محمد أمزيان: الريع الجنسي

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

لنفترض جدلا أن القايد… نعم، أقصد ذلك القايد الذي ضُبط متلبسا في موقف جنسي محير (مصدر الحيرة: إن كان قميصه قُدَّ من دُبر)، قد استُدرج إلى كمين محبوك كما تُستدرج الضحية إلى سالخها. ولنفترض أن “كيد النساء” تغلب هذه المرة على “قوالب” الإدارة، فأوقع بواحد من مسؤوليها في حضن امرأة غريبة عنه، وحينما انفضح، وهو شبه عارِ، “توَكْوَك” (واك واك أعباد الله) باكيا: أنا برئ. فإذا وقع هذا القايد فعلا “ضحية” (علما أن تاريخ “القُياد” في المغرب يفيد بعكس ذلك تماما)، فمن عرّاه من قميصه الذي لم يُقَدّ لا من قُبُل ولا من دبُر؟

ما نستخلصه من هذه الحادثة غير الفريدة، أن “الخدمات الجنسية” في بلادنا جزء لا يتجزأ من ظاهرة الريع المستشرية على كل الجبهات. غير أن ما يميز “الريع الجنسي” الذي يدخل في إطار المسكوت عنه مجتمعيا حتى أضحى وكأنه أمر “جاري به العمل”، عن باقي أنواع الريع، ويجعل منه آفة مجتمعية حقيقية، أنه مقرون بالسلطة في أسوأ تجلياتها. فالريع الفني مثلا مقصور على فئة محدودة جدا من شريحة المجتمع، والريع السياسي والاقتصادي وغيرهما من أصناف الريع الأخرى، حتى ولو كانت مُعرقِلة  للنمو السوي للمجتمع ومكرِّسة لعاهة التبعية لولي النعمة، فإنها لا تطال “أعراض” الناس و”شرفهم”، ونحن نعرف ما لهاتين القيميتن من اعتبار أخلاقي وثقافي وديني في مجتمعنا. الريع الجنسي هو أخطر أنواع الريع، لأنه يحطم الإنسان من داخله، يجعله منبوذا تزدريه الأعين ولا تعافه الأسلنة اللواكة. قد يتساهل المجتمع مع من رشى وارتشى، مع من كذب وسرق وغش وفجأة اغتنى. لكنه لا يتساهل ولا يتسامح مع من “باع الشرف” حتى ولو كان “البائع” ضحية.

“مقايضة “الخدمة الجنسية” بقضاء حاجة أو غرض، أو للحصول على وظيفة أو منحة دراسية.. هي ممارسة شائعة وشنيعة. نعم، نتحدث عنها ونستنكرها، لكننا لا نتورع من التعامل بها”.

“الريع الجنسي” كابوس يقض مضجع كل أنثى بلا استثناء، حينما تضطرها الظروف لتجد نفسها أمام صاحب سلطة (كيفما كان وزن هذه السلطة) لا يراعي في أعراض الناس إلاًّ ولا ذمة. فكم من أخت أو ابنة أو أمّ تعرضت للمقايضة على جسدها وهي تلج باب مؤسسة صحية أو تعليمية أو باب أدنى إدارة في الحي؟

“الريع الجنسي” رشوة “عينية” مقيتة. فعندما تغيب المادة لإرضاء رغبات صاحب سلطة أو رب عمل أو حتى مقدم الدوار، يحضر الجنس. “الريع الجنسي” سلاح سياسي فتاك يستخدم حينما تعجز الأسلحة الأخرى عن القضاء على الخصم أو إقصائه أو تحييده.

مقايضة “الخدمة الجنسية” بقضاء حاجة أو غرض، أو للحصول على وظيفة أو منحة دراسية.. هي ممارسة شائعة وشنيعة. نعم، نتحدث عنها ونستنكرها، لكننا لا نتورع من التعامل بها. لا تكاد تخلو من هذا “النشاط” إدارة عمومية ولا مدرسة ولا مستشفى ولا مبنى حكومي مع الأسف. على من تقع المسؤولية؟

كل واحد منا مسؤول عن فعله، وعليه وحده واجب طرح هذه الظاهرة للنقاش العام بشجاعة وبلا حرج. “الريع الجنسي” لن تحاربه الحكومة ولا القوانين مهما تشددت وقست على الجاني والضحية على حد سواء. ليس من مسؤولية الحكومة أن “تربي” المعلم ليحترم تلميذته، ولا مدير المدرسة ليحترم معلمته، ولا مفتش التعليم ليحترم مديرة مدرسته؟ هل من مسؤولية الحكومة أن “تربي” القايد والشيخ والمقدم ورجل السلطة؟ هل من مسؤولية الحكومة أن “تربي” الأستاذ الجامعي ليضبط حزامه وهو يقايض طالبة على جسدها قبل أن يقبل  الإشراف على بحثها للتخرج؟ لا أعتقد أن هذا من صميم العمل الحكومي. هذا مرض اجتماعي خبيث لن تعالجه المحاكم وحدها. فالحكم على ذلك القايد أو تبرئته لن ينهي الظاهرة. ستظل هذه الآفة قائمة ما لم تتغير نظرة المجتمع تجاه المرأة باعتبارها بضاعة سائبة قابلة للنهش.  

Comments

comments