حسيميات جمال أمزيان: العادات والتقاليد.. آيث بوخلف نموذجا

  • 0

المشهد الثالث عشر

كيف كانت التقاليد وكيف أضحت؟

في مستهل هذه المقالة، لا بد من التنويه إلى أن خاصية البساطة هي الميزة الأساسية تي كانت عليها عادات وتقاليد قريتي، شأنها شأن باقي قرى الريف، بل وحتى المنشآت والبنايات مهما كانت وظائفها لها نفس الخصائص. وقد يكون وراء هذه الميزة قلة الإمكانيات المالية، وبالتالي الاقتصار على ما هو متاح من الموارد الذاتية والتي يوفرها المجال.

تقاليد قريتي أيث بوخرف لا تختلف كثيرا عن تقاليد القبيلة الأم، أي أيث ورياغر. إلا أن طقوسها قد تتباين حسب المواسم وفصول السنة، ومن مناسبة لأخرى. لكن ما هو ملاحظ، ومع تحسن مستوى العيش، واحتكاك الأهل مع ثقافات الشعوب الأخرى، والنظر إلى كل ما هو أجنبي على أنه هو الأمثل والمقتدى به، جعل الكثير منها ينقرض بدعوى الحداثة والعصرنة حتى غدونا لا نراها أو نسمع عنها إطلاقا، بينما البعض الآخر تعصرن وتمدّن ومتح من عادات وتقاليد قبائل ومناطق وجهات أخرى من البلد، بل مع انتشار الصحون المقعرة على أسطح المنازل، في القرى أو المدن، نهلت عاداتنا وتقاليدنا من ثقافات شعوب أخرى، غربية ومشرقية بالخصوص، حتى يخال لنا أننا قد فقدنا هويتنا وغدونا مستلبين.

“ما زلت أتذكر أن أيام الأعراس كانت تتعدى الثلاثة، بل قيل لنا، حسب كبار السن لما كنا صغارا، إنها كانت تصل إلى السبعة”.

فهل يمكن اعتبار هذه التحولات سنة حميدة وإيجابية ساهمت في نمو وتطور شخصية أهل قريتي وباقي ربوع الريف؟ أم أـنها لم تتجاوز مستوى الرتوشات، قد تكون غيرت إلى حد ما “اللوك”، لكنها تغاضت عن الجوهر؟

سأحاول استحضار بعض هذه العادات والتقاليد مشيرا إلى ما كانت تتميز به من خصائص وما زالت ذاكرتي تحتفظ بشيء منها، وفي الأخير لابد من الإشارة إلى ما طرأ عليها من تعديلات.

العنصرة (ارْعَنْصَاثْ)

هو يوم كان يطبخ فيه خبز القمح الصلب، “أَغْرُومْ إيَّذْنْ”، إذ نادرا ما كان يتناول هذا النوع من الخبز، إذا ما استثنينا بعض المناسبات أو عند حلول ضيف عزيز على الأهل. ذلك أن الحبوب الأساسية في التغذية هو الشعير. لقد كان كبار السن، حينما تتوق أنفس الصغار إلى خبز القمح، يبررون غيابه من على المائدة الغذائية بقولهم: “تناولوا خبز الشعير حتى تربوا الرًّكَب/ أَشَّثْ أَغْرومْ إيمَنْدِي إِتَكَّ إِفَدْنْ””. أكاد أجزم في الوقت الراهن أنهم كانوا على صواب.

وفي ذات اليوم أيضا كان تطبخ، في قدر كبير يدعى ” أقنوش”، كمية مهمة من الحبوب والقطاني في الماء مع شيء من الملح، وهي الأكلة التي كان يطلق عليها اسم “إِمْشِيخْنْ” والتي يُقبل الصغار على تناولها وهم يلعبون ويدورون حول نار متقدة، توقد في أغصان اقتطفت من كل نوع من أنواع الشجيرات المتواجدة في أحواز الدوار وفي المراعي الجماعية.

