أبواب “جنة” بنما لن تُغلق

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

ما تزال مياه قناة بناما تجري. تعكرت قليلا، لكنها تجري غير عابئة بالأحجار المنزعجة التي تتساقط في مجراها الهادئ.. مياه القناة تسقي “جنات” خضر من نوع خاص. فالأخضر يبعث الحياة  هناك، بعيدا عن الحياة، ويقتل حيوات كثيرة في أماكن أخرى. تلك الجنة لا يدخلها العابدون ولا الزهاد النُّساك، ولا الكادحون أو نظيفو الأيدي. تلك “الجنات” تدخلها كائنات تُحلق عاليا، تعيش على دموع الفقراء ودمائها فتحولها إلى قذارات ودمامات تشوه العدل السماوي والأرضي.

ما الذي حرك مجرى القناة فجأة أو بالأصح من حركها؟ المدافعون عن “صكوك الغفران” قالوا: إنها المؤامرة. ورؤساء وزراء “محترمون” مثل كامرون، قالوا: ليس في العملية ما هو “خارج” عن القانون. أميل إلى الفرضية الأخيرة على اعتبار أن الطريق إلى “جنة” المال كانت ملتوية، شاقة وصعبة، لكنها سليمة سلامة القوانين المُنظِّمة لها. المؤمنون وحدهم يعرفون كم هو عسير طريق الجنة.

في حياة أخرى، كان لي محل تجاري. جربت التجارة ولم أكن مزودا بشطارة التجار. لم تمض على مغامرتي تلك سوى بضع سنوات حتى أفلست، وكاد الدائنون يضعون اليد على بيتي الذي اقتنيته بمساعدة بنك كشفت “أوراق بنما” اللعينة أنه أيضا من الذين يتذوقون من نعيم “الجنات” الضريبية في الجزر المتوارية خلف ضباب المحيطات. استقال مدير البنك حتى لا يضيّع أجر دافعي فوائد القروض أمثالي. في تلك الحياة السابقة إذن دخل محلي “جاك”. صديقي أحمد أطلق عليه اسم “جاك النصّاب”. كانت حركاته وكلماته تدل على أنه يحمل سرا من الأسرار. توالت أيام الاستئناس وفاتحني يوما بمقترح غريب. قال لي: هل تعرف “مستثمرين” من أصول أجنبية يرغبون في الاسثمار في شركتي؟ استفسرت منه بعفوية بليدة: ما نوع التجارة التي تمارسها؟ “كل شيء”، أجابني بوثوقية عجيبة.

“تلك “الجنات” تدخلها كائنات تُحلق عاليا، تعيش على دموع الفقراء ودمائها فتحولها إلى قذارات ودمامات تشوه العدل السماوي والأرضي”

مرت أيام وعاد إلي بابتسامة مطَمئِنة، شارحا، وبتفصيل غير ممل، كيف يتلاعب بالقوانين الأوروبية التي تخول للتجار استرجاع قيمة الضريبة إذا ما صدّروا بضاعتهم إلى خارج دول الاتحاد. والعملية تبدأ على سبيل المثال من إبرام عقد تصدير بضاعة (س) مع شركة في بولونيا بقيمة محترمة، ثم يقوم هو بتصدير تلك البضاعة عبر شركته الوسيطة إلى بلد (ي) خارج الاتحاد الأوربي، وبمجرد وصول البضاعة إلى مُرساها، يقوم هو باستخلاص قيمة الضريبة ثم يوزعها على الشركاء بالتساوي. هذا النشاط يتكرر عدة مرات، ويمكن أن يبلغ المُستعاد السنوي من الضرائب عشرات الآلاف من اليوروهات. لم أستغرب في الحقيقة من هذه العملية التي تتم وفق القانون. غير أن المفاجأة الصادمة حدثت حينما أوضح لي “جاك النصاب” أن البضاعة تُصدر على الورق فقط، وأن جنود الخفاء يقومون بدمغ وثائق التصدير من المنشأ حتى المنتهى!

لم يتوقف “جاك النصاب” عند هذا المستوى من الشرح، بل زاد في الميزان حسنة عندما قال: القوانين يضعها اللصوص الكبار لحماية مصالحهم وما أنا إلا مستفيد صغير! انتهيتُ إلى الإفلاس دون أن أعرف مصير “جاك النصاب”. الدرس المستفاد من هذه القصة أن الفجوات القانونية عادة ما يتركها “مجهولون” مُشرَعة، فيستفيد من هوائها الشطار. هذه سُنة حياة المال والأعمال.

ليس كل من اختار طريق “الجنات الضريبية” بنوكا وشركات وهمية ورجال أعمال يتهربون من أداء فروض الضرائب في بلدانهم، بل وجدت من بينهم منظمات غير حكومية تعيش أصلا على هبات المحسنين وأموال دافعي الضرائب. وحينما سئل مسؤول كبير في منظمة غير حكومية هولندية بعد أن ظهرت موسسته في “أوراق بنما”، أجاب بقلب مرتاح: نحن لا ندفع الضرائب أصلا، فكيف نتهرب منها؟ يا له من مؤمن لم يتزعزع إيمانه. إنه يستحق الصف الأول في “الجنة الضريبية”.

وماذا عنا في المغرب؟ أبواب هذه الجنة الخالدة لن تغلق. أبشروا!   

Comments

comments