“حسيميات” جمال أمزيان: اقتصاد الريف.. قرية آيث بوخرف نموذجا

  • 0

المشهد العاشر//

جمال أمزيان أستاذ باحث في التاريخ والتراث الريفي

جمال أمزيان
أستاذ باحث في التاريخ والتراث الريفي

هذا القطاع في قريتي لا ينفرد في خصائصه عما هو موجود في القرى والمداشر الأخرى لقبيلة أيث ورياغل بأكملها. ذلك أن المجال الزراعي جد ضيق بحكم طبيعة تضاريس المنطقة. فما يغلب عليها هو الانحدار الشديد للسفوح وكثرة المسيلات والجداول، إذا ما استثنينا حوض النكور الذي يخترقها واديان تجري فيهما المياه شتاء وربيعا مع جفاف صيفا وخريفا، ذلك الحوض الذي كان فيما مضى من الأيام يغطي الحاجات الذاتية لأهله وحتى سكان المدينة والأسواق المجاورة، وذلك قبل أن تنزل عليه لعنة الاستصلاح الزراعي منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، ثم لعنة التمدن والتحضر، بين مزدوجتين، في السنوات الأخيرة حتى عدنا لا نستطيع الإجابة عما إذا كنا حاليا بصدد فضاء زراعي أم مجال حضري، وسقطنا فيما يمكن تسميته بترييف المدن دون تمدين القرى بالمعنى الحقيقي للتمدين. زد على ذلك ظاهرة التقاعس والتراخي ونبذ العمل اليدوي الفلاحي والنظرة الدونية إليه من لدن الساكنة ما دام “الخارج” يوفر العملة، “المادة”، وسهول بركان و”الغرب الداخلي” ينتجان ويوفران “المعيشة”.

قرية آيت بوخلف نموذج من “رعاصي” – الأرض المسقية

ومع ذلك، هناك في الأعالي، حينما تتنقل متتبعا مختلف المجاري المائية في المنطقة من مصباتها في اتجاه منابعها، فإنك تجد على ضفافها بعضا من الأراضي المسقية انتزعها الإنسان الذي لم ينجرف مع تيار الهجرة انتزاع،ا من الأجراف المحاذية لسريرها وحولها إلى مدرجات، “رَعْرَاسي”، فوفر لنفسه ولأهله ما قد يفي ببعض الضروريات من خضروات وبقول، وأحيانا بعض الفواكه من إجاص وبرتقال وبرقوق ومشماش وكمثري وعنب.

هناك مثل يقول ما مضمونه: إن الريفي قد يتمكن من انتزاع خبزه ولو من الحجر.

فعلا، فامتداد المجال الورياغلي في مجمله على أرض غير مستوية تتشكل من تلال ومنحدرات متباينة من حيث شدة الانحدار والارتفاع، تجعل الملكيات الزراعية، أي “رْمُوركْ، تتسم بالصغر وتزداد تجزؤا بفعل عامل الوراثة. تستغل أساسا في زراعة الحبوب ولاسيما الشعير، إلى جانب القطاني وبعض من القمح الصلب. ويشكل اللوز والتين المنتوجات الشجرية الأساسية، تنضاف إليها بعض أشجار الزيتون. ولكي يُتجنب تقسيمها، “بَطُّو”، ففيما مضى من العقود، بل وحتى راهنا، يتم السطو من لدن الذكور على حق الإناث من عملية الإرث، سيما إذا كن متزوجات في مداشر أخرى غير مدشرهن الأصلي، إلا في حالات نادرة.

إن مجال قرية أيث بوخرف، شأنه شأن مجال قبيلة أيث ورياغل، ينتمي إلى المجال المتوسطي الذي يتميز بمناخ حار وجاف صيفا، ومعتدل ممطر شتاء، وهي خصائص المناخ المتوسطي المتميز أيضا بتعاقب سنوات الجفاف وعدم انتظام التساقطات التي قد تكون عبارة عن زخات لا تبقي ولا تذر أثناء هطولها، فتكون وبالا على التربة والزراعة والإنسان. هذه المميزات تجعل الإنتاج الفلاحي عامة والزراعي أساسا لا يلبي الحاجات الأساسية للسكان. وبالطبع تعد هذه الظاهرة من بين الأسباب التي كانت وما تزال، تدفع إنسان القرية إلى الهجرة. هجرة كانت موسمية ومؤقتة فيما مضى من الأيام، وغدت اليوم دائمة.