وحسب مجموعة من الكتابات، يعتقد أن هذه العادة التي يحتفل بها في 24 من يونيو الفلاحي و7 يوليوز من التقويم الجريجوري، وهي، على العموم ونسبيا، مرحلة الانتقال من فصل الربيع إلى فصل الصيف، فصل جني المزروعات المختلفة، تعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، لها جذور في الديانتين اليهودية والمسيحية، وبذلك يعتبرها البعض عيدا “كوكبيا”. لقد انتقلت من اليهودية إلى المسيحية أولا، ثم من المسيحية إلى الإسلام ثانية بعد انتشاره في هذه الربوع، وبالخصوص في الأندلس حيث كان التعايش واضحا وسائدا بين مختلف الديانات السماوية، ومنه إلى شمال إفريقيا حيث تلبّست بلبوس محلية. إن هذا التطور قد يجعلنا نؤكد على أن شمال إفريقيا كان فعلا فضاء للتعايش السلمي، عبر مختلف الأزمان، بين تينك الديانات دون تعصب ولا اقتتال.

عيد المولد النبوي الشريف (ارْمُورُوذْ)

يعود تاريخ الاحتفال بهذا العيد في المغرب إلى عهد المرينيين، وحسب عبد الهادي التازي، كان أول من احتفل به في الغرب الإسلامي «هم بنو العزفي أصحاب سبتة أواخر القرن السادس (… ) ولم تلبث الدولة المغربية أن تبنت المبادرة العزفية اقتناعا منها بضرورة شد الجماهير إلى التمسك بالبيئة الإسلامية والتعلق بالنبي الكريم، وهكذا ظهر (مرسوم ملكي) شتاء عام 691 = 1292 في أعقاب جواز العاهل المريني إلى الأندلس لرد عدوان المغيرين على الثغور التابعة للمغرب، ووجدنا العاهل يشرع الاحتفال بعيد المولد في سائر جهات المغرب، ويعتبره يوما رسميا للدولة تتبادل فيه التهاني بين سائر طبقات البلاد وهو الأمر المحمود الذي استمر عليه التقليد إلى اليوم في بلاد المغرب.»
غير أن الاحتفال بهذا العيد يثير حفيظة بعض التيارات التي تدعو إلى الابتعاد عن ذلك على اعتبار أن هذه المناسبة ما هي إلا بدعة من البدع لما تتسم به احتفالاتها من مظاهر الصخب، كما هو معمول به لدى بعض الطرق الصوفية والتي نذكر منها الطريقة التيجانية بفاس، حيث يفد عليها مريدوها من مختلف مناطق المغرب، بل حتى من دول الساحل، وكذا موكب الشموع بسلا والذي ينطلق من ضريح زاوية مولاي عبد الله حسون. وتبقى الزاوية البودشيشية بمداغ في الوقت الراهن هي الأكثر شهرة في هذه الاحتفالات.

أما في الريف عموما، وفي قريتي على وجه الخصوص، فما تتميز به احتفالات هذا اليوم، تيمنا بمولد النبي محمد (ص)، هو البساطة. وهكذا تُبَكّر إحدى نسوة المسكن أو الأسرة، تصعد إلى سطح البناية وتقوم بتعليق خمار تقليدي يدعى “بَانْدُو” أو “ثَاسَبْنِيثْ” على سطح المنزل تعبيرا عن “الولادة” مع إطلاق الزغاريد، وهو نفس الطقس المعمول به عند ازدياد كل مولود. هذا في الوقت الذي تنهمك فيه الأخريات في إعداد وطبخ أكلة “إوزان” والتي أساسها حبوب الشعير المحصودة قبل النضج والمشوية في الفرن والمكسرة في الطاحونة اليدوية حيث يستخرج أيضا دقيق تصنع منه أكلة “زَمْبُو”. بعد ذلك يرسل جزء من الأكلة إلى المسجد، والجزء الآخر يحمله الصبية إلى الطريق الجماعية، “أَزّاكَ”، ليأكل منها كل عابر سبيل. أما الباقي فيتناول في البيت كوجبة فطور ذلك اليوم.

