حسيميات جمال أمزيان: المساجد والتعليم.. قرية أيث وخرف نموذجا

  • 0

المشهد الحادي عشر

جمال أمزيان أستاذ باحث في التاريخ والتراث الريفي

جمال أمزيان
أستاذ باحث في التاريخ والتراث الريفي

في بداية هذا النص، أود إثارة الانتباه إلى أن الحكي عن قرية أيث بوخرف وخصائصها، ديموغرافيا واقتصاديا، وكذا مؤسساتها الاجتماعية، يختلف بين مرحلتين أساسيتن، مرحلة ما قبل الهجرة نحو أوروبا التي ابتدأت مع بداية عقد الستينيات من القرن الماضي، ومرحلة ما بعد ذلك حيث تغير فيها كل شيء، وكأن زلزالا قد هز القرية كلها، أو وكأن عاصفة هوجاء زلزلت كينونتها ووجدانها.

قبل الهجرة، لم يكن في بالقرية سوى مسجد واحد كمؤسسة دينية لأداء الصلوات اليومية، ثم صلاة الجمعة وصلوات الأعياد. وبذلك كان يعرف بالمسجد الكبير، وبأمازيغية الريف “ذامزيذا ن رخوطْبة” أو “ذامزيذا ذامقرانت”. هذا علاوة على كونه كان مؤسسة تعليمية يُحفظ فيها القرآن الكريم وتتلقى فيه بعض مبادئ الفقه. كما كان بالقرية أيضا ما يسمى بـ”ذِمْزِذَوِينْ نْ دْشَارْ”، ومنها “ذامزيذا نـ”حَنْدُونْ” و”ذامزيذا ن ارواضي” و”ذامزيذا ن رابع ن توريث”. وستنضاف في وقت لاحق، مساجد أخرى من هذا النوع بعدما تحسن مستوى العيش نتيجة الهجرة، وغدا إنسان قسْمات القرية يرى أن التنقل نحو المسجد الكبير يوميا وفي أوقات الصلوات الخمس، يتطلب جهدا ووقتا هو غير متوفر عليه لكثرة الانشغالات والاهتمامات، ثم كون كل قسمة من القرية تبتغي أن تظهر نفسها على أن لها من المقومات ما يسمح لها بنوع من الاستقلالية. وهذا ما يمكن تشبيهه بنوع من الصراع بين المركز وبين الهامش، الصراع الخافت دوما والذي لا يظهر إلا أثناء وُبعيد بعض الأزمات؛ الصراع الذي كان الإشراف على المسجد مظهرا من مظاهره. وهو الصراع الذي لا تتميز به قريتي فقط، بل يبرز في جميع القرى وحول جميع المساجد. وهكذا برزت “ذامزيذا إكاركار” أولا، تلتها “ذامزيذا إيزيضن” ثانية واللتان تحولتا إلى “ذيمزيذاوين ن رخوطبة” تقام فيهما صلاة الجمعة.

في هذا السياق، سأحكي حكاية حدثت لي أثناء إحدى زياراتي إلى قريتي التي أعود إليها من حين لآخر لأرتوي بمائها وأتنسم عليل هوائها وأشم عبير ترابها، ولألملم خلايا ذاكرتي، ثم لألتقي مجددا بأصولي وجذوري وبالتاريخ، مره وحلوه، حتى أسترجع هويتي وكينونتي. لقد حدث أن  جاءني أحدهم يوما، وهو من أيث تيزا، قسمة من قسمات أيث بوخرف، فذكر لي بأن أعضاء هذه القسمة قد قرروا بناء مسجد جديد تؤدى فيه الصلوات الخمس، أما صلاة الجمعة فستظل في الوقت الراهن تؤدى في المسجد الكبير.

