نظراتهم ترعبنا كما ترعبهم حقائبنا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

الإرهاب يحب العواصم المكتنزة الحالمة، يحب شوراعها المزدحمة وصحافتها المشاغبة، تثيره وسائل نقلها التي تتجول في أحشاء الأرض كالديدان. الإرهاب يحب الدماء والأشلاء، لا يفرق بين ألوان الضحايا، لأن الإرهاب يخلق ألوانه الخاصة، يرسمها بالنار والبارود على الأرصفة وبقايا المحطات.

الإرهاب يحب السفر أيضا. يقطع التذاكر ككل مسافر، يحمل حقائب مملوءة ككل مسافر، يركب سيارة أجرة نحو المطار كأي مسافر، يدفع عربة الأمتعة إلى الأمام كأي مسافر، وفي لحظة منفلتة من عقال العقل والفهم والإنسانية، تتحول الحقيبة إلى موت أعمى لا يفرق بين العدو والصديق، بين  الشاب والعجوز، بين الغريب والقريب.

الإرهاب يقتل، يدمر، يخيف، ينثر الحقد والكراهية بين الشعوب أينما حل وارتحل، هدفه في الموت أن يطيل الفوضى القاتلة التي يقتات منها ويستمد منها أسباب البقاء. فكلما طالت الفوضى كلما تمدد وجلب إليه الأنصار والمغامرين والمغرر بهم.

بيد أن الضحايا لا يسقطون دائما بسبب التفجيرات والعمليات الانتحارية والأحزمة الناسفة. إنهم يتساقطون كذلك بفعل إجراءات قانونية ما كانت لتمر لولا الإرهاب والتخويف من الإرهاب. عقب تفجيرات باريس في يناير من السنة الماضية، أعلنت فرنسا حالة الطوارئ وعطلت الدستور مؤقتا دون أن يعترض البرلمان. أمريكا تراقب حركات الناس وسكناتهم عبر العالم ولا من يقول لا. الدول الغربية تقريبا كلها قضمت وما تزال تقضم من هامش الحرية وقوانين الخصوصية بلا أية مقاومة، وبدا أن الجميع راضٍ بالقضاء والقدر، وبما تقوم به الأنظمة من تحجيم للحريات تحت حجة “الوقاية” من الإرهاب.

ولعل أكبر ضحايا الإرهاب، على المدى البعيد، هي الحرية فعلا، والتي تضيق عليها السبل يوما بعد يوم. تقليص هامش الحرية خطر حقيقي يطال الجميع، ويتربص بِنَا أكثر كمهاجرين كانت دساتير الغرب تحمينا وقوانينهم تعترف بآدميتنا وتشجعنا على التعرف على طعم المواطنة من خلال المشاركة السياسية والعمل والسكن اللائق والتعليم والصحة. الآن علينا أن نثبت أولا طبيعتنا كآدميين نستحق الحياة، ولسنا قنابل تمشي على قدمين. نظراتهم نحونا ترعبنا كما ترعبهم حقائبنا.

“هذا الإرهاب الذي اختطف ديننا وتاريخنا وربما مصيرنا على المدى القريب، لم يوجه ولا رصاصة واحدة أو انتحاريا واحدا لتحرير القدس”.

الإنسان الغربي الأصلي يرى أيضا حريته التي تحققت بفضل تضحيات أجداده وآبائه، تنكمش ولا يحرك ساكنا لأن الخوف يسكنه. بعض مؤسسات قياس نبض الرأي العام تؤكد فعلا أن نسبا عالية من المواطنين في الغرب مستعدون للتخلي عن نصيب من حرياتهم الشخصية مقابل الأمن والسلامة.

لكن، وبقدر ما يخلّف الإرهاب من ضحايا مباشرين بسبب التفجيرات والسلاح، وما يقدمه من خدمات جلى للأنظمة الحاكمة (في الغرب والشرق والشمال والجنوب) كي تكمم الأفواه وتعيد ترتيب الأولويات والاستثمار في الرعب الذي يزرعه هذا الإرهاب العصري العابر للقارات والحدود، بقدر ما يفشل في إسقاط الأنظمة التي يعلن محاربته لها. لم يثبت أن الإرهاب أسقط نظاما يعاديه ولا أقام نظاما بديلا يبتغيه. فلا هو أسقط بنعلي، ولا مبارك ولا القذافي ولا الأسد ولا كل الطغاة الذين طردتهم شعوبهم بالتضحيات والآلام. هذا الإرهاب الذي اختطف ديننا وتاريخنا وربما مصيرنا على المدى القريب، لم يوجه ولا رصاصة واحدة أو انتحاريا واحدا لتحرير القدس على سبيل المثال.. كل ما يحسن فعله هو سفك دماء أبرياء بعشوائية عمياء، وتقديم خدمات بالوكالة للأنظمة للإجهاز على ما بقي فيها من مكتسابات سياسية وحقوقية وثقافية.  

Comments

comments