عاشوراء (ذْعَاشُوثْ)

لا أعتقد أن لهذا اليوم مميزات خاصة في الريف كله، وبالأحرى لدى أهل قريتي، كما أنه لا يشكل حدثا بارزا ضمن شبكة الاحتفالات السنوية. فهو يمر كباقي الأيام, ولا أتذكر أن هناك طقوسا خاصة سوى إعداد أكلة العشاء من القديد، وطبق من الكسكس يعلو قبته “ذيل” خروف العيد، ربما يعود ذلك إلى كون المذهب المنتشر في الريف هو المذهب المالكي السني، في حين أن الاهتمام بهذا اليوم والاحتفال به يظهر لدى الشيعة أكثر. وحتى الدولة نفسها لا تعتبره يوما من الأيام الدينية.

ليلة القدر (ادْجِيرثْ ذَامْقْرَانت)

هي ليلة يعتبرها أهل القرية ليلة مباركة لما لها من مرجعية دينية، إذ يجتمع رجال وشباب وصغار القرية في المسجد الكبير، ويجد الميسورون في هذا الليلة فرصة للتصدق. وهكذا يحضرون الأكباش لذبحها وإعداد طواجين اللحم المتناول بعد أداء صلاة التراويح. كما أن لهذه الليلة سمة أخرى تكمن في الإكثار من الصلاة وطلب المغفرة، وتعد مناسبة يلتقي فيها أهل القرية. ولما كان المسجد الجامع يأوي طلاب العلم أيام الحقبة الاستعمارية وبعيد الاستقلال، فقد كان يعج بالمصلين وبحفظة القرآن. وهو الأمر الذي لم يعد يظهر له وجود إذ تشاء الصدف أنني، في قبل ثلاث سنوات، حضرت هذه المناسبة ولاحظت أنها لم تتغير في الجوهر، لكن الاهتمام قل كثيرا، وتلك القدسية التي كانت لهذه الليلة قد تراجعت. كما قل حفظة القرآن من أهل الدوار بحكم منافسة التعليم العصري.

عيد الفطر (ارعيذ أمزيان /ارعيذ أكوح)

يجتمع أهل القرية، شيبا وشبابا وصغارا، في الجامع الكبير، وتخرج الحصائر إلى المصلى خارج المسجد إذا كان الجو صحوا. وبعد أداء صلاة العيد، يشكل المصلون دائرة حيث يتقدم أحدهم ويبدأ عملية تقديم التهاني والتبريكات بهذه المناسبة، فيحيي جميع الحاضرين إلى آخرهم، وغالبا ما يكون الفقيه الإمام. هذه الظاهرة لم ألحظها في القرى والمداشر الأخرى، وكانت تسمح بنسيان وتناسي العداوات والخصومات، وبنبذ كل أشكال التنافر والشقاق، إلى جانب الصفح والعفو بين سكان القرية ولو إلى حين. بعد صلاة الظهر، وحسب القرب أو البعد من المسجد وحسب عدد الناس، يجتمع السكان ويتفقون على شراء ثور أو أكثر لذبحه وتقسيم لحمه على حسب عدد الحاضرين والمشتركين في هذه العملية التي تدعى “روزيعث”، والتي تشكل عشاء ذلك اليوم الذي يفرح فيه الأطفال بحصولهم على ملابس جديدة.

عيد الأضحى (ارعيذ أمقران)