مسجد آيت بوخلف من الداخل – تصوير: ج.أمزيان

نظرت إليه مليا قائلا: “ألا تدري بأن المشي هي من الطرق التي ينصح بها الأطباء لكثير من المرضى للحفاظ على صحتهم لتجنب آلام المفاصل ومضاعفات الروماتيزم والسكري؟ ألا تدري بأن المثل يقول في كل حركة بركة؟ كم ستستغرق من الوقت إن اتجهت إلى المسجد الكبير لأداء الفرائض، كما كنت تفعل لسنوات، بل لعقود من الزمن؟ أعتقد أن المسجد لا يعتبر مؤسسة دينية فقط، تؤدى فيه الصلوات، بل هو مكان تتمظهر فيه وحدة الجماعة. ثم كم من مال سيتطلبه هذا المشروع وأنتم في أمس الحاجة إليه لتوفير حاجيات أساسية أخرى لضعفاء وفقراء القرية من أدوية وأغطية؟ هل، وباختصار، غدا هذا المسجد ضرورة ملحة أم أنكم تقلدون ما فعلته القسمات الأخرى؟ أعتقد أننا في أمس الحاجة إلى الوحدة والحفاظ عليها حتى وإن اختلف بعضنا عن البعض في أمور حياتية أخرى، وأن نعين الواحد منا الآخر بدل هذا الإسراف الذي لا مبرر له سوى التباهي.”

لكن على من تقرأ زبورك يا داود؟ لقد استمرت تلك القسْمة في عملها وبنت المسجد. وأثناء إحدى زياراتي الأخيرة، تصادف وقت مروري من أمام ذلك المسجد خروج المصلين عقب صلاة العصر. وبعد التحية والسلام عن الأهل والأحوال، ذكرت صاحبنا بما قلته له سابقا لما لاحظت أن عدد المصلين لم يتعد عدد أصابع اليد فقلت له: ألهذا العدد من المصلين أنفقتم ذلك القدر من المال؟ هل الإيمان يظهر في بناء المسجد فقط أم أن له تمظهرات أخرى تبرز في كيفية التعامل بينكم وفي التآزر والدعم والتضامن؟ لقد قيل لي أيضا بأن صراعا خافتا بدأ يبرز بعد تدشين تلك “المعلمة” من طرف أعلى سلطة إقليمية، الأمر المبجل الذي عُدّ مكسبا كبيرا واعترافا لا يستهان به من لدن “المخزن”  الذي لم تساهم فيه وزارة أوقافه، الوزارة الأكثر غنى في البلد، ولو بدرهم واحد. إن هذا التدشين “المخزني” ولّد لدى هذه القسمة شعورا بالاعتزاز وبدأت تسعى إلى تحويل تلك المنشأة إلى “ذامزيذا ثامقرانت”، وبالتالي الانفصال عن المسجد “الأم”. هكذا يكون التعاضد والتآزر “المخزني”.

إن هذا السلوك وخاصية التجزء هذه وتمظهراتها، لا يمكن أن نفسره إلا بإخضاعه لتلك النظرية التي تبنها بعض الأنتروبولوجيين الغربيين لتفسير دينامية المجتمعات، وهي نظرية الانقسامية. ويبقى التساؤل التالي مشروعا فارضا نفسه علينا: أليس لظاهرة الهجرة المؤقتة، ثم الدائمة، التي عمت قريتي، أثر في هذه التحولات؟ يبدو أننا لم نتمكن بعد من اعتراف بعضنا ببعضنا.

للحديث عن هذه المؤسسات التي كانت تؤطر الإنسان، سواء في قريتي أو ربوع الريف كله، بل وحتى في المغرب عامة، يمكن الرجوع إلى ما كتبه الإثنوغرافيون الغربيون، أكان ذلك قبل الاحتلال أو خلاله، بل وحتى بعده، أذكر من بينهم كتاب “أيث ورياغر، قبيلة من الريف المغربي، دراسة إثنوغرافية وتاريخية، لصاحبه دافيد مونتغمري هارت، وصورة جبالة في الوعي الكولونيالي الفرنسي، وهو عبارة عن نصوص لإدوارد ميشو بيلير، قام باختيارها وترجمتها د. حنان المدراعي (ص ص. 35-52). ومهما كانت نظرتنا تجاه هذه الكتابات، فإنها تبقى الوحيدة التي تشكل الأساس في كل دراسة لمجتمعنا. هم كانوا يدرسوننا قبل حلولهم بين ظهرانينا حاملين لنا “حضارتهم”، وينتجون المعرفة وما زالوا، ونحن ننتج ما ليس له وصف ولا نعت، ولم تتعد معرفتنا بعد نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة.

