محمد أمزيان: “عيطو للدولة”!!

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان

موقف لا يحسد عليه لرئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران وقع فيه يوم السبت 5 مارس الجاري، وهو يخطب في مدرسة خاصة بوجدة. فعندما ووجه بشعار “ارحل”، طلب العون من الدولة! أليس هو ممثل الدولة الرسمي وكان عليه صياغة جواب مقنع للمحتجين؟ أم أنه كان يستنجد ب”الدولة العميقة”؟

في خطابه ذاك، قال كلاما جيدا من حيث المبدأ: “الدولة لا يمكن لها أن توظف الجميع”. تحدث أيضا عن دور “المقاولات”، إلا أنه لم يكمل حديثه، لأن شعار “ارحل” كان يصدح في جنبات القاعة التي كانت، على ما يبدو، غاصة بالأساتذة الغاضبين على قرارات الحكومة بخصوص مستقبلهم. من حق الأساتذة المتدربين، كما من حق أي مواطن شعر بالظلم أن يحتج وفق ما يخول له ذلك الدستور والقانون. والشعارات تعد في جميع المجتمعات الديمقراطية من أدوات الاحتجاج. كيف كان على رئيس الحكومة أن يتعامل إذن؟ بمواصلة شرح فكرته رغم أصوات المعارضة؟ أم بالاستغاثة بقوة الدولة؟ والدولة في هذا السياق تعني الأجهزة الأمنية التي لا تجيد سوى لغة العصا، وقد خبرها المحتجون في مناسبات شتى .

“الدولة المغربية كانت على الدوام دولة ريع بامتياز، وقد استخدمت التوظيف العمومي كأداة من أدوات السيطرة والتبعية وقتل روح المبادرة والاستقلالية”.

والتوصيفات التي جاءت على لسان قياديين من حزب رئيس الحكومة معتبرة المحتجين “صعاليك” و”بلطجية”، بحسب مواقع إلكترونية، لا تخدم لا بنكيران كرئيس حكومة منتخب، ولا الديمقراطية التي نقلته هو شخصيا من كرسي المعارضة إلى كرسي الحكم. هذه لغة كان على الحزب الذي يقود الحكومة، ولو ظاهريا، أن يترفع عنها ويصارح المحتجين ببدائل تزيل أسباب القلق على مستقبلهم. فإذا كان السيد بنكيران أدرك أن الدولة “لا يمكن لها أن توظف الجميع”، فكان عليه أن يبدأ أولا بطرح البدائل قبل أن يسد على الحاضرين أبواب الأمل في الرزق. ثم إن الأستاذ المتدرب يتدرب ليكون أستاذا في مؤسسة تعليمية وليس مقاولا أو مستخدما في شركة خاصة. ألم يكن من الأجدى إذن أن يكون الأستاذ المتدرب على بينة من أمره قبل أن يشرع في التدريب؟ فلربما اختار طريقا آخر.

الدولة المغربية كانت على الدوام دولة ريع بامتياز، وقد استخدمت التوظيف العمومي كأداة من أدوات السيطرة والتبعية وقتل روح المبادرة والاستقلالية. في المقابل همشت القطاع الخاص تهميشا يكاد يكون تاما، خوفا من تنامي دوره كمنافس لها أولا، وكمتنفس لمن رفض منطق الدولة المسيطِرة ولمن يريد صقل استقلاليته والتفكير بحرية خارج نسق الدولة. والآن، وبعد أن ضاق وعاء الدولة بما رحب، ولم يعد يستوعب المزيد من العاطلين (والعطالة من أولويات أية حكومة)، يأتي رئيس أعلى هيأة تنفيذية في البلاد ليقول لأطر المستقبل: “شوفوا غيرنا”! ناسيا أن هذا ما جنته سياسات الدولة على نفسها وليس العكس. فلو وضعت الحكومة/الدولة خارطة طريق حقيقية للتوظيف، وفتحت الآفاق أمام المبادرة الخاصة منذ ما قبل زمن الريع، وقدمت ضمانات للقطاع الخاص كشريك وليس كمنافس متخيَّل، لما وصلت الأمور إلى الطريق المسدود.

ليس أمام السيد بنكيران، على المديين القريب والمتوسط، من خيار سوى الاستماع لصوت المحتجين والوصول معهم إلى وفاق، والوفاق يقتضي الحوار والأخذ والعطاء. أما على المدى البعيد، فلا بد من إعادة تعريف القطاع الخاص في المغرب وإعادة هيكلته ليكون قطاعا مواطنا تشاركيا ومسؤولا يستوعب الكفاءات، وليس مِكَبّا لإخفاقات الدولة في مجال التشغيل، ولا ثقبا أسود يشفط من خزينة الدولة شفطا لحساب فئة قليلة من المنتفعين.

 

Comments

comments