فاضل مندني: إيران.. تنامي نفوذ المتشددين والعسكر

  • 0

اعتقد الكثير من المراقبين للشأن الإيراني والساسة في الغرب، بمن فيهم الرئيس الأمريكي “أوباما” الذي كان يعوّل على أن رفع العقوبات الدولية على إيران، قد يعزز من موقف المعتدلين بالأخص الإصلاحيين من أجل العودة بقوة للساحة السياسية في إيران، لاسيما بعد أن واجهوا قمعا وحشيا منذ صيف 2009 وذلك عقب الإعلان الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس السابق “محمود أحمدي نجاد”  بفترة رئاسية ثانية، والذي كان يحظى بدعم لا متناهي من قبل الأجهزة الأمنية (كالحرس الثوري والباسيج ) والتيار الأصولي وكبار رجال الدين المتشددين في الحوزة العلمية.

فاضل مندني صحفي إيراني يكتب بالعربية

فاضل مندني
صحفي إيراني يكتب بالعربية

وقامت حينها الأجهزة الأمنية في البلاد بقمع المظاهرات بكل ما أوتيت من قوة، واعتقلت الكثير من كبار الشخصيات الإصلاحية ، واستمرت احتجاجات المرشحين المنافسين لأحمدي نجاد (مير حسين موسوي، مهدي كروبي) وأنصارهم على نتائج الانتخابات ، إلى أن فرضت السلطات الإقامة الجبرية عليهما بعد أن دعيا في فبراير/ شباط 2011 أنصارهما للمشاركة في

مسيرة سلمية لدعم ثورات الربيع العربي.

ومع اقتراب التوصل لمسودة التفاهم في صيف العام الماضي، ظهرت عدة مؤشرات على أن هيكلة النظام في إيران من رأس السلطة المتمثلة بالمرشد الأعلى “علي خامنئي” والمؤسسة الدينية المتشددة في النظام الحاكم، ليسوا مستعدين أو بالأحرى لا يرغبون بعودة الإصلاحيين للساحة السياسية.

فعلى الرغم من تفاؤل الساسة في الغرب من أن رفع العقوبات الدولية على إيران، وتدفق عائدات النفط المجمدة في البنوك العالمية، قد يعزز من موقف المعتدلين بمن فيهم الإصلاحيين للعودة بقوة للساحة السياسية، ودفع السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية لتغيير نظرتها تجاه المنطقة والعالم، إلا أنهم تجاهلوا تلك المؤشرات السلبية ومن بينها التصريحات التي كانت تصدر من كبار المسؤولين في المؤسسات الدينية والعسكرية على رأسهم المرشد علي خامئني، والتي كانت تحذر من النفوذ الأمريكي والغربي في أجهزة الدولية، مبررين ذلك على أنه فقط للتسويق الداخلي من أجل تمرير ملف الاتفاق النووي في البرلمان والشارع الإيراني.

فخامنئي لم يبد طوال المباحثات النووية مع مجموعة 1+5 أي تفاؤل بتوصل بلاده لأي اتفاق ملموس مع الغرب. ومع التوقيع بالأحرف الأولى للاتفاق، تغير موقفه من المباحثات بشكل مفاجئ، بحيث بدأ يحذر منذ التوصل للاتفاق مما أسماه بالنفوذ الأمريكي في البلاد، بما فيها مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام. ففي السادس والعشرين من أغسطس/آب من العام الماضي، أي بعد أسبوع واحد من إقرار “لجنة الأمن القومي العليا” في البلاد مشروع الاتفاق النووي، وقبل أن يصادق عليها خامنئي، حذر الأخير في خطاب ألقاه في ذلك اليوم من أن الولايات المتحدة تسعى من خلال الاتفاق النووي من بسط نفوذها الاقتصادي، السياسي والثقافي في البلاد وفرض إملاءاتها على إيران وإنه لن يسمح بحدوث ذلك.

وبعد تلك التصريحات، بدأت المواقع والصحف الأصولية والمقربة من الأجهزة الأمنية هجومها على الصحفيين المستقلين والإصلاحيين في البلاد ووصفتهم بالجواسيس والخونة. وفي أكتوبر من العام الماضي قدم عدد من نواب البرلمان عريضة لوزارة الاستخبارات حذروا فيها من نفوذ من أسموهم بالعناصر المخربة وجواسيس يعملون لصالح الاستخبارات الغربية يعملون ضمن صحف مدعومة من قبل الاستخبارات البريطانية والهولندية والأمريكية، وصف هؤلاء النواب تلك الصحف والمواقع والصحفيين الذين يعملون فيها على أنهم يشكلون شبكة صحافة متسلسلة من أجل التأثير على الرأي العام المحلي وتغير مواقفه حيال موروث الثورة الإسلامية وتعاملها مع الغرب.

إلا أن حكومة حسن روحاني وأنصاره من التيار الإصلاحي، لم يسكتوا أمام تلك الاتهامات، ونفى على جنتي، وزير الإرشاد والثقافة الإسلامية تلك التهم المزاعم، وطالب النواب بتقديم إثباتات عليها.