على العموم، وبما أن «التعليم يبقى (..) مصدرا للنفوذ والاحترام وعلو المقام»، حسب هارت، فكان من المفترض أن تعطى الأولوية لهذا الأمر، غير أن قلة الشيء كانت تدفع إلى كون الأب الورياغلي، مثلا، «أنه من الأفضل لطفله أن يخدمه في رعي الماشية، كغاية منشودة بدل أي هدف آخر بعيد المدى.» لكن «فإن رزق الله شخصا ما بأكثر من طفل ذكر، فإنه لن يمانع في إرسال أحدهم إلى المسجد لحفظ القرآن.»(المصدر نفسه)

مسجد آيت بوخلف من الخارج تصوير: جمال أمزيان

كان إمحضارن” يلجون هذه المؤسسة في مرحلة تعليمهم الأولى وهم صغار السن، وأدواتهم التعليمية لم تكن تتعدى “ادْجُوحْ”، وهو لوح شبه منحرف هندسيا تصل «قاعدته الأكثر اتساعا خمسة وعشرين سنتمترا، ويبلغ ضلعه الضيق حوالي عشرين سنتمترا» (بيلير)، و«يستحسن أن يصنع بخشب شجرة قرب ضريح ما»،(هارت)، و«من مزار مولاي عبد السلام من خشب الطشت المجلوب من غابة جبل العلم بهدف إلحاق بركة متميزة بالتعليم المقدم للأطفال.» لدى جبالة (بيلير)، ثم «”اصّنْصَار”، وهو نوع من الصلصال أبيض اللون يطلى به اللوح حتى تسهل عملية الكتابة عليه، “رَقْرَمْ”، وهو قلم يصنع من القصب، ثم “اصْمَغْ”، وهو حبر يحضر عبر إذابة الصوف ورماد القرون المحروقة للماعز والأغنام. وأخيرا “ثَادْوَاتْ”، وهي دواة مصنوعة من الخزف يحفظ بها الحبر.» (هارت)

على يد الفقيه، “اطّارْبْ”، يبدأ “أَمَحْضَارْ” في الاستئناس أولا مع فضاء التعلم،” رَمْسِيذْ”، ثم «يبدأ المتعلم في رسم الحروف عبر تقليد النماذج التي يضعها الفقيه على لوحه أولا، ثم كتابة الحروف دون توجيه. تلي هذه المرحلة كتابة السورة الأولى من القرآن، وهي الفاتحة، كاملة على اللوح ثم حفظها عن ظهر قلب. وتتم عملية الاستظهار عبر القراءة المتكررة لما يراد حفظه بصوت عال مع التأرجح يمينا وشمالا والضرب من حين لآخر على اللوح بقطعة خشب خاصة [ثكشوط].» (هارت)

بعد استظهارها على الفقيه الذي لا تغادر عصا الرمان الطويلة يده، حتى وإن كان لا يدرك معنى كلماتها، يشرع في حفظ السور الصغرى أولا، وتدريجيا إلى أن ينهي جميع سور القرآن، فيكون آنذاك قد أنهى ما يعرف ب”السلكة”. وهكذا وبشكل تدريجي، يعيد العملية مرة أخرى، وأخرى حتى يتمكن المتعلم من استظهار جميع سور القرآن، انطلاقا من الصغرى نحوى الكبرى، وهي سورة البقرة، أو في الاتجاه المعاكس بدءا من هذه الأخيرة إلى السورة الصغيرة، فالأصغر.