“اسغار” – المحراث الخشبي الذي يستعمله الريفيون منذ العصر الروماني (تصوير: جمال أمزيان)

ولتوفير باقي ضرورات الحياة اليومية وعيش أهل القرية من صابون وملح وسكر وألبسة وأدوات فلاحية ومواد غذائية أخرى، يتم اللجوء إلى بيع ما ينتج من ثمار اللوز والتين والعنب، المتميزين بجودتهم وحلاوتهم، في الأسواق القريبة كسوق رابع ن توريث أو رثنين ن أيث بوعياش.

وإلى جانب هذا، تمتلك بعض أسر القرية بعض البقع الأرضية المسقية على جنبات بعض الأودية الصغيرة التي تخترق مجال الدوار، تخصص لزراعة الطماطم والبصل، وشيء من الذرة بغية التخفيف من المشتريات من الأسواق. كما تقوم بعض الأسر بتربية النحل والمواشي، خاصة الماعز لما كان المجال الجغرافي يسمح بذلك والغطاء النباتي متاح مع وجود أراضي الجماعة. غير أن هذا الأمر لم يعد قائما اليوم.

لقد فعلت الهجرة الخارجية فعلتها في أهل قريتي، شأن ذلك شأن الريف من شرقه إلى غربه، ولم ينج منها إلا غير القادرين عليها جسديا أو لظروف قاهرة. أما ذهنيا فيمكن اعتبار أهل الريف كلهم مهاجرين دون استثناء.

هل يمكن لنا الحديث عن اقتصاد للقرية؟ لا أعتقد ذلك في الوقت الحاضر أو فيما سبق. ذلك أن توسيع المجال الزراعي في مرحلة سابقة أنهى كليا الغطاء النباتي، أو الماطورال، الذي كان يوفر حطب التدفئة ويشكل مجالا للرعي وأرضا خصبة سرعان ما تتعرض للتعرية والاستنزاف، فتفقد قدرتها على الإنتاج، مما يجعلنا نتحدث عن تصحر الأرض. أما الهجرة والتعامل النقدي فكان لهما وقعهما على قدرة وفعالية الفرد في الإنتاج وبذل جهده في ذلك، ما دام أن الأسواق المزودة بمختلف الحاجيات، الضرورية منها أو الكمالية، موجودة مستوردة من جهات أخرى من البلد. لقد فقد الريفي تلك الفرادة التي كنت أشرت إليها سلفا، وهي أنه يستطيع انتزاع خبزه ولو من الحجر.

عموما، الموارد الاقتصادية للقرية محدودة جدا. لذا كانت الهجرة هي السبيل الوحيد للحصول على موارد إضافية، وهو الموضوع الذي سنعود إليه لاحقا بشيء من التفصيل.

كيف كان سكان القرية يستغلون أراضيهم الزراعية البورية والمسقية ومراعيهم الفردية أو الجماعية؟ وما هي أهم الأدوات الموظفة في ذلك؟ وكيف كانت تمر سنة فلاح قريتي؟ وما هي المواسم والعادات المرتبطة بهذا النشاط الاقتصادي؟

سنعتبر حلول فصل الخريف أو ما يسمى جغرافيا بالانقلاب الخريفي، هو بداية الموسم أو السنة الفلاحية عند أهل قريتي، وكذلك عند باقي ساكنة الريف بالرغم من أن السنة الفلاحية عند الأمازيغ تبتدئ في شهر يناير حسب التقويم “الشيشونغي”.

أراضي زراعية ويظهر فعل انجراف التربة وتشكل الأخاديد (تصوير: جمال أمزيان)

أراضي زراعية ويظهر فعل انجراف التربة وتشكل الأخاديد (تصوير: جمال أمزيان)

من الأعمال التي تقام في النشاط الزراعي الأولى هي ضرورة إعداد الأرض وتهيئتها قبيل أو بعيد التساقطات الخريفية الأولى. وهكذا يقوم الفلاح بإزالة الأعشاب الضارة وحرقها لتغدو سمادا يضاف إلى الأسمدة الطبيعية الناتجة عن جمع النفايات المنزلية وروث البهائم في مكان خارج المنزل يسمى محليا “ثازوبايث”، وذلك قبل أن تغزو الأسمدة الكيماوية الأراضي الريفية في محاولة الرفع من الإنتاج، لكن مع مضاعفات جانبية، إذا أن الأرض غدت وكأنها مدمنة لها، مما يفرض على الفلاح الزيادة في كمية تلك الأسمدة من سنة لأخرى.

