محمد أمزيان: حياة الخطابي في المنفى ومحاولات الاستمالة

  • 0

(حلقة جديدة من كتاب: عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف. في هذه الحلقة مقاربة مودزة لحياة الخطلبي وأسرته في المنفى، مع محاولات قوى أوروبية استمالته للتعاون معه خلال الصراع الألماني الفرنسي فبيل الحرب العالمية الثانية..)

تكاد فترة المنفى التي جاوزت العشرين سنة، تغيب عن الدراسات المهتمة بتاريخ الأمير عبد الكريم الخطابي؛ بحيث لا يتم التركيز إلا على الجانب العسكري، إلى جانب مدة إقامته في القاهرة ولو بدرجة أقل. ويتجلى هذا الغياب كذلك في أدبيات الحركة الوطنية التي قادت النضال السياسي في المغرب طيلة عقود، رغم أن قادتها يلمحون إلى أن تجربة الريف كانت حاضرة في وجدانهم خلال مرحلة النضال السياسي. ونتيجة لهذا الغياب أو التغييب، يبدو وكأن مرحلة المنفى لا قيمة لها في التاريخ النضالي للأمير عبد الكريم، أو ليس فيها ما يثير فضول المؤرخين والباحثين.

وعلى عكس هذا التصور أو الانطباع، نعتقد أن المنفى كان مرحلة تأمل كبرى لثائر مثل عبد الكريم، عايش تكالب القوى الاستعمارية على الشعوب المغلوبة على أمرها. ومما لا جدال فيه أنه كان يستحضر تجربته العسكرية والسياسية في الريف، ويدرس بهدوء مكامن ضعفها والأسباب التي عصفت بالمشروع ككل. وهناك بلور تصورا أكثر شمولية للظاهرة الاستعمارية كملة واحدة ينبغي مناهضتها والتحريض عليها في كل مكان.

“على الرغم من أن عبد الكريم لم يظهر الاحترام للمارشال بيتان، خصمه العسكري خلال حرب الريف، فإنه لم يعده خائنا لوطنه لأن تقاربه وتعاونه مع الألمان كان في سبيل المحافظة على كيان فرنسا”

بالإضافة إلى ما سبق، فقد وفر له المنفى فرصة دراسة تجارب الآخرين وتتبع آثارهم ومسيرة حياتهم. فيذكر على سبيل المثال أنه اطلع على مذكرات مصطفى كمال أتاتورك، واهتم بمسيرة هذا الزعيم الذي ورث ’رجل أوروبا المريض‘. والجدير بالذكر أن تشبع عبد الكريم بأفكار قادة تركيا الشباب كان أحد الأسباب التي أدت إلى اعتقاله في مليلية سنة 1915. ويذكر الخطابي أن قراءته لمذكرات الزعيم التركي زادته  “إعجابا بمصطفى كمال في بعض جوانب عظمته وسياسته الإصلاحية العامة في خطوطها العريضة”. وفي المنفى أيضا تعرف على بعض الفيتناميين الذين سيقودون النضال العسكري في الهند الصينية ضد الاستعمار الفرنسي، واطلع كذلك على أسلوب الزعيم الهندي المهاتما غاندي في صراعه ضد الإنجليز. ويقول الخطابي بشأنه:  “بدأت أتتبع نشاطه [غاندي] الوطني قبل الحرب العالمية الأولى وأنا في مدينة مليلية. وزاد إعجابي به عندما علمت عن طريق الصحافة أنه تخلى عن ملابسه الفرنجية واتخذ المغزل اليدوي لنسج ملابسه”.

أسرة عبد الكريم في جزيرة لاريونيون

أسرة عبد الكريم في جزيرة لاريونيون (صورة: فيسبوك)

مثل هذه الإشارات تبين أن عبد الكريم الخطابي لم يعزله المنفى عن العالم الخارجي، وإنما ظل وثيق الصلة بما يدور ويجري حوله. ولعل تتبع أفكاره خلال مدة استقراره في مصر كفيلة بفهم حياته في المنفى، وإبراز مدى استيعابه للتطورات ومواكبته لمستجدات الواقع السياسي الدولي. ويظهر أن مواكبة الأمير عبد الكريم الخطابي لتطورات السياسة العالمية، ستفاجئ الزعماء المغاربيين المتواجدين في القاهرة. فقد كان هؤلاء يعتقدون أن عبد الكريم تحول إلى تاريخ.

