محمد أمزيان: فكر الخطابي باق وأنتم زائلون

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

هل معنى أن تشرب الخمر أنك غير سلفي؟ وجدنا الترياق إذن: كلما زاد استهلاك الخمر، كلما قل الإقبال على استهلاك الفكر السلفي!

مناسبة هذا التساؤل هو ما يروج عن عبد الكريم الخطابي من أنه كان “يشرب الخمر وبحضور والده”. هذا الفتح المبين في التحليل يبدو ردا على تهافت سابق يزعم أن الخطابي كان مجرد “فَقِيه”. لا ندري كيف نزل النقاش حول المقاومة الريفية وتاريخ عبد الكريم، وإسهاماته في مسيرة تحرر الشعوب من الاستعمار والتخلف والتبعية، إلى هذا الدرك الأسفل من الإسفاف. الآن وقد تسلم ملف الخطابي زمرة من الفاتحين الجدد، فلتقرأ السلام على البحث التاريخي الرصين.

“ستتعبون، عبد الكريم أكبر من أن تنال منه سخافات ما بعد منتصف الليل في الأماكن المظلمة. فكر الخطابي باق وأنتم زائلون”.

عندما شرع جرمان عياش في دراسة تاريخ الحرب التحريرية تحت قيادة عبد الكريم الخطابي، قضى سنوات طوال وهو يفحص بعين العالم المتواضع، ما استطاع الحصول عليه من الوثائق التي كانت حتى ذلك التاريخ متاحة. ومع ذلك خرج بنتائج حذرة، بعيدا عن القطعية واليقينية. وهذه طبيعة الباحثين والدارسين الجادين من قامة جرمان عياش والذين جاؤوا من بعده. لم يأتِ برأي قاطع واحد، بل عمد إلى رسم البناء العام لذلكم التاريخ المقاوم، تاركا للقارئ حرية التفكير والاستنتاج بلا إملاء ولا أستاذية.

ثم جاءت بعده الباحثة ماريا روثا دي مادارياغا، فنهجت منهج الباحثين الرصينين الهادئين المتواضعين، وقد أفنت زهرة عمرها بين جمع الشهادات الحية والحديث للناس وزيارة مواقع المعارك الحربية، وبين جدران المكتبات العالمية، باحثة ومنقبة عما قد يمكنها من فهم الموضوع الذي تحاول استجلاء ما غمض من زواياه. كل ذلك وفق منهج أكاديمي صارم. ثم جاء بعدها أو بموازاة معها باحثون تطبعهم الصرامة العلمية وطول النفس الأكاديمي أمثال سبستيان بلفور وآخرون تعد أعمالهم مصدرا لا غنى عنه لرسم معالم المشروع الذي كان الخطابي يعمل على تحقيقه.

أما موضة اليوم، فهي الانتقائية والاختزال والاستعجال وادعاءات تملك الحقيقة المطلقة. تساعد على نشر هذا الغثاء، مواقع إلكترونية همها في الوجود والبقاء، عدد النقرات المحصل عليها في اليوم، نقرات تشبه نقرات الدجاج في قريتنا حينما كانت تبحث عن قوت يومها، فلا تأنف حتى من النقر والتنقيب في الفضلات الآدمية لعلها تجد ما يسد رمقها. آسف جدا لاستخدام هذا التشبيه، ولكن مستوى التعاطي الآن مع قامة عالمية من حجم عبد الكريم بهذا الاستخفاف، لشيء يدعو حقا للقرف.

ولنفترض أن الخطابي كان يتناول الخمر مع والده، ولنفترض كذلك أن الخطابي كان مجرد “فَقِيه”، ونحن نعلم ما لهذه الكلمة من حمولة احتقارية في المخيال العام، فهل وصلنا إلى الحقيقة وانتهى التاريخ؟

تناول الخمر أو تجنبه، لا يحدد فكر الشخص ولا درجة حداثته أو غور رجعيته. المشترك في عبد الكريم هو ما خلفه من تراث فكري وحربي وسياسي وثوري، وليس إحصاء عدد المرات التي كان يذهب فيها إلى المرحاض، أو عدد صديقاته الحميميات حينما كان في مليلية أو نوع السجائر التي كان يشربها..

قبل أشهر، جرت محاولات بائسة لإثبات “عمالة” الخطابي للإسبان، ثم محاولة إثبات “توفر” الخطابي أيضا على الغازات السامة واستخدامها في حربه، مُوازين بذلك بين المعتدي والمعتدى عليه، ومحاولات أخرى كاريكاتورية تجعل من الخطابي “ألعوبة” في يد أبنائه، وما إلى ذلك من محاولات انتحارية غبية وأحزمة ناسفة تستهدف كل ما بناه الخطابي بعقله وفكره وجهده مع قومه من المقاومين وأحرار العالم…

ستتعبون، عبد الكريم أكبر من أن تنال منه سخافات ما بعد منتصف الليل في الأماكن المظلمة. فكر الخطابي باق وأنتم زائلون.

 

المساء (الصفحة الأولى) الأربعاء 1 يونيو 2016

Comments

comments