تأتي بعد هذا عملية الحرث. فإذا كان الفرد يملك “زوج” من الدواب التي تسمى محليا “ذْيُوكّا” وقادر على العمل بنفسه، فإنه يشرع في عملية الحرث. أما إذا كان يملك دابة واحدة، قد تكون حمارا أو أتانا أو بغلة، فحينذاك يشترك مع مثيل له ويحرثان أرضهم بالتناوب، يوم لهذا ويوم لآخر، وهي العملية المعروفة محليا بـ “أذوير”. أما إذا كان غير مصنف لا في الفئة الأولى ولا ضمن الثانية، فما عليه إلا أن يطلب العون والمدد من سكان القرية في إطار التآزر والتعاضد، فيخصص له الجيران يوما من الأسبوع لحراثة أرضه في إطار عملية “ثويزا”.

وعموما كان التعاضد وثويزا هي القاعدة في عملية الحرث. أولا لكونها تشكل مظهرا من مظاهر التضامن بين أفراد القرية وتناسي الخلافات التي قد تحدث، وثانيا لكونها تشكل فرصة للاجتماع والحكي والمرح، خصوصا أثناء تناول الوجبات الغذائية في الهواء الطلق.

من الأدوات التي كانت تستعمل في عملية الحرث نذكر: المحراث الخشبي “أَسْغَارْ” بسكته الحديدية “ثَاكَاسَا”. وبطبيعة الحال، فإن المحراث ليس أداة واحدة، بل هو مشكل من عدة أجزاء، تركيبه وربط الدواب إليه ومسكه أثناء عملية الحرث، كل ذلك يتطلب مهارة كبيرة تنتقل من جيل إلى آخر بالتعلم الميداني وبالممارسة وليس بالتنظير. لذا تجد فلاح قريتي يملك من المعارف في هذا المجال ما يجعله وكأنه خريج المدارس الفلاحية التقنية. ومن الأمثلة على ذلك الحرث حسب خطوط التسوية لتجنب انجراف التربة وتكون المسيلات التي قد تؤدي إلى تخديد الأرض.

كما يتم استعمال أنواع عدة من الفؤوس في الأماكن التي لا تستطيع الدواب الوصول إليها، أو الشديدة الانحدار، أو في عملية شذب الأشجار المثمرة أو في إزالة الأعشاب الضارة.

كانت عملية الحرث تتم طيلة النهار، من الصباح الباكر إلى ما قبل حلول المغرب. وكان جميع أفراد الأسرة، كبارا أو صغارا، يشاركون فيها دون استثناء ولا محاباة.

خلال هذه الفترة من السنة، وإلى جانب عملية الحرث وبعدها مباشرة، كان فلاح قريتي وباقي قرى أيث ورياغر يشرع في عملية جني الزيتون، وهي عملية تحتاج إلى كثير من اليد العاملة، لذا يتم اللجوء إلى الجميع لالتقاط حبات الزيتون المتساقطة عقب هز الشجرة وضرب أغصانها بعصا طويلة.

ولما تفرغ الأسرة من هذه العمليات الأولى من الموسم الفلاحي، ومن أجل البحث عن الموارد المالية لتغطية الحاجات من المواد الاستهلاكية المختلفة القادمة من داخل المغرب أو المستوردة من الخارج أو المجلوبة من الثغور المحتلة ولا سيما مليلية، ومنها مثلا السكر وزيت المائدة والصابون والملابس والأواني المنزلية، كان رب الأسرة يغادر نحو “الداخل” للعمل في ضيعات المعمرين القدامى والجدد، أو نحو الجزائر للاشتغال في حقول الحوامض والكروم. أما باقي أفراد الأسرة، فيولون اهتمامهم لتربية الماشية والدواجن. وهذا طيلة فصل الشتاء.

خلال فصل الربيع، وطيلة تواجد الذكور الكبار في “المهجر المؤقت”، تقوم الإناث والأطفال الصغار بحش “النباتات” لتغذية المواشي، وبالعناية بالدواجن التي تباع منتجاتها في السوق المجاورة لتوفير المستلزمات الحياتية الضرورية والآنية، بل وحتى بعضا من الملابس.

هذا في السنوات العادية حيث التساقطات تسمح بتوفير الكلأ للماشية. أما حينما يحل الجفاف، فإن الفتيات يجبرن على الذهاب بعيدا عن القرية حيث يوجد الماطورال قصد جلب بعض أغصان الشجيرات ككلأ للماشية، وهي العملية المعروفة بجلب “ثْرَاوْث”، وحتى حطب التدفئة، أي “أَزْذَامْ”.