وحينما يتمكن المتعلم من هذه المرحلة التعليمية واستفادته من بعض كتب المصنفات والتفاسير على يد “رَفْقِي أَمْقْرَانْ”، ينتقل من «وضعية “امحضار” إلى وضعية “اطّارب”، أي مختتم القرآن، [تنظم له] حفلة تسمى “ارخيتمث” حيث يذبح أب “اطارب” الجديد كبشا أو تيسا ويدعو إليها “اطوربة” الآخرين في المنطقة، وبطبيعة الحال يكون ضيف الشرف هو فقيه المسجد الذي قام بتحفيظ القرآن لابنه.»

وبالطبع فبعد الانتهاء من هذه المرحلة التعليمية، كان على طلاب العلم الهجرة إلى المساجد الأخرى، في القبيلة وخصوصا مسجد أيت طاعا، المدشر المجاور لقريتي والذي أنتج فقهاء وعلماء كبار ساهموا في رفع نسبة التعليم لدى ساكنته بشكل واضح مقارنة مع باقي مداشر وقرى قبيلة أيث ورياغل، ومنه إلى مساجد جبالة لمزيد من العلوم الدينية والمتون واللغة، وهؤلاء هم قلة قليلة يعدون على أصابع اليد، ومنهم من كان يلتحق بجامعة القرويين بفاس، ويشكلون الندرة. هذه العملية، أي رحلة طلب العلم في مساجد القبائل الأخرى، هي التي كانت تعرف بـ”أَخَنَّشْ”، حيث ينزل فيها “اطارب” بتلك المؤسسات ضيفا، يأكل من “أَرْمَعْرُوفْ” الذي تجود به “أجْمَاعْثْ”، أو يشاركهم “رفقي” في حصته اليومية من الأكل والمعروفة بـ”انًّوبْثْ”، والتي على كل أسرة أداءها له، وغالبا ما تتكون من الأكلة العادية لها، القطاني (ثَامرِيقثْ) مع خبز الشعير على الأغلب، وقلما تتكون من اللحم إلا في بعض المناسبات والولائم، وحينذاك يستدعى الفقيه وتلامذته “المخنشين”.

نموذد من “رمسيد” – مسطاسة تصوير: جمال أمزيان

بفاس حيث جامعة القرويين التي يلتحق بها “اطّارْبْ” «لدراسة العلوم الشرعية بما فيها علوم الفقه وأصوله والحديث والتوحيد ومواد أخرى عديدة مرتبطة بعلوم الدين واللغة والبلاغة. فمن بين ما كان على الطالب أن يطلع عليه مثلا نذكر صحيح البخاري وبردة الشيخ البصيري. ولا يمكن الحديث في ظل هذا النظام التقليدي عن سنة أكاديمية أو امتحانات نهائية للتخرج. فقد كان الطالب يجلس إلى أساتذة مختلفين حسب اختياره ويستمع إلى دروسهم. وعندما يحس بأنه قد اكتسب ما يكفي من العلوم عبر مجهودات جبارة للحفظ والاستظهار، يمنح شهادة الإجازة التي تخول له تقديم الدروس لمتعلمين آخرين.» (هارت)

إن مسجد قريتي كان يعد من المساجد الأساسية في الريف لما كان بعض أعيانها متواجدين بها وعلى قيد الحياة، وهما ارقايد حدو ن موح أمزيان، وابن أخيه رحاج سلام، حيث كانا يعملان على توفير الظروف الملائمة لعيش الفقهاء و”المخنشين”، فتخرج منه الكثير من “اطّورْبَة”، أي حفظة القرآن والذين رحلوا إلى القرى الأخرى ليضحى البعض منهم من محفّظي القرآن، أي “رَفْقُيَاثْ إمَحْضَارن”. بينما البعض الآخر، ومع بداية الاستقلال، التحق بالمعهد الديني بالحسيمة أو بتطوان ليلجوا ميدان التعليم، لكنهم قلة، أذكر منهم: سي محند أوقرعي واليزيد أغربي وميس ن بوعياذ من “ثومريتش”، هذين الأخيرين استقرا بالدار البيضاء بعد حادثة وقعت لهما تطوان. لقد كانا طالبين بهذه المدينة بعيد الاستقلال. وحدث لما كانا ذاهبين إلى محطة الحافلات للعودة إلى بلدتهما، أن انجر الحديث بينهما بالأمازيغية حول الريف الذي كان يغلي، فسمعها أهل الحال ليعتقلاهما ويودعا السجن حتى تدخّل أحد من ذوي النيات الحسنة، فأطلق سراحهما. ومنذ ذلك اليوم أقسما على أن لا يتكلما بالأمازيغية مطلقا.