إلى جانب الطقوس المشتركة مع عيد الفطر، وكما هو شائع في كل قبيلة آيث ورياغر، إذ بعد العودة من صلاة العيد بالمصلى أو المسجد، حسب الظروف المناخية، كان الإمام يكلف أحد أفراد أسرة الحاج سلام موح أمزيان بعملية الذبح باسم الساكنة. يخصص هذا اليوم لعملية ذبح الأضحية وتنقيتها، مع إعداد بعض الحلويات وخبز القمح الصلب، ولا تؤكل من الذبيحة التي تبقى معلقة في فناء المنزل إلى الغد سوى الكبد والطحال والأجزاء الباطنية للأضحية. وفي غده تبدأ عملية تقطيع الأضحية وتصنيف لحمها إلى ما هو صالح للشواء، وما هو مخصص للطاجين، وما عدا ذلك يجفف في الشمس لصنع القديد. وبعد تناول فطور اليوم الثاني وغالبا ما يكون عبارة عن قضبان من الشواء وكؤوس الشاي المنعنع مع فطائر من القمح الصلب، تبدأ عملية زيارات الأقارب المنتمين إلى نفس الأسرة الكبيرة، أي “جاجكو”، الرجال والصبيان معا، والنساء والفتيات معا. وهكذا من منزل إلى آخر حتى الهزيع الأول من الليل. ولما يأوي الفرد إلى النوم يكون قد أكل من الشواء واللحوم ما لا يحتمل، ذلك أنه من غير اللائق أن تلج منزلا ما، حتى وإن كان متعدد الأسر، وتمتنع عن الأكل، إذ أن هذا السلوك قد يعد نوعا من الاحتقار لتلك الأسرة سيما إذا كانوا من الفقراء، بل إن دخلت أحد هذه الدور، وجلست إلى أهلها، وتناولت معهم الأكل، فإن هذا السلوك يعتبر محبوبا ويبقى منقوشا في ذاكرة سكان ذلك المنزل.

الأعراس (ذِمَغْرِوِينْ)

يقول هارت في كتابه عن “أيث ورياغر”: «تعتبر الأعراس أهم الأحداث في الريف الأوسط من حيث نسبة الاحتفال والابتهاج، ومن حيث إمكانية اجتماع أكبر عدد من الناس، إذ لا يمر أسبوع خلال شهري عشت وشتنبر دون الاحتفال بعرس في مدشر ما ويحضره جميع أهل هذا المدشر أو مدشر آخر مجاور حيث تتم دعوتهم إليه أيضا (…) فالأعراس هي مناسبة للاحتفال والاستمتاع بالنسبة للجميع. هذه الفترة لا تتخللها إلا أيام معدودة للاستراحة بين عرس وآخر». (ص.195)

حفل عرس ريفي في أربعاء تاوريرت - العروسة محاطة بوزيراتها  (دافيد هارت: 1959)

حفل عرس ريفي في أربعاء تاوريرت – العروسة محاطة بوزيراتها
(دافيد هارت: 1959)

ويضف: « إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها فيما يخص هذا الموضوع الشائك هي أن الفتى، حتى وهو في سن الزواج المقدرة عادة ما بين ست عشرة وثماني عشرة سنة، ليس له الحق في اختيار شريكة حياته. أما موقف الفتاة التي تتزوج عادة في سن يقل عن سن الرجل بعام أو اثنين، فهو أسوأ من موقف الرجل، إذ لا يؤخذ رأيها بعين الاعتبار على العموم. فالآباء هم الذين يقررون في شأن زواج أبنائهم ويختارون العرسان والعرائس الذين يعتبرونهم الأنسب والأفضل.» (ص193)

ما زلت أتذكر أن أيام الأعراس كانت تتعدى الثلاثة، بل قيل لنا، حسب كبار السن لما كنا صغارا، إنها كانت تصل إلى السبعة. الأيام الأولى تخصص للتهييئ النفسي للعروسين، واللذين يقومان بإعداد حاجياتهما الشخصية من ملابس وأدوات التخزين (الصندوق مثلا بالنسبة للعروسة) ومستلزمات البيت من أواني وفراش. وفي هذه الأثناء يحل العروس والعروسة، كل واحد على حدة، كضيوف على أسر الدوار الذين تجمعهم قرابة عائلية أو صداقة أيام العزوبة. وهذه العملية هي تعبير عن توديع مرحلة العزوبة والانتقال إلى مرحلة الأهلية والمسؤولية. في اليوم ما قبل الأخير الذي يعرف بيوم “ادْفُوعْ” لدى العريس، وهو اليوم الذي يقوم فيه أهل العريس بإرسال ما اتفق عليه بين أهل العروسين من مواد غذائية ودعم مادي حتى تتمكن العروسة من تغطية حاجيات ضيوفها. كما يسمى لدى أهل العريس بيوم “نْ أرَازِيقْ”. أما عند العروسة فيسمى بيوم الحناء أو يوم “ارْحَنِّي نْ ارْغَايْذْ أَمِيمُونْ”.