في نفس هذا الفصل، يشكل خروج الصبيات إلى “دْماني” لحش الربيع/ أو لجلب الحطب، أو الماء من العيون والآبار، فرصة للقاء بالحبيب أو الزوج المنتظر، لقاء من بعيد ومن خلال غناء الإزران، إذ اللقاء عن قرب يعد من المحرمات، وقد يجر على الحبيبين كل الويلات. لقد كان فن الإزران الوسيلة الوحيدة للتعبير عن مكنون القلوب ومتمنيات الفتيات والفتية بالاتصال القريب ثم الوصال أثناء فصل الصيف القادم، فصل جمع الغلة وموسم الزواج.

حينما يحل شهر يونيو، وتبدأ الحبوب في الاصفرار إيذانا بنضجها، يعود رب الأسرة من هجرته ومعه من المال ما قد يفي ببعض الأغراض، فيشرع في عملية الحصاد، إما بمساعدة أفراد أهله مستعملين الأيادي إذا كانت شجيرات الشعير قصيرة، وهي العملية المعروفة ب” رَقْريعْ إيمندي”. أولا لتوفير أكبر قدر ممكن من التبن أثناء عملية الدرس، وثانيا لصعوبة، إن لم نقل استحالة استعمال المنجل للحصاد. فهذه الأداة غالبا ما تستعمل حينما تكون شجيرات المزروعات طويلة وصعب إزالتها يدويا.

الكبار يقومون بعميلة الحصاد وهم مصطفون جنبا إلى جنب، يحصدون ويغنون الإزران حتى يروحون عن أنفسهم وينسون الإحساس بالتعب، ووراءهم نجد الصغار وهم يجمعون ما يحصد على شكل أكوام من السنابل، إما على شكل “إكَمينَن”، مفردها “أكَمِين” حينما نكون بصدد جمع المحصول يدويا، أو على شكل “إشَوَّافا”، مفردها “أشَوَّافْ” أثناء الحصاد بالمنجل.

بعد عملية الحصاد، يتم نقل ما حصد من مزروعات على ظهر الدواب، إن كانت الحقول بعيدة عن المسكن، وذلك باستعمال ما يعرف ب”إقْبُوبأ، أو تساهم الفتيات في عملية النقل هذه على ظهورهن إن كانت الحقول قريبة ب”دْمَاني”، مفردها “ادَّمْنَثْ”، أو إن كانت السفوح شديدة الانحدار ويكون من الصعب على الدواب تسلقها.

تتم عملية النقل صوب البيادر التي يشرع في إعدادها بكنسها وإزالة الأعشاب منها وتبليطها بالطين، وتجمع سنابل الحبوب وكوماتها بجوارها بحيث لا تصد الرياح التي ستستعمل في فصل الحبوب عن التبن أثناء عملية البذر،  أي “أَزُوزَّا”، وذلك على شكل كومة كبيرة تعرف ب” ثَافَّا”. أما في البيدر بعد إعداده فيوضع فيه ما جمع من القطاني ولا سيما العدس، أو الجلبان، وهي أولى الغلات التي تدخل إلى المنزل. أما آخرها فهي القمح الصلب. ولما أدمج القمح الطري في نسق الإنتاج الزراعي في الريف، فقد حل محل القمح الصلب بشكل تدريجي، بالرغم من أن إنتاجه يظل محدودا. ذلك أن التربة في الريف، وفي مدشري بالخصوص، لا تلائم هذا النوع من المحاصيل بشكل كبير.

أدوات لا يستغني عنها سكان القرى (تصوير: جمال أمزيان)

أدوات لا يستغني عنها سكان القرى (تصوير: جمال أمزيان)

من الأدوات التي كان يستعملها الفلاح في عملية الدراس آنذاك، إلى جانب الدواب أو الأبقار التي تقوم بدك السنابل في البيدر أثناء عملية دورانها، نذكر على سبيل المثال: المذراة المعروفة محليا ب”ثزَّاثْ” مع تشديد حرف الزاي أثناء النطق لتمييزه عن لفظة “ثَزَاثْ” التي تعني التين، وذلك لفصل التبن عن الحبوب معتمدين على هبوب الريح التي تأخذ التبن بعيدا نوعا ما، وتسقط حبات الحبوب وسط البيدر. وفي مرحلة تالية يستعمل اللوح لفصل بقايا التبن الصغيرة حتى تنقى الحبوب جيدا. أما ما يتبقى، فيسمى ب” أَكَافَا”، وغالبا ما تستعمل هذه اللفظة لنعت الذين لا فائدة ترجى منهم، أو لتحقير أحدهم أو لتحفيزه للقيام بعمل ما على اعتبار أن الجميع لا يحبذ أن يوصف بهذا الوصف.

