محمد أمزيان: نزول عبد الكريم الخطابي في مصر 2/1

  • 0

(يواصل موقع أنوال.نت نشر فصول من كتاب: عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف. في هذه الحلقة نتوقف عند موضوع حساس جدا، ألا وهو موضوع نزول أو إنزال الخطابي في القاهرة سنة 1947. في الحلقة الأولى من هذا الفصل يتحدث الكاتب عن ملابسات النزول والسياق الدولي العام بعد الحرب العالمية الثانية).

ملابسات النزول

يوم السبت 31 مايو 1947، توقفت فجأة رحلة عبد الكريم الخطابي في ميناء بورسعيد المصري، بعد أن كان مقررا لها أن تستأنف سيرها حتى مدينة مرسيليا الفرنسية. وبدل أن تستقبل بلدة فيلنوف ـ لوبيه (Villeneuve-Loubet) عبد الكريم وأسرته، استقبل ميناء مرسيليا ما وزنه ستة أطنان من أغراض وأمتعة خلفها الأمير وراءه في الباخرة، بما فيها رفات والدته التي كانت قد توفيت منذ 16 سنة، فضلا عن مبالغ مبالية كان أفراد الأسرة الخطابية قد حولوها على ’البنك الوطني للتجارة والصناعة‘ فرع مرسيليا (B.N.C.I.). وكُتب لـ’كاتومبا‘ (katoomba) أن يقترن اسمها بعملية أقل ما يمكن أن يقال عن ملابساتها إنها غامضة ومتداخلة.

“اهتمت ’فرنسا الحرة‘ بالخطابي، لأن زعيمها ديجول كان يعرف أثره السياسي في شعوب المستعمرات ومكانته لدى العرب والمسلمين كواحد من أبرز رجالهم.”

ونصادف أثناء قراءتنا لما كُتب عن العملية كلمات مثل: ’هروب‘ و’خطف‘ و’قرصنة‘، على أنه ينبغي وضع كل وصف من هذه الأوصاف في سياق مختلف. فمن تحدث عن الفرار والهروب أراد التذكير بأن عبد الكريم الخطابي لم يوف بوعده لفرنسا بالبقاء تحت حمايتها ومسئوليتها. ومن تحدث عن الخطف فللإشارة إلى أن السلطات المصرية، بوحي وتشجيع من المخابرات البريطانية ’أمرت‘ بإنزال عبد الكريم، دون رغبته، من الباخرة التي كانت ستقربه من مسقط رأسه؛ ذلك أن بريطانيا لم تكن لتسمح لفرنسا بـ’استخدامه‘ ضد مصالحها. أما وصف العملية بالقرصنة فلإبراز المجهودات التي قام بها الوطنيون المغاربيون لتحرير الأمير الأسير.

عبد الكريم الخطابي في القاهرة

عبد الكريم الخطابي في القاهرة

ما هي إذن حكاية هذا النزول أو الإنزال؟ وما هي خلفياته وملابساته؟ وهل العملية فعلا قرصنة وخطف وهروب؟ أم أنها تجمع بين كل هذا وذاك؟

عن هذه التساؤلات لا نعثر على جواب واف في ثنايا ما كُتب ونُشر إلى حد الآن. ولعل وثائق الخارجية الفرنسية وتقارير سفارتيْ بريطانيا وإسبانيا في القاهرة ـ حينما يتم الاطلاع عليها ـ ستسهم في إلقاء الضوء على ما جرى في بورسعيد.

نقل الخطابي: الإطار العام

أدت الحرب العالمية الثانية إلى ضعف الدول الاستعمارية ـ غالبة ومغلوبة ـ وإلى ظهور قوتين جديدتين هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. ونتيجة للوضع الجديد، فكرت فرنسا في الوسيلة التي تمكنها من الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والثقافية في مستعمراتها، بعيدا عن الأسلوب القديم بتكاليفه المادية والبشرية، والذي لم يعد يتلاءم وواقع عالم ما بعد الحرب، لا سيما بعد أن بدأت الحركات التحررية تعبر عن نفسها ومطمحها في استعادة حريتها واستقلالها. ولذلك فضلت فرنسا أن تسلك مسلكا مغايرا عما سبق، محاوِلة احتواء تلك الحركات، إما برد الاعتبار لبعض قادتها وزعمائها المنفيين والمبعدين، أو بالتظاهر بتلبية رغبات الشعوب في الحرية، فتمنح لها ـ بعد ربطها باتفاقيات ملزمة ـ استقلالا ظاهريا لا يرقى أبدا إلى مستوى التضحيات والتطلعات.