بعد تناول وجبة العشاء، تبدأ عملية السهر والسمر التي تسمى “ارْفُوجَثْ” في كلا المنزلين، والتي قد تستمر إلى بزوغ الفجر، وأحيانا حتى طلوع الشمس. في هذا السمر، تخرج الفتيات العازبات إلى وسط فناء المنزل، أو إلى الفناء الخارجي الذي تحلق حوله شباب القرية وحتى من القرى القريبة وأحيانا البعيدة. وفي هذا السمر تبدع الفتيات من الأبيات الشعرية الشيء الكثير، وذلك بالفطرة دون استعداد قبلي. إن مضمون تلك الأبيات الشعرية والمقفاة غالبا ما ينصب على مدح الحبيب أو هجوه هو وأهله إذا امتنعوا عن تزويجهما. كما يقمن بالرقص على نغمات الناي ودقات الدفوف التي كان بعض الشباب يتقنونها ويتم استدعاؤهم من قرية لأخرى. أما أهل العروسين، فبعد استراحة قصيرة وأخذ قسط من النوم، يبدؤون في الاستعداد لليوم الأخير الذي تختلف طقوسه شيئا ما بين منزل العريس ومسكن العروسة.

في اليوم الثالث والأخير، وهو اليوم الرسمي للعرس، والذي يعرف بيوم “نْهَارْ نْ تْمَغْرَا”، يفد المدعوون من كافة أرجاء القرية دون استثناء مما يجعل هذا اليوم يشكل حدثا هاما يظل موشوما في الذاكرة الجماعية بأحداثه ووقائعه: الشخصيات التي حضرته، طبيعة الأكل المعد، التنافس بين الأصهار عند الاقتراب من الصينية مساء لتقديم “رَغْرَامثْ” وقيمتها، حضور الأصهار البعيدين ومن قرى أخرى وعدد الضيوف الذين وفدوا علي العرس معهم، وهي العملية المعروفة بـ “ثِوْسِي”، وفي الأخير كيف مرت ليلة السهر، أي “ارْفوجَثْ”؟

بعد تناول وجبة الغذاء، تبعث وسيلة النقل، وغالبا ما تكون بغلة يشترط فيها أن تكون هادئة في سيرها إلى بيت العروسة لنقلها إلى بيت العريس. وغالبا ما يكون هذا الوفد مكون من “وزيرات العريس” وبعض أخواته، إلى جانب بعض من شباب القرية و”إمْذْيَازْنْ”. وأثناء الإياب، وطيلة المسار، لا تتوقف الفتيات عن الغناء وترديد الأبيات الشعرية المعروفة محليا ب”إزران”. كما يقوم إمذيارن” بإظهار مهارتهم في الغناء والعزف على المزامير والدق على الدفوف. وفي الوقت الذي يكون فيه هذا الوفد يؤدي مهمته والعروس في طريقها إلى بيتها الجديد، يقوم ضيوف العريس بتزجية الوقت وذلك بلعب لعبة “هَايْ” التي اندثرت الآن بشكل قطعي.

بعد وصول العروسة، والتحاقها ببيتها الجديد وبغرفتها الخاصة، تقام عملية “رَغْرَامْثْ”، وهي عملية هدفها الدعم المالي للعريس ومساعدته على تغطية ديون العرس. كما يستدعى أهل العروسة إلى وجبة عشاء خاصة بهم وتكريما لهم.

