محمد أمزيان: “أنا مصالحش ليكم”

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

غيض من فيض قاموس سياسي جديد…

رئيس حكومتنا لا يريد أن “يداحس” مع الملك (حنا بصراحة كحكومة ملي جلالة الملك كيعتني بشي حاجة مكنبغيوش نبداو نبانو حتى حنا مداحسين معاه)، ولا “يدابز” معه (إيلا عوالين عليا ندابز مع الملك بعدو مني أنا ما صالحش ليكم). رئيس حكومتنا مستعد لأن “يدخل السجن” حتى لا يبدو عاصيا للملك (قلت للملك واخا تدخلني للحبس أنا معاك). رئيس حكومتنا مستعد أن يتخلى حتى عن جزء من نواب الأمة المنتخبين ويرتاح منهم إذا قدموا استقالتهم (قدموا استقالتكم وهنيونا منكم).. ما معنى هذا الكلام؟

لا يا سيادة رئيس الحكومة! تدافع وتنافس وتداحس، لأن ذلك من صميم عملك كرئيس للحكومة منح لك الدستور صلاحيات اعتقدها جل المغاربة واسعة بما يكفيك لتقوم بمهماتك الدستورية خير قيام. لا يا صاحب السعادة، لا نريدك أن تدخل السجن إلا إذا أقدمت على فعل يستوجب حبسك وسجنك قانونيا ودستوريا، وليس لأن عاهل البلاد طلب منك ذلك، وأنت أطعت وكأنك أتيت إثما مذموما.

هناك سؤال يحيرنا كمغاربة بهذا النوع من الخطاب الذي لا يمكن وضعه في ميزان مسؤول اختير بمقتضيات دستورية واضحة ليكون رئيسا للحكومة. هل يشعر الملك فعلا بالضيق والزحمة والمنافسة إذا أديت ما أنت منوط بأدائه دستوريا؟ أم أنك تستظل بظل الملك كلما ضاق صدرك بسؤال أو استفسار أو تساؤل من هنا وهناك؟ جل المغاربة يا سيادة رئيس الحكومة، لا يريدونك أن تزاحم الملك، فلك مهمتك وصلاحياتك وله هو أيضا مهمته وصلاحياته. غريب حقا أن نسمع أن ملكا قد يشعر بالمنافسة من رئيس حكومته إذا هو بادر بمواساة الناس في مصابهم!

“لا نريدك أن تدخل السجن إلا إذا أقدمت على فعل يستوجب حبسك وسجنك قانونيا ودستوريا، وليس لأن عاهل البلاد طلب منك ذلك، وأنت أطعت وكأنك أتيت إثما مذموما”.

أما قضية “التخلص” من قسم من نواب المعارضة (هنيونا منكم)، فهذا الكلام الذي صدر من رئيس حكومة كل المغاربة، ينم حقيقة عن ارتجالية كبيرة غير محسوبة العواقب. فحتى لو تعرضت يا سيادة رئيس الحكومة للاستفزاز من قبل نواب المعارضة، فمنصبك الذي أنت الآن تشغله، يفترض فيك الحكمة والصبر والبصيرة. ثم إن الجميل في الأنظمة التي تعرف التعدد السياسي وتعمل به في الظاهر والباطن، هو القبول بالآخر حتى ولو كان هذا الآخر مشاكسا، مستفزا أو حتى دون المستوى. فأنت الصورة الحية لعمل المؤسسات المنتخبة، ولست “حية” بالمعنى المغربي الدارج، تقرص كل من اقترب منها عندما تحس بالاختناق.

من خصالك المحسوبة لك يا سيادة رئيس الحكومة أنك “عفوي” تحاول التحدث بلغة أيها الناس، بلا حجاب التعالي ولغة الخشب. غير أنه ليس كل ما هو “عفوي” صالح في كل زمان ومكان. ففي العفوية تكمن مخاطر الانزلاقات التي قد تودي بمسار سياسي لم يستو عوده بعد، رغم التجربة البرلمانية الطويلة قياسا بعمر البرلمانات والحكومات المنبثقة عنها في دول الجوار والمحيط المجاور للجوار من جهة الشرق حتى الخليج. من بين الانزلاقات الخطرة في هذه الظرفية، أنك يا سيادة رئيس الحكومة تتخلى عن صلاحياتك الدستورية دون أن تستشير مع الناس الذين أوصلوك للمكان الذي أنت فيه الآن. ومن هذا الاعتبار، فأنت يا سيادة رئيس الحكومة “ما صالحش لينا”، ليس لأن المغاربة يريدون أن يصنعوا منك خصما للملك، ولكن لأنك تخليت (طواعية وبقرار فردي من جانبك) عن مسؤولياتك الدستورية.

من المتعارف عليه أن يكون للمسؤولين الكبار أمثالك مستشارون، وبكل تأكيد لديك منهم جيشا عرمرما، لكن لنا نحن المغاربة أن نتصور مدى صعوبة مهمتهم وهم يحاولون تقديم الاستشارة إليك، وخاصة في جانبها المتعلق بالتواصل مع الآخر، وتجنب المستنقعات التي يحاول خصومك – وهم كثيرون – جرك إلى قاعها. فإذا كانت الأمور كما تصفها لنا يا سيادة رئيس الحكومة تتحرك وتتنفس وتنفذ وتمشي وتقعد وتنام بإرادة ليست إرادتك وإرادة حكومتك، فلماذا تحاول نسب كل الإنجازات والمنجزات لعهدك الموقر؟ ما قيمتك المضافة في ميزان النظام، إن كنت عاجزا حتى عن أخذ مبادرة زيارة منطقة منكوبة؟

Comments

comments