محمد أمزيان: الجامعة العربية.. إكرام الميت دفنه

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان

لا يسعني إلا أن أساند قرار المغرب رفضَ استضافة قمة الزعماء العرب فوق أرضه. حتى الأسباب التي سيقت لتبرير الرفض معقولة، بل جريئة. كان لا بد من الجهر بالقول: إن أفشل القمم فوق كوكب الأرض هي القمم العربية.

 لم يسجل التاريخ أن القمم العربية، ومنذ أن نشأت الجامعة العربية في أواسط الأربعينات، حققت ولو قدرا يسيرا من “توحيد” الرؤى بين الزعامات العربية، إذ لا  يكتفي القادة الدائمون الأبديون إلا بتلاوة بيانات جاهزة، أصبحت مع الزمن أضحوكات العجم. فحتى بعض المواقف التي تحسب على “العرب” في دفاعها عن قضايا “شعوبها”، جاءت نتيجة لمواقف “فردية” من بعض القادة، ولم تكن للجامعة العربية يد فيها، مثل “حرب البترول” التي أعلنتها “أوبيك” (المُشكّلة أساسا من الدول العربية المصدرة للنفط) على الغرب عقب حرب 73. أما قمة “اللاءات” التي انعقدت في الخرطوم مباشرة بعد النكسة (1967)، فقد تحولت “لاءاتُها” إلى “نَعَمات” بالجملة. “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض”، أضحت بعد سنوات إلى “نعم للصلح، نعم للاعتراف، نعم للتفاوض”.

من مهازل الجامعة العربية، بجانب إخفاقاتها السياسية وشلليتها الاقتصادية وبياتها الشتوي والصيفي، ترسيخها لتقليد وظيفي لا يمكن العثور عليه إلا في الثقافة السياسية العربية الجامدة.”

فشل الجامعة العربية في تطوير تصور مشترك، واضح وقوي في مواجهة إسرائيل، عدوة العرب الأولى (بحسب أدبيات الجامعة)، يقابله نجاح باهر في تثبيت أركان عدم الثقة بين أعضاء الجامعة. فالخلافات بين “الأشقاء” العرب تحولت إلى نزاعات ومواجهات عسكرية. أما المؤامرات البينية (المغرب- ليبيا، العراق – سوريا، السعودية – اليمن، الكويت – العراق، الجزائر – المغرب، ليبيا – العراق….)، وتشجيع الانقلابات وأصناف أخرى من اللكمات والكدمات التي كان يوجهها زعيم عربي في وجه “شقيقه” العربي، فلم تتمكن الجامعة لا من احتوائها ولا من تحييدها، فبالأحرى علاجها. بقيت الجامعة تتفرج وتنتظر إشارة الاجتماع من زعيم يدفع تكاليف الإقامة والحراسة والاستعراضات والمأدبات. حتى خلال حرب الخليج؛ الأولى والثانية والثالثة والرابعة.. لم نسمع سوى  تصريحات باهتة لا تقنع حتى من ينطق بها.

 نفس الفشل والعجز والضمور أضهرته الجامعة في الميدان الاقتصادي. ألم تتأسس الجامعة العربية أصلا لتسهيل التنسيق والتعاون الاقتصادي بين البلدان المنضوية تحت خيمتها؟ فلنلق نظرة خاطفة على مستوى التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في الجامعة، أليس الأمر مضحكا ومثيرا للشفقة في نفس الوقت؟ هذا دون الدخول في السخرية السوداوية التي تصادفنا أحيانا عند بعض المعلقين: وماذا يملك العرب حتى يتبادلونه في ما بينهم؟!

 الجامعة العربية كيان ولد ميتا، وكان على ورثة “أنتوني آيدن” أن يدفنوا الجثة احتراما لها كي لا تتعفن أكثر. والسيد آيدن هو وزير خارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الذي دعا، في خطاب مشهور له بهدف استمالة بعض الزعماء العرب (الذين كانوا “مستقلين” آنذاك)، إلى “الوحدة” و”تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية” (ويكيبيديا). لا شيء تحقق من أمنية آيدن باسثناء تمرير قرارات خربت الكيانات والشعوب التي تحسب تجاوزا ضمن هذا الهيكل الميت.

 من مهازل الجامعة العربية، بجانب إخفاقاتها السياسية وشلليتها الاقتصادية وبياتها الشتوي والصيفي، ترسيخها لتقليد وظيفي لا يمكن العثور عليه إلا في الثقافة السياسية العربية الجامدة. فمنذ نشأتها وأمناؤها العامون من البلد المظيف: مصر. استثناء واحد حدث بعد أن انتقلت الجامعة العربية إلى تونس في أعقاب التوقيع على معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد. انتقلت إلى تونس (1979-1990) وأصبح مزالي التونسي رئيسا لها. وحينما عادت مجددا إلى مصر، عادت الزعامة دون خجل إلى مصر. أي منطق هذا؟ تصوروا لو استخدم الأوروبيون نفس المنطق؟

خيرا فعل المغرب، ولعله القرار الجرئ الوحيد الذي يستحق التنويه “عربيا”.

Comments

comments