نقلت فرنسا عبد الكريم الخطابي وأسرته من مرسيليا على متن باخرة تسمى ’أميرال بيير‘. وفي العاشر من أكتوبر 1926، وصلت إلى جزيرة لاريونيون، ونزلت الأسرة في قصر مهجور بُني قبل أكثر من مائة عام يسمى قصر مورانج. يقول بشأنه الأمير:  “قضينا ثلاثة أشهر مملة رتيبة في شاطو مورانج العتيق، والذي يحضر إلى بابه كل صباح في الساعة الثامنة دركي مسلح يظل جالسا بعيدا في الحديقة بضعة أمتار حتى الساعة الواحدة ثم يختفي، ويعود في الساعة الخامسة إلى الثامنة مساءا. وتلك هي الأوقات التي يمارس فيها الناس حياتهم الاجتماعية”. ثم بعد ذلك اشترت الحكومة الفرنسية من ميزانية المغرب بيتا واسعا (Castel Fleuri) خاصا للأسرة الخطابية تحيط به مزرعة.

تعرض عبد الكريم الخطابي في البداية للمضايقة والمراقبة، إلا أن ذلك لم يبلغ درجة الاستفزاز. فقد كانت مراسلاته مع الخارج تخضع للتفتيش والرقابة، ولا يُسمح لأحد بزيارته إلا بعد الموافقة المسبقة من طرف السلطات المحلية. كما أن المخصصات المالية لم تكن تكفي لحاشية مكونة من أكثر من أربعين فردا. وبقي الحال على ما هو عليه خلال السنوات العشر الأولى. ومع وصول الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا، سُمح للخطابيين بحرية التنقل في أنحاء الجزيرة شريطة الالتزام بعدم محاولة مغادرتها. وكان ذلك مناسبة للعمل من أجل ’تأمين وسائل عيش الأسرة‘، فشرعوا في استثمار المزرعة المجاورة للبيت، وقاموا بفتح متجر في العاصمة سان دوني تحت إشراف الأمير عبد السلام، عم عبد الكريم.

ومعلوم أن سكان الجزيرة ينحدرون من أصول عدة. وكان من بينهم جالية إسلامية هندية، رغم قلة عددها، تتمتع بنفوذ واسع وتسيطر على الحياة الاقتصادية والتجارية. وقد ربط الخطابيون، وبخاصة الأمير امحمد والأمير عبد السلام وابن العمومة محمد بن زيان، علاقات بأفراد من هذه الجالية. فساعدهم هؤلاء فعلا على تجاوز الصعاب وشراء أراضي زراعية لاستثمارها. وكانت لهذه الخطوات نتائج إيجابية على حياة آل خطاب في الجزيرة، لاسيما بعدما شرعوا في ممارسة التجارة والزراعة. فتحولوا إلى ملاك وأصحاب مزارع وبيوت شتوية وصيفية، واندمجوا في المجتمع الجديد بعد أن يئسوا من إمكانية ترك الجزيرة، وأن مقامهم فيها سيكون أبديا.

محاولات الخروج من الجزيرة

خلال سنوات المنفى الأولى، فكر عبد الكريم الخطابي في تقديم طلب إلى الحكومة الفرنسية لنقله إلى تونس أو الجزائر. في سنة 1932 زاره ضابطان فرنسيان وحمَّلهما مذكرة بهذا الشأن، موجهة إلى رئيس مجلس الوزراء الفرنسي. وبعد التشاور مع الحكومة الإسبانية حسب ما تقتضيه اتفاقية 1926، أجابت الحكومة الفرنسية بالرفض، بحجة أن عودة الخطابي “ستشكل مضايقة كبرى بالنسبة إلى جيراننا. إن الحرب بين إسبانيا والريف، اكتست طابعا عنيفا لا يمكن محو ذكراه” .

وأشارت الصحف الإسبانية فعلا إلى طلب عبد الكريم. واطلع زعماء الحركة الوطنية في الشمال (تطوان) على هذا الخبر وعدّوه دعاية باطلة. وبالمناسبة بعث عبد الخالق الطريس مقالة إلى صحيفة ’المساء‘ القاهرية تحت عنوان: ’الزعيم عبد الكريم‘، نافيا الخبر من أساسه قائلا.

