فاضل مندني: سياسة قطر الخارجية.. استغلال أزمات المنطقة

  • 0
فاضل مندني صحفي إيراني يكتب بالعربية

فاضل مندني
صحفي إيراني يكتب بالعربية

سعت قطر خلال السنوات الأخيرة إلى الارتقاء بمكانتها الإقليمية والدولية، كما أنها تقوم بنشاطات تختلف عما كانت تقوم بها قبل تولي الشيخ “حمد آل ثاني” في 1995، والتي مكّنها من لعب دور مؤثر على الصعيد الإقليمي والدولي.

نعود جذور مساعي قطر من أجل تغيير مكانتها الإقليمية والدولية إلى نمو القدرة الاقتصادية لهذا البلد، بالاعتماد على احتياطييه الهائل من الغاز الطبيعي، ونظرة أميرها السابق في استغلال الإمكانيات التي وفرتها عائدات النفط والغاز لهذا البلد الخليجي الصغير. الاحتياطي الذي وضع هذا البلد في المركز الثالث عالميا بين البلدان من حيث إنتاجها للغاز السائل. ترافقن خطة قطر لاستثمار هذه الثروة الغازية الهائلة مع استثمارات ضخمة وفقا للإحصائيات المعلنة، وتقدر الاستثمارات الأولية لهذا البلد مشروع تطوير حقول الغاز بأكثر من 120 مليار دولار، تم تغطية تكاليف جزء كبير منها عن طريق قروض من كبرى البنوك العالمية وشركات نفطية مثل “إكسون موبيل” (1).

 

بدء تصدير أول شحنة من الغاز السائل عام 1995، تزامنا مع انخفاض صادرات إيران من الغاز في 2006 وتدني حجم إنتاجها للغاز من الحقل الغازي المشترك مع قطر، والتي تطلق عليه إيران اسم حقل بارس الجنوبي وقطر تطلق عليه تسمية حق الشمال، رفعت حينها قطر إنتاجها ولتتحول بالتالي لأكبر منتجي الغاز الطبيعي والغاز السائل في العالم بعد روسيا، وذلك من خلال تصديرها 113.7 تريليون متر مكعب من الغاز. ومنذ عام 2011 حتى الآن بلغ حجم إنتاج قطر للغاز السائل 77.7 مليون طن في العام، وتتحكم قطر بمفردها 25 إلى 30 من صادرات الغازLNG العالمية(2).

 

ومنذ عام 2011 حتى الآن بلغ حجم إنتاج قطر للغاز السائل 77.7 مليون طن في العام، وتتحكم قطر بمفردها 25 إلى 30 من صادرات الغاز LNG  العالمية(3).

 

واستغلت قطر سياسيا العائدات المالية لتصدير الغاز بالأخص خلال فترة تولي الأمير “حمد بن خليفة آل ثاني” (1995 – 2013 )، بصورة خاصة ما بين أعوام 2007 إلى2013، وذلك خلال تولي الشيخ حمد بن جاسم رئاسة الوزراء القطرية.

 

عائدات النفط والغاز القطرية التي كونت ثروة لا يُستهان بها في بلد صغير، وبعدد سكانه البالغ المليوني نسمة أتاح للمسئولين القطريين فرص ثمينة ومساحات كبيرة للتحرك والمناورة السياسية، وأن ينحوا بأنفسهم عن الضغوط السياسية والاقتصادية لجيرانها الأقوياء كإيران والسعودية.

 

لكن ما جعل قطر تتمتع بتلك المكانة الجيدة عالميا ليست الثروات النفطية والغازية الهائلة التي دخلت خزائنها خلال العقدين الماضيين، بل نظرة الشيخ ” حمد آل ثاني ” أمير قطر، والتي جعلته مختلفا بشكل جذري مع أي من حكام العالم العربي التقليديين وبالأخص عن حكام الخليج.

 

ففي عهده تم إقرار دستور قطر الدائم بعد التصويت عليه، وأجريت أول انتخابات للمجلس البلدي فضلًا عن انتخابات غرفة تجارة وصناعة قطر. ورغم القيود التي تواجهها وسائل الإعلام القطرية بشأن تغطية الشأن المحلي إلا أنه قد قام بفتح المجال أمام حرية الصحافة والإعلام وحرية التعبير ولو نسبيا، بعد إلغاء وزارة الإعلام. وأنشأ مدينة تعليمية للتعليم العالي متكاملة من جميع النواحي لتوفر للطالب المناخ المناسب للتعليم المتميز. كما أنه استقطب أفضل الجامعات العالمية.

