محمد أمزيان: الشرطي.. مواطن أيضا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

صيف هذه السنة قائظ، يلهب، يحرق ويخنق الأنفاس. في زيارتي القصيرة للحسيمة صادفت هذا اللهيب. كان الملاذ هو شربة ماء باردة تبتل بها العروق.. هذا بالضبط ما كان ينقص أشخاصا كنت أمر بجانبهم باستمرار، وأراهم مُسمرين في مكانهم كأعجاز نخل.. حية. إنهم رجال الشرطة الذين اكتسبت وجوههم لون الأتربة التي تنثرها السيارات بنزق.

وجتدتني أتعاطف مع هؤلاء، وأشفق عليهم. أتخيل لحومهم تشويها ألسنة الشمس بلا رحمة، يتصاعد منها دخان الغضب المكتوم، وربما الحقد تجاه “المخالفين” من مستخدمي السيارات. تجرأت وفاتحت شخصا في أمر التعاطف مع هؤلاء “البشر”، ورد علي سريعا: هؤلاء لا يستحقون أي نوع من الشفقة! استغربت وبلعت ما بقي من ريقي الجاف حتى لا أبدو مناصرا “للمخزن”.. ألا يشكل هؤلاء “البشر” الوجه الظاهر للمخزن؟!

“هؤلاء الرجال تحت الشمس الحارقة في الصيف، يحتاجون إلى أن نثير انتباه المسؤولين إلى وضعيتهم  وظروف عملهم اللا إنسانية”

لا أرى في هؤلاء الذين تُشوى جباههم بالشمس سوى أبناء الشعب، منهم من يؤدي واجبه على أحسن وجه، ومنهم من يتجاوز حدوده كأي مواطن آخر حينما يجد الفرصة للتجاوز. ألا يضاعف التاجر من سعر البضاعة أضعافا مضاعفة في غياب المراقبة القانونية؟ ألا يتجاوز سائق التاكسي الحدود حينما يفرض عليك تسعيرة خيالية بلا أساس أو سند، وإذا حاججته أخرجك من سيارته دون أن يخشى الخصاص، لأن مسافرين آخرين متهيبون لاقتناص مكانك؟ ألا يتجاوز البنّاء والنجار وبائع السمك كل الحدود، ومع ذلك يدافع عليهم المدافعون، وأنا منهم، دون الخشية من تهمة التماهي مع المخزن؟

إذن، هؤلاء الرجال تحت الشمس الحارقة في الصيف، يحتاجون إلى أن نثير انتباه المسؤولين إلى وضعيتهم  وظروف عملهم اللا إنسانية. لماذا لا يفكر المسؤولون في استبدال ملابسهم مثلا؛ كأن تكون لهم ملابس صيفية خفيفة واقية للحرارة، ويزيلوا عنهم تلك الأغلال البلاستيكية التي تزيد من مفعول أشعة الشمس أضعافا، ويستبدلوها بشيء آخر أو لاشيء كما هو الشأن لدى أقرانهم في البلدان الأوربية؟ ماذا يكلف هذا التغيير من خزانة الدولة؟ لماذا لا يتم إلغاء مهرجان تافه واحد واستخدام مصاريفه لأجل هؤلاء؟ لماذا لا يتم استبدالهم على رأس أربع ساعات مثلا حتى يسترجعوا بعض الأنفاس، ويستحموا ويغيروا جواربهم. بعض الأماكن التي يقفون فيها، لا توجد فيها شجرة يحتمون بظلها، وفي بعض الأماكن الأخرى تجد مظلات/شمسيات وكأنها من زمن حروب داحس والغبراء.

لا يمكن لأي كان أن يبرر تصرفات بعض رجال الأمن وتعسفاتهم تجاه المواطنين، وكأنهم يفرغون مصائبهم الشخصية بالتضييق على الآخرين، ولكن أيضا لا يمكن التغاضي عن معاناتهم اليومية وخاصة في الأيام غير العادية والقائظة والجامدة أيضا في فصل الشتاء.

في إحدى الإجازات الصيفية قبل عدة سنوات، عبرت ممر باب سبتة. كانت الساعة تقارب منتصف الليل. في عنبر شبه مظلم وقذر، جلس جمركي شاب يتفحص أوراق سيارتي ويلمح لي بعبارات لم أفهما. وبعد عناء كبير فهمت منه أنه يريد “قهوة”. مبدئيا أعارض الرشوة بشكل تام، إلا أن حالته أثرت في كثيرا، خاصة وأنه بدا في ريعان شبابه ولطيف جدا. أذكر أنني قلت له: آسف، ليس لدي ما أعطيك (وكنت صادقا) لأن ما بقي لدي من بسيطات – كان ذلك قبل زمن اليورو – خجلت أن أناوله إياه)، وأضفت: انتظر سأرى إن كان لدى صديقي ما يفيد. ثم واصلت الكلام مع الجمركي الشاب، ففهمت منه أنه اشتغل ما مجموعه 16 ساعة بلا انقطاع ل”خدمة الجالية”. سألته: هل تتقاضى تعويضات؟ لا، أجابني قبل أن يضيف بالحرف: “الخدمة بالليل ونهار والخلصة ديال لحمار”!!

البعض من قراء هذا الركن سيرون في الأمر مبالغة، أو دفاعا عن قضية لا يمكن الدفاع عنها، أو أن الجمركي كان يستخدم مكره للإيقاع بي. ربما. هذا لا يمنع من أن نعتبر أولائك “الخدام” مواطنين، فيهم الصالح وفيهم الطالح.

 

Comments

comments