في الوقت الراهن تغير كل شيء. لقد عوضت الآلة كل ما ورد أعلاه وغدت عملية الدراس ميسرة ولا تتطلب الكثير من الوقت ولا انتظار هبوب الرياح للتذرية، لكن ذهبت مع هذا التغيير كل الألفاظ والحركات التي كانت تستعمل في العملية. نعم “للمعاصرة”، لكن “للأصالة” أيضا قيمتها في الحفاظ على الهوية.

في عملية الحصاد، وحتى تتم بسرعة، كان أهل قريتي، لما كانوا في مستوى واحد من حيث الغنى، وكذا في ربوع الريف، تتم الاستعانة بأبناء القرية في إطار ما أشرت إليه سلفا “ثويزا”. لكن شيئا فشيئا بدأت هذه الخاصية تختفي وحلت محلها الاستعانة بالأجراء، أي العمل بالمقابل، وهي العملية المعروفة ب”إِشَوَّارنْ”.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه خلال عملية الدرس، كان من حين لآخر يمر عبر بيادر الدوار بعض الفقراء طالبين المعونة، ولا سيما بعض من “إمذيازن” على بغالهم، وكان أشهرهم موح العزاوي من أيث توزين، وموح ن طيب من أيث زوراخث. الأول هو الذي كان يحضر كل حفلة زواج في قريتي. وكان يضفي على الفرح نغمة جميلة من الفكاهة بالحكي والغناء والرقص مستعملا آلة النفخ المعروفة ب”الغيطة”، يساعده أحد أبنائه بالضرب على الدف. لقد كان حكواتيا رائعا شهدت واستمعت إلى كثير من حكاياته لما كنت صغيرا.

ولما ينتهي الفلاح من عملية الدرس يقوم بجمع الغلة، أي “البركة”، إلى البيت ليخزن جزءا منها في المطمورة، “ثَاسْرَافثْ”، إن كان المحصول وفيرا وتحسبا للآفات التي قد تحصل، سيما وأن المنطقة تعرفا تذبذبا مناخيا كبيرا. والمطمورة هي حفرة وسط فناء المنزل غالبا ما يصل عمقها الثلاثة أمتار، وقطرها المترين والذي يقل كلما ارتفعنا إلى الأعلى حتى يغدو أقل من نصف المتر. أما ما سيحتاجه من حبوب الشعير يوميا، فغالبا ما يخزن في سلال كبيرة مصنوعة من القصب وذات شكل مخروطي غالبا ما كانت توضع في سقيفة المنزل وتغطى بالطين حفاظا على المخزون من الرطوبة أو الحشرات الضارة.

ولما يحل شهر غشت الفلاحي، والانتهاء من عملية جمع الغلة، يشرع في جمع ثمار اللوز، إلى جانب التهيئة لحفلات الزواج ومراسيمه. وهذا قبل حلول فصل الخريف حيث يشرع في جمع ثمار التين، والتي يحتفظ بها بعد تجفيفها في أماكن خاصة تعرف محليا ب “أَنْشِيرْ”، جمعها “أَنْوَاشَارْ”، وإما تجفيفها على شكل “ثُوشْرِيحْثْ”. ولما تجمع إلى المسكن، وحسب كميتها وقبل تسويق جزء منها، كان يحتفظ بها فيما كان يعرف ب” أَحَمَّارْ” المصنوع من الدوم.

هذه هي مجمل العمليات الفلاحية التي تمر على مدار السنة الفلاحية في الريف عامة، وفي مدشري على وجه الخصوص. عمل مضني إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبوغرافية السطح ونوعية التربة والمناخ المتسم أساسا بتعاقب سنوات مطيرة وأخرى جافة. هذه الاحتمالات هي التي كانت تتحكم في سلوك فلاح قريتي وتجعله محتاطا ومحترزا ومتوجسا مما يخفيه له المستقبل، سلوك عدم الثقة هذا انعكس على سلوكه الاجتماعي تجاه الآخرين. إن الطبيعة هي التي تحدد فعلا، وانطلاقا مما ذكرت، سلوك الفرد في المجتمع.

هل، وانطلاقا مما ورد أعلاه، يمكن الحديث على أن الهجرة، كانت وما تزال، الحل الأوحد لتوفير الحاجيات لدى الريفي وتحسين مستواه المعيشي، أم أنها كانت من تداعيات ما يعرف في التاريخ المعاصر للريف خاصة وللمغرب بعيد الاستقلال ب”انتفاضة العزة والكرامة” أواخر خمسينيات القرن العشرين؟

Comments

comments