محمد أمزيان: المتطرف

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

قبل سنتين بالضبط، في شهر مايو من سنة 2014، كتبت مقالا عن حالة إنسانية عاشها أب ريفي مهاجر إلى بلجيكا فقد ابنه في المقتلة السورية. كان الابن يبتغي “الشهادة”، أما والده فأضحى شاهدا حيا على مأساة أب فقد ابنه وهو  في ريعان شبابه. ما زلت أتذكر خاتمة حديثي مع ذلك الأب المنكوب في فلذة كبده: إن كان قد أراد الجهاد والشهادة حقا، فقد أخطأ الطريق.

قبل أيام، حضرتُ لقاء نظمه أحد المساجد في هولندا تحت شعار”الشباب.. مستقبل مسجدنا”، أراد المنظمون من ورائه الاستماع إلى أفكار الشباب المتدين والتحاور معه والاستماع إلى ما يشغل باله كمسلم تواجهه تحديات جمة. الخلاصة التي خرجت بها من هذا اللقاء تشبه الخلاصة التي خرجت بها من لقائي قبل سنتين بذلك الأب المنكوب: كيف يصل التطرف ببعض الشباب إلى درجة العمى والكراهية والنبذ التام لقيمة الحياة؟

“المتطرف “يقتل” الأب بداخله ألف مرة في اليوم، يقتل المدرسة، يقتل المجتمع، يقتل كل الأزمنة. يتوق المتطرف إلى العودة إلى زمن ماض يتخيله أفضل الأزمنة”.

الجواب عند المختصين في دراسة ظاهرة التطرف عبر العصور، ليس التطرف الديني فقط وإنما التطرف المؤسس على كل أشكال الأيديلوجيات. ولكن هذا لا يمنع من القول إن الأمر خطير ومقلق حقا. فمنذ الدقائق الأولى مما كان يُرجى منه أن يكون “حوارا” و”نقاشا”، غابت كل مقومات النقاش والحوار، وتحولت الجلسة إلى “محاكمة” علنية للقيمين على المسجد باعتبارهم حادوا عن “الإسلام الحقيقي” ليخضعوا لقوانين “دولة كافرة”، وأن لا أحد يريد أن “يسمعهم”، وأن من “حقهم” أن يقولوا ما يشاؤون، و”يحسون” أنهم مطاردون ومحاربون في “عقيدتهم” ومضطهدون…

يتشابه خطاب المتطرف وتتشابه استراتيجيته وأساليبه في التعبير عن “حقه” وإثبات وجوده كما يريد هو هذا الوجود، لا كما “يحدده” الآخر له. تتشابه لغته ومصطلحاته، تتشابه ملابسه الخارجية (وربما الداخلية أيضا)، يتشابه عطره وقسمات وجهه وإشارات يده المتوعدة. تتشابه ردة فعله حينما يحس أنه محاصر بحجة مقنعة فيعلي صوته ويقاطع مُحاوره ويضرب على الطاولة حتى تحس وكأنها تئن. حينما يقول له محاوره: هاتني بالدليل، يجيبه: أنت لا تعرف ما يدبره “الأعداء” للإسلام. المتطرف لا يبحث عن دليل، فالدليل هو. المتطرف لا ينطق عن الهوى ويملك الحقيقة كاملة. المتطرف لا يمكن أن يخطئ لأنه يحمل “رسالة”. المتطرف فوق كل القوانين “الكافرة” وعلى الآخر أن يخضع لقانونه هو. المتطرف لا يسمع وعلى الآخر أن يسمعه هو. المتطرف لا يحاور، لا يبتسم، لا يرى مَن حوله. المتطرف “سيد” والآخر “عبد”. يعتبر المتطرف نفسه محظوظا لأنه اهتدى إلى الطريق الحق، والآخر يعيش الجهالة والضلالة والعياذ بالله.

المتطرف يتحدث باسم الجميع (نحن المسلمين) ويرى من واجبه أن يدافع عن “الحق” ولو كره الكارهون. له تفسيره الخاص للنص الديني ولا يقبل أي تفسير آخر، يقيسه على مقاسه الخاص وعلى الآخر أن يقبل ويخضع ويمتثل طائعا بلا نقاش. المتطرف مستعد ليقطع أواصر الأخوة الدينية والدموية والإنسانية مع كل من خالفه في الرأي  والمأكل والملبس والشكل ونوع العطر. المتطرف “يقتل” الأب بداخله ألف مرة في اليوم، يقتل المدرسة، يقتل المجتمع، يقتل كل الأزمنة. يتوق المتطرف إلى العودة إلى زمن ماض يتخيله أفضل الأزمنة.

هذه مجرد انطباعات خرجتُ بها بعد اللقاء المذكور ، والذي استحوذت على مجرياته قلة قليلة ممن كان التطرف ظاهرا على محياهم وسلوكهم. صادروا الكلام من أقرانهم الشباب، “بهدلوا” الإمام والمسيرين، وفي النهاية أكلوا حلويات اشتريت من هبة مالية تلقاها المسجد من جمعية هولندية للمقاولين والمستثمرين كانوا قد زاروا المسجد قبل أشهر!!    

Comments

comments