وبدأت بعدها حملات اعتقال تبنتها الأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري ضد عدد من الصحفيين المستقلين والإصلاحيين وعدد من الناشطين. والتلفزيون الحكومي الذي أجرى لقاء مع أحد عناصر الاستخبارات في الحرس الثوري، والذي عرف نفسه باسم “عاصف”، قال بأن الاستخبارات بالحرس الثوري قامت بعملية متقنة في كشف واعتقال من وصفهم بعناصر شبكة تضم عناصر مخربة تعمل بشكل هرمي ومعقدة لصالح وسائل إعلام معارضة في الخارج، كانت تسعى لتشكيل شبكة من المراسلين والصحفيين المحليين من أجل التأثير على الرأي العام المحلي، مضيفا بأن هذه الشبكة كانت تنشط من أجل جذب الشباب الباحثين عن الشهرة وتوظيفهم في الشبكة، وأن هذه الشبكة صرفت أموالا طائلة من أجل تشكيل هذه المنظومة الصحفية المتطورة، والتي كانت تعمل بالتنسيق مع المعارضة في الخارج.

استبعاد الإصلاحيين من الانتخابات

لم يقتصر نشاط الأصوليين المتشددين والأجهزة الأمنية في التضييق على التيارات المعتدلة في إيران فحسب، بل امتدت لإقصائهم من الحياة السياسية. فعلى الرغم من اقتراب من موعد الانتخابات البرلمانية  ومجلس الخبراء، فإن الصراع ما بين الأصوليين والمعتدلين على أشده.

فمجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه المحافظون أقصى الكثير من الإصلاحيين ممن قدموا طلبات للترشح في الانتخابات المقرر إجراؤها في السادس والعشرين من فبراير شباط المقبل من أجل انتخاب أعضاء في البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) ومجلس الخبراء. ويعتبر مجلس الخبراء الهيئة الوحيدة التي لها حق اختيار المرشد، والإشراف على عمله، وهو يتكون من 88 عضوا يتم انتخابهم لمدة 8 سنوات.

وأعلن حسن مرعشي، عضو لجنة السياسات للأحزاب الإصلاحية، عن أن أكثر من ثلاثة آلاف إصلاحي قدم طلبات ترشحه لمجلس صيانة الدستور في مختلف أنحاء إيران، إلا أنه لم يتم الموافقة إلا على ثلاثين طلبا، أي بواقع أقل من واحد بالمئة من مجموع كل الطلبات.

رفض مجلس صيانة الدستور وهو أعلى هيئة تشرف على الانتخابات في إيران، ترشيح حسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية (روح الله الخميني)، القريب من الإصلاحيين، بينما وافق على ترشيح رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، أكبر هاشمي رفسنجاني وهما شخصيتان بارزتان محسوبتان على التيار الإصلاحي، لخوض انتخابات مجلس الخبراء.

ومع رفض ترشيح حسن خميني وعدد كبير من الإصلاحيين في انتخابات مجلسي الشورى والخبراء، تتقلص فرص تأثيرهم على المجلسين اللذين يسيطر عليهما المحافظون حاليا.

وهذا يشير بشكل واضح إلى أن الأصوليين بمن فيهم المرشد علي خامنئي، لا يرغبون بالسماح للإصلاحيين لدخول الساحة السياسية في البلاد، ويعملون جاهدين من أجل من إقصائهم بشتى السبل.

هذا يعكس أيضا فشل الغرب في قراءة الواقع السياسي في إيران، فمع بدء تدفق عائدات النفط المجمدة في البنوك العالمية ودخولها البلاد من جديد، سيتقوى نفوذ المحافظين ومؤسساتهم الدينية والعسكرية، حيث ستدخل نسبة كبيرة من عائدات النفط هذه في حسابات كبار رجال الدين المتشددين في الحوزة العلمية، كما أن الحرس الثوري بمؤسساته العسكرية والاقتصادية والأمنية لن يقف مكتوف الأيدي وسيسعى للاستحواذ على أكبر نسبة من هذه الكعكة، الأمر الذي ينبئ بمزيد من الصراع بين حكومة  روحاني التي توصف بالاعتدال من جهة، والمحافظين والحرس الثوري من جهة أخرى.

إلا أن بعض المراقبين يرون أيضا بأن الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني لكل من روما وباريس، كانت تهدف لمنع الحرس الثوري الذي يمتلك أكبر الشركات التجارية في إيران من الحصول عليها، وأن لا يكون أداة للضغط على الحكومة، حيث أنهم يرون بأن توقيع الاتفاقيات والمعاهدات التجارية مع الغرب، سيدخل نسبة قليلة من عائدات النفط المجمدة في البنوك الغربية للبلاد حتى لا يستحوذ عليها الحرس الثوري المؤسسات الدينية المتشددة.

فالغرب الذي كان يعول على إضعاف المحافظين في البلاد، وأوباما الذي يخشى أن لا يقدم شيئا ينهي الأزمة النووية الإيرانية قبل انتهاء فترة رئاسته في بداية 2017، أخطأوا في حساباتهم هذه المرة.

تابع الكاتب على الفيسبوك وتويتر:

https://www.facebook.com/fazel.mondani

https://twitter.com/fazelmondani

Comments

comments