محمد أمزيان: الحسيمة التي ليست في خاطري

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

يقول الصوفيون: “ابحث عن الله في نفسك”. بحثت عن نفسي في مدينتي، ولم أجدها. لم أجد نفسي، أم لم أجد مدينتي.. لا أدري.

قضيت إجازة قصيرة الزمن في الحسيمة، وكلما حاولت الاقتراب منها إلا وطردتني إلى نكور بلدة بعيدة، إلى أرض خلاء من البنيان والإنسان، إلا من بعض أشجار التين والزيتون وبقايا جفاف. يقولون إن الحسيمة أجمل مدينة في المغرب، وأنظفها وعذراء. مجرد كلام. الحسيمة تتنفس الموت، تختنق، تصرخ في صمت رهيب. دعك من ضجيج الفاتحين الجدد و”مهرجانات” القيح. لا جمال ولا عذرية..  حتى عفوية الناس تحولت إلى شك مَرضي. أنت تشك، إذن فأنت حسيمي. الريفيون شكاكون بطبعهم، إلا أن الفرق بين الريفي سابقا والريفي حاضرا، أن الشك غرز أنيابه في الذات؛ الذات الريفية. قد يكون هذا أسلوبا جديدا للحياة.

في ضاحية قرية آيت بوعياش، وبعيدا عن دمامل الحسيمة وخيباتها، جالست شخصا فريدا من نوعه. كان ضليعا في فنون الشتم والتهكم، وأستاذ علم الشك بامتياز. بجانبه يجلس شخص آخر أمهر منه في كل شيء، ويمكن اعتباره “فنان” مسرح الشك والعبث. حكى لي “فنان” مسرح الشك والعبث قصة مثيرة تعود إلى انتفاضة الريف أواخر الخمسينات، مفادها أن ريفيا جُلد جلدا مباركا، واقتُلعت أظافره وكل ما يمكن أن يقتلع من جسده، بسبب مهنته. كان خياطا، ولفكرة مجنونة عنّت له، طرز على قطعة قماش عبارة “عاش قابو” (عاشت العصا!!)، فكان له ما أراد.. عاشت العصا على بقايا جسده حتى أحجم بعدئذ عن الكلام.

“اتخذوا من السخرية سلاحا للبقاء أحياء. لا تسألوا إن كان وجودهم على قيد الحياة عبثا، ولكنهم أحياء على كل حال”

الشك الريفي يمتزج بالسخرية وجلد الذات: “نستحق الموت، هل نحن بشر”؟ عبارة تتردد مثل لحن استوطن الذاكرة. هذه النوعية من الناس (لم يتعرفوا على باب مدرسة في حياتهم، لا يستوعبون خطب الأئمة المعلبة في لغة ميتة، لا يستجيبون لدعوات المشاركة في الانتخابات، فكروا في الهجرة وفشلوا…) يعتقدهم البعض منا أميين لا يفقهون في الحياة ولو مقدار ذرة.. على العكس، هم أذكى المخلوقات، بل أكثر من ذلك، هم أكرم خلق الله. بسطاء في مظهرهم، عظماء في عزتهم وأنفتهم.

أظن أنهم حينما يرددون عبارة “هل نحن بشر”، فهم لا يقصدون مقارنة أنفسهم بالعجماوات، ولكن العبارة حمالة للمرارة؛ مرارة أجيال من الخيبات والإحباطات و”القوالب”. يعتقد الجالس إليهم لأول مرة أنهم “منافقون” بارعون، لأن مجرى حديثهم يتغير كلما التحق بالمجلس شخص “غريب”. والغريب هنا لا يعني أن الشخص غير معروف، فالكل في البلدة يعرف الكل، ولكنه غريب عن اللحظة، مما يستوجب الحذر منه والشك فيه، ولم لا إفهامه أنه غير مرغوب فيه.

الجلسة مع “الأميين” تختلف كل الاختلاف عن الجلسة مع “المثقفين”. مثقفو الريف أضحوا أسرى إيديولويجات تعود للزمن الكِلسي، حتى اللغة التي يتحدثون بها، خرجت روحها إلى بارئها منذ عقود. بيد أن واجب الجلسة والعشرة يحتم علي أن أستثني أشخاصا بعينهم، وخاصة أفرادا تعرفت عليهم لأول مرة وقد أعادتهم لعنة التقاعد إلى مدينتهم. هؤلاء اتخذوا من السخرية سلاحا للبقاء أحياء. لا تسألوا إن كان وجودهم على قيد الحياة عبثا، ولكنهم أحياء على كل حال، وكأنهم يقولون لأشباح يرونها تحوم حولهم: موتوا بغيظكم، ما زلنا أحياء. الحياة في مدينة ميتة إنجاز كبير في حد ذاته. فهل نطالب هؤلاء بالتخطيط لمستقبل لم يوجد حتى في إطار التخيل؟

ما يجمع جلسائي من “الأميين” والمثقفين”: شكهم القاتل، تبنيهم للسخرية الذاتية والارتقاء بالوجود إلى مستوى العبث الفلسفي. هذا هو الريف إجمالا، والحسيمة اختصارا.. فلا تحدثوني رجاءا عن مؤامرة خارجية ولا حصار ولا عسكرة.

إلهذا السبب لم أجد نفسي في مدينتي؟ أم تراني كنت أبحث في المكان الخطأ؟

Comments

comments