“أشيع في هذه الأيام أن الزعيم ضاق ذرعا في منفاه، وأنه طالب الحكومة الفرنسية في إطلاق سبيله مرات عديدة على أن يعود إلى موطنه ويعيش مشتغلا بحراثة أراضيه مسالما للدولتين الحاميتين فرنسا وإسبانيا”. وعلل الطريس نفي الخبر بأن فرنسا خصصت للخطابي  “قصرا من أفخم قصور الجزيرة وقررت له ماهية شهرية من ميزانية الدولة المغربية”. فهو بهذا الاعتبار ليس في حاجة لطلب المزيد! ثم إن “عبد الكريم ليس من الغباوة لدرجة أن يغفل عن أخلاق أمة عاشر عظماءها وعرف طباعها أثناء الرخاء والشدة، فليس من السهل التصور بأنه يجهل ختل الإسبانيين ونقض وعودهم وعدم الاكتراث بالعهود التي يلتزمون بها حتى يطلب العودة إلى أيديهم والإقامة بينهم”. واستنتج الأستاذ الطريس أخيرا أن الإشاعة يستحيل تصديقها  “لما عرف عن عبد الكريم من النظر الثاقب والذهن النفاذ”. وأضاف قائلا:  “أما رغبته في النزوح عن منفاه فأظنها طبيعية وله الحق في المطالبة بها، لأن الحرية حق من حقوق الإنسان”.

أبناء العائلة الخطابية في لاريونيون

أبناء العائلة الخطابية في لاريونيون (صورة: فيسبوك)

وقد يكون من المفيد في هذا المقام التساؤل عن وقع ’الإشاعة‘ على الوطنيين في الشمال، وهل تركت أثرا ما في مناقشاتهم السياسية وتحركوا في سبيل المطالبة بإنهاء محنة المنفى لرجل ضحى بكل شيء من أجل الوطن؟ في مجمل الأحوال يظهر أن عبد الخالق الطريس، كمتزعم للنشاط السياسي في تطوان، لم ينتهز الفرصة لطرح قضية الخطابي على الرأي العام الوطني والإسباني ويشرح مأساته في المنفى. ونسي على ما يبدو أن العودة إلى الوطن هي أيضا حق من حقوق الإنسان.

وكان بالإمكان استغلال هذه الورقة من أجل الضغط على المندوبية السامية لانتزاع بعض الحقوق على الأقل. وختم الطريس مقاله بالإشارة إلى أن عبد الكريم  “لا أظنه ينزح لغير بلد شرقي يعيش فيه مطمئنا حتى تزول العقبات التي تحول دون إقامته بين مواطنيه الذين يقدرونه كل التقدير ويجلونه شديد الإجلال”. لم يحدد عبد الخالق الطريس نوع العقبات التي تحول دون عودة الخطابي؛ وهي عقبة الاستعمار بطبيعة الحال. فإذا كانت إسبانيا عارضت بصراحة، فإن الطريس يعارض بلباقة.

وفي الثلاثين من شهر ديسمبر 1936، صادقت لجنة المستعمرات في مجلس النواب الفرنسي على توصية تقضي بتحسين ظروف حياة الأسرة الخطابية في الجزيرة، مع النظر في إمكانية نقل الجميع إلى فرنسا. بيد أن التوصية بقيت حبرا على ورق.

هذا جانب من حياة الخطابي في المنفى. والجانب الآخر يتعلق بشخصية عبد الكريم كوجه بارز في تاريخ الصراع ضد الاستعمار. وكان منطقيا أن يثير اهتمام صناع القرار السياسي في أوروبا خلال الثلاثينات، لاسيما بعد صعود النازية وتوطد الشيوعية، وما رافق ذلك من تطورات متسارعة ومتلاحقة.

ففي إطار الصراع الألماني – الفرنسي، عرض النازيون سنة 1936 على عبد الكريم الخطابي فكرة ’تهريبه‘ من المنفى و تمكينه من شمال إفريقيا. وكان الألمان يهدفون من وراء ذلك الاستفادة من أسطورته العسكرية، ومن تأثيره على الرأي العام في هذا الجزء أو غيره من العالم العربي – الإسلامي. بيد أن العرض، بما حمله من مغريات، لم يكن ليحوز على قبول عبد الكريم؛ إذ لم ير فيه فائدة ترجى للوطن، وإنما هو نكاية بفرنسا فقط. وللسبب ذاته رفض في السنة الموالية (1937) عرضا مماثلا تقدمت به المخابرات الإيطالية. كما كشفت سلطات الجزيرة عن محاولة ثالثة من تدبير الشيوعيين الفرنسيين بالتعاون مع رفاق روسيين، دون أن يعلم الأمير بها.

“في مجمل الأحوال يظهر أن عبد الخالق الطريس، كمتزعم للنشاط السياسي في تطوان، لم ينتهز الفرصة لطرح قضية الخطابي على الرأي العام الوطني والإسباني ويشرح مأساته في المنفى. ونسي على ما يبدو أن العودة إلى الوطن هي أيضا حق من حقوق الإنسان.”