 

لكن الخطوة الأكثر تميزا لأمير قطر ظهرت بعد عام واحد من توليه العرش وتأسيس قناة الجزيرة الإخبارية في عام 1996، وكانت تلك القناة الأولى من نوعها في العالم العربي والمنطقة من حيث تقديم المادة الإعلامية والإخبارية، حيث لم يسبق للمشاهد العربي أن رأى من قبل وسيلة إعلامية عربية كهذه من قبل مما أحدث طفرة نوعية متدرجة بين الرأي العام العربي، الذي كان يرى لأول مرة قناة تهتم بمشاكله السياسية وهمومه اليومية، الأمر الذي خلق الكثير من الأزمات الدبلوماسية مع دول عربية بالأخص جيرانها على غرار الكويت والسنوات بسبب ما كانت تتطرق إليه هذه القناة من قضايا حساسة وشائكة تمر بها الدول العربية والمنطقة الحيطة بها، لم يكن للصحافة المحلية التطرق إليها.

 

قناة الجزيرة كان لها الدور البارز خلال عقدين من الزمن في تبلور وتغيير فكر المواطن العربي والتمهيد التدريجي للتغيير والتي برزت في ما يعرف بثورات الربيع العربي. القناة لم تكن قناة حكومية إخبارية عادية كغيرها من القنوات الحكومية الأخرى التي اقتصر عملها على بث البيانات الحكومية والبرامج الترفيهية الهابطة، فحسب، بل كانت تسعى لتشكيل عقول عربية مختلفة تكون فاعلة وثورية في المجال السياسي بمعنى الكلمة. وهذا ما استغلته قطر خلال السنوات اللاحقة من تأسيس القناة فكريا وسياسيا بشكل جيد، مما يمكنها من التأثير على الرأي العام العربي.

 

كما أن الأمر الآخر الذي جعل قطر لا تتأثر بالضغوط السياسية والاقتصادية المحيطة بها، هو استقلالها التام وابتعادها عن الأزمات المحيطة بها، ورغم أنها تعتبر من الدول الفاعلة في مجلس التعاون الخليجي إلا أن قطر بنت لنفسها تحالفات سياسية واقتصادية مختلفة مع المجتمع الدولي بعيدا عن تحالفاتها التقليدية مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

 

رغم هذا كله لعبت قطر أدوارا دبلوماسية وأمنية مختلفة في أزمات بعينها كأفغانستان والعراق ولبنان والدول التي شهدت اندلاع ثورات الربيع العربي كتونس ومصر سوريا، فصرنا نراها تارة في بعض هذه الأزمات تتحول إلى وسيط لحل الخلاف الداخلي اللبناني عندما رعت حوار الفرقاء اللبنانيين في 2008 والذي انتهى بتوقيع على اتفاق الدوحة. وتارة أخرى إحدى أطراف الصراع الداخلي في سوريا. واستضافت قطر خلال العقدين الأخيرين الكثير من اللاجئين والمعارضين السياسيين من مختلف دول المنطقة ومن بينها الدول العربية، كان بإمكاننا  أن نرى بينهم العلمانيين والإسلاميين. ومن الملاحظ أن قطر استضافت الكثير من مفكري وسياسيي تنظيم إخوان المسلمين.

 

حاولت قطر في التأثير على الثورة الليبية بشكل فاعل من خلال تقديمها المساعدات المالية والعسكرية لإقامة حكومة ليبية مؤقتة وتأسيس المجلس الوطني الانتقالي، حاولت أن تكون مؤثر في العملية السياسية وبسط نفوذها في الحكومة الليبية المستقبلية. ففي المجال العسكري تحالفت قطر مع حلف الناتو في ضرب مواقع عسكرية للزعم الليبي السابق ” معمر القذافي ” مستخدمة طائراتها العسكرية. وتحولت قناة الجزيرة إلى منبر للمعارضة الليبية حيث كانت تنقل صوت المعارضين للجمهور الليبي. كما أن الدعم اللوجيستي والإعلامي القطري للمعارضة كان كبيرا لدرجة أن محمود جبريل فضّل إدارة الثورة من الدوحة بدل من بنغازي.

 

كذلك دعمت قطر النظام الجديد عن طريق إرسال مساعدات بلغت 400 مليون دولار شملت الماء والغاز وبعض السلع الأساسية ومساعدة مجلس الثورة الليبي ببيع النفط الليبي. كما أقامت علاقات وثيقة مع أهم القادة العسكريين الإسلاميين مثل عبد الحكيم بالحاج والقادة الآخرين كالأخوين الثعلبين(4).

 

الأمر اللافت في طريقة تعامل قطر في الأزمة الليبية ومشاركتها آن ذك، هو تصرفها باستقلالية تامة عن باقي الدول العربية التي شاركت بالإطاحة بنظام القذافي وبصورة خاصة الإمارات العربية المتحدة. خصوصا أنه لم يحصل أن تنسيق استخباري بينهما لدعم المعارضة في ليبيا، وبهذا زرعت قطر بذور التنافس السياسي بين الأطراف السياسية المتنافسة التي يدعمها كل من قطر والإمارات، مما أدى في النهاية في إشعال الحرب الأهلية في ليبيا في 2014.