من بين حفظة القرآن الآخرين والذين ما زلت أتذكرهم، أشير إلى أولاد بنصوفي، أحمد ومحمد، من أيث وزغار، وسي أحمد أوفقير صديق من أيث تيزا، سي عمر ن محمادي وسي أحمد ن علوش وسي بن عويشة من أيث يونس. غير أن اثنين من أسرة موح أمزيان هما اللذان سيبلغان شأنا كبيرا وأضحيا شخصيتان متميزتان لعبتا دورا مهما في الحياة الثقافية والسياسية لمغرب ما بعد الاستقلال. لقد بدأ الاثنان مشوارهما التعليمي من مسجد قريتي، أيث بوخرف وأنهياه في الجامعات

الأول هو محمد حدو موح أمزيان المعروف بالشيخ أمزيان الذي التحق بمليلة ثم بالأزهر بالقاهرة سنة 1938، وبعد تخرجه استقر بتطوان حيث مارس التعليم، وانتخب كنائب برلماني عن مدينة تطوان مع بداية الستينات، ثم رئيسا للمجلس العلمي وعميدا لكلية أصول الدين إلى أن وافته المنية سنة 1997.

أما الثاني فهو محمد الحاج سلام موح أمزيان الذي التحق مع أواسط الأربعينيات (1945) بالمعهد الديني بالحسيمة عند تأسيسه، ثم بجامعة القرويين بفاس إلى أن حصل على العالمية. ومع بداية الخمسينيات التحق بقرية با محمد لممارسة مهنة التعليم، والتي لم تثنه عن اهتماماته السياسية على نهج الأمير محمد عبد الكريم الخطابي. لم يمكث كثيرا بهذه المهنة وبهذا المكان الذي ترك فيه صيتا متميزا، إذ ما زال بعض تلامذته يتذكرونه إلى اليوم، ومن بينهم الأستاذة فاطمة ريان التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن، والتي التقيت بها في أبريل 2015 على ما أعتقد. تحركاته ومواقفه السياسية واتصالاته بأهل تلك المدينة والمنطقة لبث ونشر روح الوطنية في أوساطهم، جعلت الاستخبارات الاستعمارية تصنفه ضمن الأشخاص الخطيرين الذين يجب التخلص منهم، وهذا ما دفعه إلى الالتحاق بمدينة طنجة حوالي 1953، ثم مدينة تطوان. وفي 1954 عاد إلى القرية، مسقط رأسه، بعد وفاة والده.

لم يمكث بالقرية كثيرا، إذ كانت السياسية هي شغله الشاغل وهمه الأساسي سيما وأن المغرب كان في هذه الفترة يعيش غليانا اجتماعيا وسياسيا، وحركات التحرر في مختلف المستعمرات انطلقت كنتيجة للحرب العالمية الثانية، وتدهور القوى الاستعمارية التقليدية أمام صعود قوى أخرى ستحتكر دواليب الساسة على الصعيد العالمي. أضف إلى ذلك نزول الأمير محمد عبد الكريم الخطابي بالقاهرة سنة 1947، الحدث الذي ألهب مشاعر أهل الريف ولاسيما النخبة المتعلمة. وبالطبع اهتماماته هذه هي التي ستقوده إلى الاعتقال ومحاولة إسكات صوته سنة 1956. ولما غادر المعتقلات، عاد إلى الريف الذي هيأت فيه الإدارة المغربية وتصرفاتها المتهورة العوجاء والعرجاء كل الظروف للهيجان الشعبي وغليانه. وفعلا، ففي أحد الأماكن المعروف ب” ارْعُونْسَار أوكدِّيم” (عين الجرف) بالقرب من سوق أربعاء توريرت، أجمع ممثلو ونواب قسمات قبائل أيث ورياغل وإكزناين وأيث توزين على تعينه قائدا ومسؤولا عن قيادة الثورة ضد هذه الإدارة الرعناء وأذنابها من المتحزبين السياسيين. ولما آلت الأمور إلى ما آلت إليه، التحق بإسبانيا عبر مليلة، ومن هنالك إلى قاهرة المعز حيث احتضنه الأمير، فلازمه إلى حين وفاة هذا الأخير يوم 6 فبراير 1963.