كان عبد الكريم الخطابي من الشخصيات التي حاول الاستعمار الفرنسي التقرب إليها، وذلك بتحويل نفيه في جزيرةٍ بالمحيط الهندي إلى إقامةٍ على ساحل فرنسا الجنوبي، مع احتمال إغرائه بالسلطة وتعيين أولاده المتعلمين بالتعليم الفرنسي والمثقفين بالثقافة الفرنسية، في مناصب إدارية وعسكرية.

لقد اهتمت ’فرنسا الحرة‘ بالخطابي، لأن زعيمها ديجول كان يعرف أثره السياسي في شعوب المستعمرات ومكانته لدى العرب والمسلمين كواحد من أبرز رجالهم. ويعلم في الوقت نفسه موقفه من جبهته الوطنية ومن حكومة فيشي برئاسة المارشال بيتان. فحينما قام ديجول بجولته في ما يسمى ’إفريقيا الفرنسية‘ واجتمع في برازافيل، عاصمة الكونغو، بأعوانه وأنصاره من الحكام لتوطيد تماسك ’فرنسا الحرة‘ المحاربة وإعداد قواتها للقتال مع الحلفاء، عرض عليه حاكم جزيرة لارينيون العقيد كباغوري اقتراحا يخص الإفراج عن الخطابي، نظرا لموقفه من الحرب الدائرة ولظروف صحته. ويظهر أن ديجول وعد فعلا بدراسة الموضوع، لكنه استقال في يناير 1946 قبل البت فيه، أصبح ملف الخطابي من بين القضايا المعلقة ذات الصلة بالمستعمرات، والتي سيعمل الرئيس الاشتراكي أوريول على إيجاد حل مقبول لها.

وفي الجانب الآخر، كانت جهات عربية، مدنية ورسمية، تعمل لإنقاذ الخطابي وأسرته. وفي هذا الإطار قام الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام بنشاط ملموس. فأثناء عودته من نيويورك وتوقفه في باريس في شهر أكتوبر 1946، عقد مؤتمرا صحفيا تناول فيه مجمل القضايا العربية، ثم رفع مذكرة إلى المسؤولين الفرنسيين طالب فيها بالإفراج عن الأمير عبد الكريم الخطابي وغيره من الوطنيين والزعماء. ولم تلبث الجامعة العربية أن طالبت الحكومة الفرنسية رسميا بالإفراج عن الأمير، وذلك في اجتماع عقدته يوم الأحد 24 نوفمبر 1946، والإفراج عن محمد المنصف باي تونس، فضلا عن قرارها تأييد مطالب بلاد شمال إفريقيا في الاستقلال.

خلاصة القول، إن تغير معطيات السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من تغير في العقلية الاستعمارية، فضلا عن تحركات الجامعة العربية والجهات العربية ـ الإسلامية غير الرسمية؛ أسهم كل هذا في بلورة القرار الفرنسي القاضي بنقل عبد الكريم الخطابي وعائلته من المنفى إلى فرنسا.

(يتبع)

بعض مصادر هذه الحلقة:

– محمد سلام أمزيان، قصة النزول (غير مطبوع)

– Dossier Abd-el-Krim, Note de la Direction des Renseignements Généraux, 31/3/1948.

–   حسب الوثائق الفرنسية بلغ المبلغ الإجمالي 6.309.696 فرنك جمدها البنك الوطني للتجارة والصناعة من أجل تغطية تكاليف السفر (2.400.000 فرنك) و ديون العائلة في الجزيرة (1.373.654 فرنك). من إجمالي المبلغ هناك حوالي 434.641 فرنك باسم عبد الكريم. Dossier Abde-el-Krim, op.cit. وبعد سنوات ستحاول السلطات الفرنسية مساومة الخطابي وأبدت استعدادها الإفراج عن أمواله إذا تقدم بطلب رسمي بشأنها. أخر ساعة، ع. 1174، 24/4/1957.

– مذكرات ديجول، الوحدة 1942-1944، ترجمة عبد اللطيف شرارة، مراجعة أحمد عويدات، بيروت، ط1، 1969

–   الحوادث (العراق)،

Comments

comments