محمد أمزيان: التدريس بالفرنسية ليس تنكرا للهوية

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

أنا أمازيغي مغربي هوية وثقافة وانتماء ومصيرا، وأفتخر بالوطن الذي كان عبر التاريخ مزيجا جميلا، متناسقا بين اللغات والثقافات والأجناس.

تعلمت اللغة العربية كما تعلمها جيلي على مقاعد الدراسة، وبها أتواصل الآن مع الناطقين بها سواء أكانوا أمازيغ أو عربا أو أكرادا، وأفتخر بها لأنها عرّفتني على أجمل ما أنتجته العربية، ألا وهو الشعر. تعلمت أيضا، وبمستويات أقل من العربية، بعض اللغات التي سهلت علي الاستئناس بثقافات شعوب أخرى، دون أن أحس يوما بأنني أتعلم شيئا جديدا على حساب شيء قديم عليه أن يزول. كان تعلمي لبعض ألسنة الشعوب الأخرى بمثابة الجسر الذي به أعبر إلى عوالم جميلة، وتتلوّن نوافذ تواصلي مع العالم. وكلما تواصلت مع الآخر، كلما تحددت معالم هويتي الخاصة بوضوح أكثر. لم أتحول إلى فرنسي أو هولندي بحكم تعلمي للغتي هذين البلدين، كما أنني لم أشعر يوما بأنني عربي. وهذا ليس موقفا سياسيا ولا أيديوليوجيا من لغة الآخر، ولكنني كأمازيغي أشعر فعلا أنني مختلف عن شعوب هذه البلدان كما هم مختلفون عني.

لماذا أتيت على ذكر هذه الأمور الخاصة والشخصية جدا؟

لأن نقاشا يدور الآن في بلدي المغرب عن إعادة التدريس (تدريس بعض المواد العلمية فقط) باللغة الفرنسية.

“ليست اللغة هي التي تحدد هوية الفرد ولا مصيره ولا انتماءه ولا دينه (…) ما يحدد هوية الفرد أكثر من مجرد لغة”

أنا أنتمي لجيل لحقه التعريب في مواد كثيرة باستثناء المواد العلمية التي كانت ما تزال تدرس باللغة الفرنسية. فكان الطالب العلمي لا يعرقله التأخر اللغوي ليتابع دراسته الجامعية في فرنسا التي منها تخرجت أطرٌ ساهمت في تنمية بلدها، كل من موقعه. أما من اختار وجهة أدبية فكان عليه أن يبذل جهدا أكبر ليكون في مستوى أقرانه إن فكر يوما في الدراسة في فرنسا. ثم جاءت سياسة التعريب بذلك الشكل الفاشل في عهد وزير التعليم والتربية الوطنية السابق، الاستقلالي المرحوم عز الدين العراقي (خريج كلية الطب بباريس)، واستمرت تنتج الفشل إلى اليوم دون أن تخضع تجربة التعريب تلك لتقييم هادئ، لتعداد المنافع وإحصاء الفواجع. والآن يأتي الوزير رشيد بلمختار (وزير التربية الوطنية والتكوين المهني وخريج جامعة تولوز)، ليخلق عاصفة في فنجانٍ على مائدة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، بدعوته إلى إرجاع  اللغة الفرنسية إلى مقاعد التدريس.

لا أرى مانعا في أن تكون مسألة إعادة إدراج اللغة الفرنسية في تدريس بعض المواد العلمية (ولم لا كل المواد) مثار نقاش عام حتى يكون الرأي العام على بينة من هذه المسألة المهمة التي يتأسس عليها مصير الأجيال القادمة. بيد أن المثير حقا في هذا الجدل، هو توجه البعض إلى ربط التدريس باللغة الفرنسية بالتنكر لمصير الأمة والانسلاخ عن “الهوية” المغربية التي يعتبرها هذا البعض توأم اللغة العربية. بل هناك من يذهب أبعد فيربطها بالدين الإسلامي، وكأن الدعوة إلى التدريس بلغة أخرى غير العربية انسلاخ من الدين. هذا النوع من الربط يدخل القضية في متاهات لا مخرج لها، بل يدخلها في “غُبْغُب” لا قرار له. و”الغبغب” في الريفية هو الغموض الذي يشجع عليه البعض كي تنعدم الرؤية ويضيع الهدف تماما، وهو عكس “الغَبْغَب” في اللغة العربية، والذي يعني الغش في المعاملات التجارية.

ليست اللغة هي التي تحدد هوية الفرد ولا مصيره ولا انتماءه ولا دينه. فالأمريكيون ليسوا إنجليزا والكنديون ليسوا فرنسيين ولا إنجليز، كما أن البرازيليين ليسوا برتغاليين ولا المكسيكيون إسبانا. ما يحدد هوية الفرد أكثر من مجرد لغة.      

 

 

Comments

comments