تعاقب على التدريس في المسجد الكبير للقرية عدة فقهاء وعلماء من الريف، يوم كان الريف ينتج الفقهاء والطُّلبة. وغالبا ما كنوا من أيث توزين أو أيث طاعا، وحتى إصريحن. وفي هذا الصدد يشير هارت إلى أن “اطوربة” المتخرجين من المساجد كانوا لا يعينون لتحفيظ القرآن في قراهم وقسماتهم، بل إنهم يهاجرون إلى القسمات الأخرى. أعتقد أن هذا الأمر هو الذي اشتق منه المثل الريفي القائل: “أَمَذْيَازْ نْ ادْشَارْ أًوسْفًورًوجْ”. وأذكر من بينهم سي مولاي أحمد التوزاني المشهور، وسي موحند أوزيان، ثم سي ياسين من إصريحن فيما بعد، وسي موحند ن شعيب من أيث طاعة.

منبر خطبة الجمعة في المساجد القديمة تصوير: جمال أمزيان

تميز هذا المسجد ببساطة بنايته وهندسته ودون مئذنة، مكون من: قاعة للصلاة جهة الغرب، وهي قاعة طويلة كبيرة تتسع لعدد مهم من المصلين. وعلى الجزء الجنوبي، نجد بيت فقيه الخطبة، “رفقي أمقران”، يسنده “رمسيذ” الذي يتعلم فيه “إمحضارن”. أما الجزء الشرقي فنجد المدخل الرئيسي، على يساره يقع بيت خاص كمسكن لـ”إمحضارن إمْخَانْشَنْ”، ويمنته مكان مخصص للطبخ. أما شمالا فنجد مسكن “رفقي أمزيان” أو “رفقي أكوح”، أي رفقي إمحضارن، والجزء الأكبر منه يرقد فيه جثمان “أمرابظ سيدي يوسف”، وكذا قبور أبنائه؛ الولي الذي تعتبره قسمة أيث تيزا جدا لهم.

لما تحسنت الظروف المعيشية نتيجة الهجرة الخارجية، ساهم مهاجرو قريتي في بناء مسجد جديد بصومعة عالية وتم التخلي عن المسجد الأصلي الذي كان يضرب به المثل في ربوع الريف من حيث الكرم والاعتناء بالفقهاء. وحينما غدت الفردانية طاغية على السلوك البشري، أضحى لكل مدشر مسجده. وهكذا تحولت معلمة القرية، مسجد قريتي القديم، إلى بناية مهجورة تسكنها العصافير وتزور ضريحها (سيدي يوسف) بعض النسوة اللائي ما زلن يعتقدن في كراماته. كما ساهم بناء مدرسة “عصرية” في تغييب الدور والوظيفة التعليمية للمسجد بصفة نهائية. لقد قبل الآباء أخيرا بهذه المؤسسة الجديدة بعد ما كانوا يرفضونها حينما كنا صغارا، نتنقل من القرية إلى سوق أربعاء توريرت للتمدرس في مدرسته العصرية التي كانت تدرس فيها لغة “الكفار”، وغدت هذه اللغة في الوقت الراهن تدرس في عقر دارهم.

(يتبع)

Comments

comments