقة جبلية في المغرب بجبال الأطلس هو خطأ شائع لدى العديد من الكتاب الأمريكيين غير المتخصصين في المغرب، ويبدو أن ويليم دين الذي ينقل عنه الدكتور المرون هو بالتأكيد أحد هؤلاء.
(18) صحيح أنه تم تضخيم حجم بعض الفظاعات التي ارتكبت أثناء الحرب الأهلية الإسبانية من كلا الطرفين، لكن العديد من المصادر والدراسات التي تطرقت لدور المجندين المغاربة في تلك الحرب تؤكد هذه الممارسات. انظر مثلا الفصل السابع من كتاب ذي ماضارياغا أو الفصل الثاني عشر من كتاب للمؤرخ البريطاني أنطوني بيفر:
María Rosa de Madariaga, Los moros que trajo Franco (ed. 2002).
Antony Beevor, The Battle for Spain: The Spanish Civil War 1936-1939. London: Weidenfeld & Nicolson, 2006.
تجدر الإشارة في هذا السياق مثلا إلى حادثة تقتيل مائتين من الجرحى الجمهوريين في مستشفى عسكري بطوليدو في سبتمبر 1936، أو الحادثة التي كان شاهدا فيها الصحفي الأمريكي جون ويتاكر مراسل “نيويورك هيرلد تريبيون” على أبواب بلدة ‘نافالكارنيرو’ قرب مدريد، والذي يروي كيف أن الفريق محمد أمزيان (الذي أصبح فيما بعد مارشالا في الجيش المغربي) استجوب أسيرتين اشتبه في انتماء إحداهما لنقابة عمالية ثم أرسلهما إلى مجموعة تضم أربعين جنودا مغاربة ليتناوبوا على اغتصابهما معللا تصرفه للصحفي الأمريكي الغاضب بأنهما “لن تعيشا أكثر من أربع ساعات على أية حال”. انظر:
John T. Whitaker, We Cannot Escape History. New York: Macmillan, 1943. pp. 113-114.
(19) للأمانة، يجب التنبيه إلى أن مصدر هذا الخطأ ليس الدكتور المرون بل النسخة الإسبانية لكتاب ‘العناق المميت’ للبريطاني سباستيان بلفور والتي اعتمد عليها الدكتور المرون. وهي ترجمة تعتريها أخطاء عديدة.
(20) يخطأ المرون في ترجمة الكلمة الإسبانية (indigesta) المأخودة عن ذي ماضارياغا ولاثارو آفيلا، فيظن بأنها تعني “تسهيل الهضم”، في حين أنها تعني العكس تماما، أي أنها ‘تسبب عسرا في الهضم’ أو هي ‘عسيرة الهضم’، وإلا فإن تلك النكتة تفقد معناها. وإذا عدنا توخيا للدقة إلى شهادة الطيار نفسه والتي وردت في سيرته الذاتية (المعنونة ‘تغيير الاتجاه’) فما يكتبه ذي ثيسنيروس هو أنه من باب التندر ، كان العسكريون يوصون الطيارين “بإلقاء قنينات الغاسيوسا (أي المشروبات الغازية) لأنها كانت على الأقل ستسبب لهم (أي للريفيين) آلاما في المعدة، فغاسيوسا مليلية كانت سما حقيقيا”. تجدر الإشارة إلى أن ذي ثيسنيروس كان من بين الطيارين المشاركين في الحرب الكيماوية حيث كان يقود طائرة من طراز “فارمان غوليات” الفرنسية الصنع، وهي الطائرة الوحيدة التي كانت قادرة بسبب حجمها الكبير على حمل قنابل غاز الخرذل من زنة 100 كيلوغرام. انظر:
Ignacio Hidalgo De Cisneros, Cambio de Rumbo (1964). Vitoria: Ikusager, 2001. p. 146.
(21) Paul Scott Mowrer, The House of Europe. Cambridge: The Riverside Press, 1945. p. 478.

Comments

comments