ومن جهة أخرى، قامت ’لجنة إنقاذ الأمير الخطابي‘ بجهود محمودة لتخليص الأمير من المنفى ونقله إلى إحدى البلدان الإسلامية. ولئلا تثير الشبهات اقتنت اللجنة سفينة تجارية صغيرة مسجلة باسم ’شركة عبد القادر أبو بكر وشركاه‘. وعبد القادر هذا تاجر مسلم من جزيرة موريشيوس (Maurice)، تمكن من ربط الاتصال بالأمير عبد الكريم، فأصبح بعد ذلك واسطة بينه وبين الأستاذ محب الدين الخطيب رئيس لجنة الإنقاذ. غير أن هذه اللجنة لم تحقق هدفها، لأن الأمير لم يستجب لعرضها بسبب  “ظروف تجددت في الجزيرة”؛ إذ تزامن مع مسعى الشيوعيين وما أعقب ذلك من تشديد الرقابة على تحركات الأمير.

محاولات الاستمالة

ومن جهتهم حاول الفرنسيون مرارا استمالة عبد الكريم، وخاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. فقد طلب منه حاكم الجزيرة مرارا إلحاق أبنائه بمعسكر التدريب، تمهيدا لضمهم إلى الجيش الفرنسي. وفي كل مرة كان يعتذر بسبب الحياد الذي التزم به بين ’البيتانيين‘ المستسلمين للاحتلال النازي، و’الديغوليين‘ المقاومين باسم ’فرنسا الحرة‘ إلى جانب الحلفاء.

وفي هذا الصدد يروي الأمير سعيد، نجل عبد الكريم، قصة مفادها أن حاكم جزيرة ريونيون طلب ذات يوم من الأمير إلحاق ابنه الأكبر وابن أخيه وابن عمه، بعد أن أنهوا دراسة المرحلة الثانوية، بالجيش الفرنسي  “بنية إرسالهم فيما بعد إلى فيتنام ليحاربوا في صفوفها. فرفض الطلب بإصرار وتصميم قائلا له: كيف تريد مني أن أوافق على إرسال أولادي للدفاع عن فرنسا وهي التي نفتهم من بلادهم؟ فقال له المحافظ: تعرف أني أحترمك كثيرا وتربطني بك صداقة، وأقول لك بصراحة بأن هذه البادرة هي التي ستجعل فرنسا تعفو وتنهي أسرك. فرد عليه الأمير التقي والمجاهد العظيم: أقول لك أنت تؤمن بأن فرنسا هي التي بيدها الأمر، وأقول لك بأني أومن بأن مصيري يتوقف على إرادة الله وليس على إرادة فرنسا، واليوم الذي سيقرر رب العالمين الإفراج عني سيحدث بلا أدنى شك. فبهت الرجل وزاد احترامه للأمير البطل”.

عبد الخالق الطريس زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

عبد الخالق الطريس
زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

وأكد الأمير موقفه الحيادي في الصراع الفرنسي ـ الفرنسي بصراحته المعهودة أمام العقيد كباغوري (Capagory)، حاكم الجزيرة الديغولي، بالقول:  “ليس لنا ما يدفعنا إلى تأييد فريق على آخر، ولكننا مغتبطون لموقف الجنرال ديجول في التمسك بالحرية وبالدفاع عن مبدأ الديمقراطية”. اغتباطه بحركة ديجول أعرب عنه في برقية بعثها إليه في غضون سنة 1943. وجاء الرد من حكومة ’فرنسا الحرة‘ في لندن بالثناء والتقدير على موقفه ذاك.

لكن، وعلى الرغم من أن عبد الكريم لم يظهر الاحترام للمارشال بيتان، خصمه العسكري خلال حرب الريف، فإنه لم يعده خائنا لوطنه لأن تقاربه وتعاونه مع الألمان كان في سبيل المحافظة على كيان فرنسا. وبصفة عامة، لم يكن الأمير عبد الكريم ينتظر خيرا لا من بيتان ولا من ديجول.

*بعض مصادر ومراجع هذه الحلقة:

– Ayache, Germain. (1981). Les origines de la guerre du Rif. Rabat : SMER

– Dossier Abd-el-Krim, in, Affaires politiques, Archives d’Outre-Mer, Aix-en-Provence, note d.d. à St. Denis le 14 mai 1948.

– محمد ابن عزوز حكيم، أب الحركة الوطنية، المصدر السابق، صص. 222-224.

– سعيد الخطابي، ’جانب من قصة نزول محمد عبد الكريم الخطابي ببورسعيد وهو في طريقه من المنفى إلى مرسيليا‘، في، العلم (يومية مغربية)، 16/4/1995.

Comments

comments