"الغياطة" وهم الموسيقيون الذين يستعان بهم في الأعراس لمزيد من الفرجة والبهجة (هارت: أربعاء تاوريرت 1965)

“إمذيازن” وهم الموسيقيون الذين يستعان بهم في الأعراس لمزيد من الفرجة والبهجة
(هارت: أربعاء تاوريرت 1965)

أهم الفرق الموسيقية التي كانت تقطن قريبا من قريتي أذكر فرقة موح ن طيب من تازوراخت، لكن أصوله ربما تعود إلى قبيلة أيث توزين، ثم فرقة موح ن العزاوي، وهي الفرقة التي كانت مشهورة جدا وكان يعاملني رئيسه موح معاملة خاصة، إذ كلما حضرت عرسا، واقتربت من الصينية لتقديم “رغرامث”، كان يبدأ في مدح الأسرة والأجداد وأهل القرية، ويحملني على كتفيه بحكم صغري، وأقوم بإلقاء قيمة “رغرامت” “دورو” بعد آخر، وفي المقابل يحصل هو على ” الدورو” الأخير كجزاء على عمله.

إن قيمة “رغرامث” كانت أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي لا تتعدى عادة “ثلاث دورو”، أو حتى “خمسة دورو”. لكن لما فتحت أبواب الهجرة وارتفع المدخول وتحسن مستوى المعيشة، بدأ التباهي والغرور، وغدت “رغرامث” مجال تنافس تعبر قيمتها عن الحظوة ومكانة وغنى الشخص. وهكذا تحولت من عملية إنسانية اجتماعية تعاضدية إلى آلية للصراع وتشتت الأسر، بل قد يصل الأمر إلى القطيعة بينها ويحدث التنافر والطلاق، أبغض الحلال عند الله جلت قدرته.

عموما، وبعد انتهاء هذه العمليات، وفي ضياء القمر وتحت أشعة الضوء المنبعثة من القناديل الموضوعة هنا وهناك في فناء المنزل، أَزْقَاقْ”، مع استثناء الجناح الخاص بالنسوة والفتيات بطبيعة الحال، تبدأ السهرة من جديد، وهي السهرة التي لا يحق للعروسة المشاركة فيه، عكس اليوم السابق حيث يمكن لها الخروج إلى فناء المنزل مع وصيفاتها للغناء تعبيرا عن توديعها لحياة العزوبة والانتقال إلى مرحلة الأهلية. وفي هذه الأمسية قد يكون مضمون شعرها مدح الحبيب الذي غدا زوجها إذا ما كانا متحابين سابقا، أو هجو أهلها وذمهم لأنهم زوجوها لغير حبيبها، والذي يأخذ حصته أيضا من الهجو والعتاب لأنه فرط فيها ولم يف بوعوده لها.

عموما، تشكل “ارفُجَثْ” فرصة للتنافس بين فتيات أهل العريس وأهل العروسة على إبداع إزران، إما لوعة عن الحبيب الذي غدر بها وتزوج أخرى، أو الذي هاجر وتنتظر عودته بشوق ولهفة للاجتماع بها أو للاقتران بها، أو ذما للذين “سرقوا” منها الحبيب، وهو السمر الذي قد يستمر طيلة الليل حتى مطلع اليوم الموالي إذا ما لم يحدث طارئ ما يفشله، إذ كثيرا ما كانت تحدث “مناوشات” قد تصل إلى حد الاشتباك بالأيدي، بل أحيانا جروح ووفيات يكون السبب في ذلك خصومات سابقة بين الأسر أو بين القسمات، وحتى بين القبائل، وبالتالي يكون ذلك العرس مظهرا تتجلى فيه تلك المتنافرات.

هكذا كانت باختصار طقوس العرس في قريتي فيما مضى من الأيام، فماذا بقي منها اليوم؟ هذا اليوم الذي تسود فيه أنواع من الغناء والرقص والموسيقى، مع كثرة المغنيين وكتاب الكلمات والألحان الشرقية والغربية، والتي لا لون لها ولا طعم. وهكذا كانت عادات وتقاليد قريتي، وكذا قرى الريف، وهكذا كانت طقوسها وتمظهراتها.

(يتبع)

 

 

Comments

comments