محمد أمزيان: بطاقة الضمير الوطني

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

السياسي، مثله مثل اللاعب الرياضي المحترف، شخصية عامة يتقاسم حياته مع مشجعين وحواريين طائعين كالأنعام.

في لعبة المقارنة ما يغري، لأن التشابهات تتعدى الشخص في ذاته إلى الفعل الذي يمارسه الرياضي/ السياسي من خلال هوايته التي تحولت إلى مهنة شريفة! السياسي واللاعب يتقاسمان هوايتهما في حلبة مفتوحة، تضبطها قوانين (دستور) مرئية وأخرى مخفية (الدولة العميقة). الطريف في اللعبة أن القوانين غير المرئية هي التي تحدد المصائر  وتنزل الغيث وتُذِل الرقاب. اللاعب “الشاطر” في الميدان، يُشترط فيه أن يكون ماهرا في المراوغة والتسديد والتهديف والإمتاع. السياسي أيضا.. التمثيل مهارة تُكتسب بالتدريب والممارسة، يشترك فيها السياسي مع اللاعب.. والممثل الفاشل ينتهي دوره بسرعة، فينسى المشجعون الرياضي، أما السياسي فيذهب إلى مزبلة التاريخ.

ملحوظة أولى: مزبلة التاريخ تختلف تماما عن مزبلة “الحيطي” لأنها غير مهيئة للحرق، ولا تُستخرج منها طاقة بديلة نظيفة، كما لا تصلح لإعادة التدوير (باستثناء ما يدور في جيوب المنتفعين من علاوات). مزبلة التاريخ ركن نتن في الذاكرة الجماعية للشعوب.

“السياسي مثل الرياضي، يخشى الإصابة المبكرة، ولذلك يعمل كل ما في وسعه لضمان مستقبله ومستقبل أولاده وجواريه، فينوع مصادر دخله ويُشرِّع ما طاب له من قوانين ضامنة لمستقبل ريعي زاهر..”

يلعب السياسي لعبته المرسومة؛ يسدد ضرباته (غالبا نحو المنطق الحساسة)، يراوغ، يَعِد ويتوعد، يشتكي، يبكي، يضحك، يهرج، يخادع، يكذب، يحلف، يتهكم، يستنزل الملائكة.. ثم ينسى كل شيء. ذاكرة السياسي ضعيفة، كما الرياضي؛ ينسى تفاصيل المقابلة الملعوبة بحجة الاستعداد للمقابلة (الاستحقاقات) القادمة.

ولنجعل فريق كرة القدم شقيقا لم تلده أمه للحزب السياسي. فحينما تُلحق الهزيمة بالفريق/الحزب، يبحث المهزوم عن الأسباب خارج محيطه، فيتهم محيطا آخر متربص، له مصلحة في النفخ في حجم الفريق المنافس، أو يُلقي باللوم على كائنات مجنحة، كأن تكون من فئة العفاريت والأشباح. في المقابل، يغتر الفريق الذي يوحي للخصوم باستمداد قوته من كائنات تظهر وتختفي، فتأخذه العزة بمناعته المكتسبة، ويزداد أنصاره وأتباعه بقدر ما يزداد مناوؤوه. إلا أن جماعة المناوئين غالبا ما تنتمي لحزب المنافقين، فتراهم ينكمشون إن أحسوا بلسع السياط، أو يغيروا الجلود ويستنبتوا أجنحة إن بُشِّروا بنصيبهم من نِعم اللعبة. وبلمسة ساحر تلبس العفاريت لبوس “الراعي الرسمي” للفريق السياسي الجديد، تماما كما تفعل “مينورا” (الزيزوار في لغة الحلاقين) مع الفريق الرياضي. الرعاية ضرورية للرفع من مستوى اللعبة.. والرعاية “العفاريتية” الرسمية تحتكر “المواهب” الصاعدة، وتضاعف حقن المشمول بشرف الرعاية بالهرمونات، فتظهر عليه علامات “الدوباج” بسرعة. تنتفخ الأوداج وتشذب أحراش الوجه، تظهر تقليعات جديدة ولغة سياسية مُطلسَمة، مستولدة من الحال الذي تغير؛ لغة هجينة يسميها أصحاب الوقت “كوول”.

ملحوظة ثانية: “كوول” الإنجليزية تختلف عن “كوول” المغربية التي تتصدر في الزمن الراهن قائمة الكلمات الأكثر تداولا عندنا.

للفريق الرياضي نجمه، تتمحور حوله قواعد اللعبة، يقود فريقه المحلي بنفس الحماسة التي يقود بها المنتخب الوطني في المواجهات الدولية. وللحزب السياسي نجمه الأوحد كذلك، يقرر بمفرده في مسار حزبه كزعيم منقذ للمرحلة، ويتصرف كقائد فعلي للمنتخب الوطني (الحكومة) وكأنه تجاوز عتبة التصفيات (الانتخابات).

يلتقي لاعب كرة القدم كذلك مع لاعب السيرك السياسي في نظرية الفيض (الخير العميم) و”التصنطيحة” (موتوا بغيظكم) وخدمة الصالح العام (توزيع الريع). السياسي مثل الرياضي، يخشى الإصابة المبكرة، ولذلك يعمل كل ما في وسعه لضمان مستقبله ومستقبل أولاده وجواريه، فينوع مصادر دخله ويُشرِّع ما طاب له من قوانين ضامنة لمستقبل ريعي زاهر..

الحاجة الوحيدة التي قد يختلف فيها الرياضي عن السياسي، هي أن الرياضي تُشهر في وجهه البطاقة الصفراء إن خلع قميصه في الميدان، أما السياسي فيمكن أن يخلع ملابس كل المواطنين ولا يجد حَكَما يُشهر في وجهه بطاقة الضمير الوطني.

 

Comments

comments