محمد أمزيان: مساجد أوروبا.. “سرقات ثقافية”

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان 

بعد مرور ألف عام من الخصام والزعل بين الإخوة، يتصالح أرثدوكس الشرق مع الكاثوليك في أعقاب لقاء “تاريخي” جمع بين كبيريْ الكنيستين في كوبا.

كيريل، ممثل الكنيسة الروسية، كان في زيارة رسمية لكوبا بحكم الصداقة السياسية التي تربط بين كوبا الماركسية وبين ما تبقى من ماركسية روسيا. أما البابا فرانسيسكوس، ممثل الكاثوليك، فقد كان في طريقه لزيارة رسمية للمكسيك وحط في كوبا، البلد الذي، رغم توجهه السياسي نحو موسكو، ظل قلب أغلبية سكانه يميل نحو بابا الفاتيكان.

التاريخ يحتفظ بأسباب الخصام بين هذين التيارين، والذي وصل إلى حد القطيعة عام 1054 عندما نشأت الكنيسة الأورثدوكسية الروسية رسميا. أما الأسباب التي دعتهما، بعد زهاء ألف سنة من الطلاق والفراق، فقد أشار إليها الفاتيكان عشية اللقاء التاريخي العابر يوم الجمعة 12 فبراير الجاري في كوبا. ولعل أكثر ما يدفع الكنيستين المتخاصمتين إلى نسيان الماضي هما وضعية المسيحيين في مناطق النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط من جهة، و”تصحر” الكنائس في أوروبا من جهة أخرى. وهذان السببان، رغم ما يبدو من انفصالهما عن بعضهما البعض، إلا أنهما في جوهرهما مرتبطان. ففي الشرق الأوسط يتعرض المسيحيون “للإبادة” الدينية على يد الجماعات الإسلامية، بحسب ما صرح به الفاتيكان مؤخرا، وهذا ما يستدعي اتخاذ “إجراءات عاجلة وتعاون مشترك بين الكنائس المسيحية”، بحسب ذات المصدر.

“في عالمنا الإسلامي زعل أبدي بين الشيعة والسنة، زعل أسال أنهارا من الدماء، وما يزال يغذي الصراعات الدموية في المنطقة ولا أمل في “هدنة” أخوية”

أما بخصوص “التصحر” والجفاف الذي يصيب الكنائس في أوروبا، فيرجع أساسا إلى “استقلال” الدين وخروجه من الحياة العامة، وضعف الدور الذي تلعبه الكنيسة في حياة الناس، إن لم يكن غيابه تماما. وقد نتج عن هذه الظاهرة، أن الكنائس الفارغة أضحت عالة على المؤسسة الدينية التي لا تتلقى (عموما) دعما ماديا رسميا من الدولة، وبالتالي لا تجد من يغطي تكاليف بقائها في الوجود. فيكون الحل هو بيعها للقطاع الخاص، فتتحول وظائفها إلى استعمالات أخرى كعمارات سكنية للمسنين والعزاب، أو مواقف سيارات أو مراكز ثقافية (مسارح، قاعات مؤتمرات ومعارض).

إلا أن المقلق في عملية التحول الوظيفي للكنيسة، هو ما تتخوف منه بعض الأوساط المسيحية، وخاصة في هولندا، بحيث تعتبر تحول الكنائس إلى مساجد نوعا من “السرقة الثقافية”، مثلما حدث لعدد من الكنائس التاريخية في أمستردام وأوتريخت وروتردام. كما سبق لأسقف مدينة أوتريخت أن صرح قبل بضع سنوات أن الكنيسة يمكن أن تتحول وظائفها لكل شيء، ماعدا تحويلها إلى “ماخور أو كازينو أو مسجد”.

اللقاء التاريخي بين أعلى سلطتين دينيتين في العالم المسيحي، لم يمر دون “النبش” في حياة الرجلين. فإذا كانت الصحافة الأوروبية تشيد بحياة البابا فرانسيكوس التقشفية، وسعيه الدؤوب منذ توليه كرسي البابوية للمصالحة وتقريب وجهات النظر في العالم المسيحي، فإنها ركزت في المقابل على الترف والبذخ الذي يطبع حياة الباتريارش الروسي كيريل. كما تتهمه بعدم الاستقلالية في الرأي وأنه “عميل” (سابق) لجهاز الاستخبارات كي جي بي.

في عالمنا الإسلامي زعل أبدي بين الشيعة والسنة، زعل أسال أنهارا من الدماء، وما يزال يغذي الصراعات الدموية في المنطقة ولا أمل في “هدنة” أخوية. ألف وأربعمائة سنة من الصراع والاحتراب، ألم يجد قادتنا الروحيون بعد مكانا “محايدا” يستريحون فيه ويرحموننا؟

Comments

comments