 

فأول نكسة تعرضت لها قطر في ليبيا تمثلت في فشل القوى المقربة من عبد الحكيم بالحاج من الحصول على مقاعد المجلس الوطني، حيث لم تتمكن من الفوز سوى بمقعد والحد في المجلس. كما ظهر فشل الدبلوماسية القطرية حين ما وجهت أول رد فعل للشارع الليبي على التدخل القطري المتزايد بالأزمة الليبية، فقد خرجت مظاهرات جماهيرية في عام 2013 في مدينتي “بنغازي” و”طبرق” للتنديد بالتدخلات القطرية بشؤون البلاد الداخلية.

 

ويعود سبب فشل قطر في التأثير على أطراف النزاع في ليبيا إلى ضعف دبلوماسيتها وقصر نظر ساستها في التعامل مع الأزمة الليبية وأطراف النزاع فيها في إنجاح العملية السياسية لنقل السلطة، وبدلا من إيجاد دولة قانون توحد الشعب الليبي سعت كل من قطر والإمارات للتنافس في ما بينهما لإيجاد أكبر عدد من التحالفات بين أطراف النزاع الليبي والسعي لبسط النفوذ في هذا البلد الأمر الذي سبب الفوضى العارمة في ليبيا التي كانت قد خرجت من ثورة مزقت البلاد أساسا.

 

بغض النظر عما حدث في ليبيا فإن قطر توجهت بشكل مختلف لدعم الحكومات الانتقالية في دول كتونس ومصر. فعززت قطر من علاقاتها التجارية مع تونس، ومع استلام حزب “النهضة” مقاليد الحكم في تونس، استثمرت قطر ملياري دولار في تونس من أجل بناء مصفاة نفطية(5).

 

ومساعداتها المالية للبنك المركزي التونسي من أجل دعم الاقتصاد التونسي الذي كان قد خرج من الثورة، من الانهيار المالي والاقتصادي. فيما تجاوز حجم الاستثمارات القطرية في مصر خلال عهد الرئيس المصري المعزول “محمد مرسي” 18 مليار دولار، إلا أن الكثير منها لم يرى النور أو لم تكتمل بسبب سقوط حكومة الإخوان في مصر(6).

 

بمعزل عن هذا كله، فإن قطر وضعت على رأس قائمة أعمالها الاعتماد الكلي على إمكاناتها الذاتية من أجل تعزيز مكانتها الدولية، بالإضافة إلى إقامة علاقات أمنية مع القوى العالمية العظمى في العالم.

 

ويعود ذلك إلى خوفها من جيرانها الأقوياء كإيران والسعودية، فاستغلت الظروف الدولية التي طرأت على المنطقة بعد الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس/آب 1990 والذي ولّد آلية عمل جديدة مكنها من التقارب مع القوى العالمية الكبرى من أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي تكلل ببناء قاعدتين جويتين أمريكيين في قطر، وهما العُديد والسيلية ( القيادة المشتركة للجيش الأمريكي).

 

وبمعزل عن هذا كله يجب أن لا نغفل عن حقيقة أن العلاقات الدولية التي شهدت تغيرات جذرية كبيرة بسبب تغير أساليب وأدوات اللعب السياسي واتساع ظاهرة العولمة، فتحت الباب بمصراعيه أمام قطر للعب أدوار كبيرة وخطيرة في آن واحد، والذي ظهر جليا في استغلال التغيير في مفهوم القوة الذي وفر لها الكثير من فرص النفوذ السياسي والاقتصادي في أوروبا والشرق الأوسط والقارة الأفريقية وشرق آسيا.وذلك من خلال انخراطها في عدد من النشاطات الاقتصادية والسياسية والبيئية المشتركة حول العالم والتي فرضتها الظروف الدولية الحديثة والتي تجاهلتها الكثير من الدول المحيطة بها كإيران والسعودية.

 

كما أن قطر استغلت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد العالمي والتي تأثرت بها عدد من دول الإتحاد الأوربي في 2008، الأمر الذي دفع هذه الدول عدم تمكنها من مواكبة التزاماتها الدولية أمام قطر التي بلغ معدل نموها الاقتصادي 17% بفضل عائداتها من النفط والغاز وإستثمراتها في كبرى الشركات العالمية العملاقة.

 

1 – Jean-Francois Seznec, Introduction, “in Industrialization in the Gulf: A Socioeconomic Revolution‖,ed. Jean-Francois Seznec and Mimi Kirk (London: Routledge, 2011), 8.

 

2 – The World Factbook, Central Intelligence Agency, Retrieved 10 November 2014, (www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook)

 

3 – World LNG Report, 2011, Page 22, (http://www.igu.org/sites/default/files/node-page-field_file/LNG%20Report%202011.pdf )

 

4 – http://carnegie-mec.org/publications/?fa=56730

 

5 – http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2012/5/16/%D9%82%D8%B7%D8%B1-%D8%AA%D8%A8%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3

 

6 – http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2012/9/6/%D9%82%D8%B7%D8%B1-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%B1-18-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1

 

Comments

comments