رشيد المساوي: مسارات في شخصية عبد الكريم الخطابي

  • 0

(بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لوفاة الأمير عبد الكريم الخطابي، يعيد أنوال.نت نشر هذا المقال للأستاذ رشيد المساوي الذي سبق وأن نشره في صحيفة تيفراز. ينشر المقال باتفاق مع الكاتب).

عبد الرشيد المساوي استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

عبد الرشيد المساوي
استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

يتطلب استجلاء العناصر المكونة لدرس عبد الكريم، تتبع المسار الفكري للرجل الذي لا ينفصل عن مساره الحياتي العام. وهذه المهمة صعبة خاصة وأن تراث الرجل – إذا استثنينا بعض الشذرات الواردة في بعض المؤلفات- لم ير النور بعد، وما يزال حبيس الرفوف كأرشيف سواء في القاهرة أو باريس أو غيرهما، كما أن أغلب الدراسات التي تناولت التجربة الريفية، ركزت على الأحداث التاريخية ولم تتوقف كثيراً عند الجانب المتعلق بشخصية عبد الكريم خاصة في بعدها الفكري.

1-من فاس إلى مليلية: الوعي الشقي
التحق عبد الكريم بفاس سنة 1902 لاستكمال تكوينه العلمي والمعرفي الذي بدأه على يد والده، وصادف هناك هبوب رياح النهضة الفكرية ممثلة خاصة في التيار السلفي، وقد مكنه ذلك الانفتاح من أن يدرك حجم التأخر والتخلف الذي يعانيه المغرب عامة والريف خاصة من جهة، ومن جهة أخرى أن يعي الخطر الذي تمثله أوروبا بتقدمها العلمي والتقني والعسكري. وقد استقر الاعتقاد لديه في هذه المرحلة – في نظر جرمان عياش – أن أسباب التخلف هي بالأساس الجهل والاستبداد، وهكذا بدأ يحلم بمغرب حر وحديث مليء بالمدارس وأوراش البناء.

“إننا لانرى الأشياء من الزاوية الدينية ولكن من زاوية الوطنية والاستقلال والحرية “- الخطابي

وبعد عامين من مقامه بفاس سيعود إلى الريف الذي سيظل فيه إلى حدود سنة 1907، إذ سيلتحق بمدينة مليلية التي ستفتح أمامه أفاقاً رحبة ستغني تجربته الشخصية كثيراً، وستمكنه من الاطلاع عن قرب على ثقافة العالم الغربي،كل هذا سيزيد من حدة تمزقه الداخلي كأي مثقف ينتمي إلى مجتمع متخلف، ويعيش في مجتمع متقدم ليس هو مجتمعه. وخلال هذه المرحلة ستتبلور قناعة لديه – وهي قناعة ستلازمه لمدة طويلة – تتمثل في أن خروج المجتمع الريفي من تخلفه الذي يتجلى في الفوضى والاقتتالات والفقر والجهل، لايمكن أن يتم دون مساعدة قوة أجنبية، وأن الدولة المؤهلة لذلك هي إسبانيا، لأنها عكس فرنسا ليست قوة استعمارية كبرى قادرة على الاعتماد على منطق القوة. وستزداد هذه القناعة لديه رسوخاً عندما سيتم تعيينه مدرساً لأبناء المغاربة، وعندما ستوضع رهن إشارته جريدة “تلغراف الريف” ليعبر عن آرائه. وعبر هاتين الوسيلتين (المدرسة والجريدة) سيقود صراعه ضد الجهل. وتعكس المقالات التي نشرها خلال هذه المرحلة حجم التطور الفكري الحاصل لديه، فرغم بقاء شعوره تجاه أروبا متناقضاً (الإعجاب بالتقدم والخوف من الخطر الذي تشكله)، إلا أن ذلك لم يمنعه من المطالبة بالاقتداء بها. يقول بهذا الخصوص: “إخواني المسلمين. إسمعوا نصيحتي لأن الهدف الوحيد الذي أسعى إليه بكل قواي… هو الإصلاح والتقدم. كونوا مقتنعين أننا لانتوخى إلا مصلحتكم وتحديث هذا البلد… إن الأغلبية فيكم تعيش في الفقر… إذن خذوا النموذج من الأوروبيين وستغمركم أرضكم بالخيرات والأرباح… فما أجمل هذه الأرض لو زرعناها كما تفعل أروبا”. لكن هذا الموقف لم يمنعه من تقديم نقد حاد للاستعمار الذي يتوخى فقط السيطرة على الشعوب واستغلال خيراتها: وهذا النموذج تمثله -في نظره- فرنسا. يقول بهذا الخصوص: “لكي تتمكن من السيطرة على المملكة المغربية استعملت فرنسا نفس الوسائل التي استخدمتها لاحتلال البلدان الإسلامية الأخرى، لقد استعملت القوة، واضطهدت العلماء المسلمين، وكرست التفرقة بين القبائل من خلال استعداء بعضها على البعض الاخر…”

عبد الكريم الخطابي خلال إلقاء السلاح والاستسلام للفرنسيين

عبد الكريم الخطابي خلال إلقاء السلاح والاستسلام للفرنسيين

أما رؤيته للكيفية التي ينبغي أن تساهم بها الحضارة الغربية في تقدم الشعوب المتخلفة فتتجلى في قوله: “ما الفائدة من العلم وما الفائدة من الحضارة إذا لم يسمحا للشعوب أن تتعلم تدريجياً كيف تحكم نفسها بنفسها … أن تحدد مصيرها بذاتها وأن تستمتع بخيراتها … إننا نحن المغاربة لا نستطيع أن نفعل مثلما فعلت الشعوب المتقدمة طالما لم نشيد مدارس وطنية يتخرج منها الشباب الذي سيسيرون بنا إلى مدارج التقدم والمجد والكرامة”. وهذا النقد للآخر سيوازيه نقد للذات، لهذا نجده يرفض كل أشكال الجمود الفكري وخاصة الذي يتدثر بالدين، متصدياً لكل أنواع التزمت العقدي إلى درجة الكشف عن إرهاصات علمانية في التفكير،إذ يقول: “إننا في عصر الأنوار والحضارة. قديماً كانت العلاقات بين الناس محكومة بالتطرف الديني، أما اليوم فإن السياسة شيء والدين شيء آخر… إننا لانرى الأشياء من الزاوية الدينية ولكن من زاوية الوطنية والاستقلال والحرية “. أما موقفه من المخزن خلال هذه المرحلة فيتضح من خلال تنديده باغتيال العالم محمد الكتاني بسبب مطالبته بالبيعة المشروطة للسلطان عبد الحفيظ، إذ سيتوفى في السجن بفعل التعذيب، وهكذا يقول في حقه: “أدى هذا البطل العجيب الثمن بحياته. لقد فقدت الأمة المغربية فيه إحدى دعائمها الأساسية، ومن أبنائها أحسن الوطنيين”.

لكن نظرته إلى إسبانيا ستبدأ في التغير تدريجياً، خاصة عندما سيعلن رفضه لتقدمها في احتلال باقي أجزاء الريف، وأيضاً تعاطفه مع تركيا حليفة ألمانيا في الحرب العالمية ضد فرنسا. وتعبيره عن هذا التعاون المشروط سيجعل إسبانيا تتهمه سنة 1915 بالخيانة العظمى، وسيتم إيداعه السجن لمدة تقارب السنة وستجرده من كل مهامه. إلا أن مصلحة الطرفين اقتضت مصالحتهما، إذ سيعود عبد كريم إلى وظيفته السابقة في مكتب الشؤون الأهلية، والتي مكنته من معرفة مخططات إسبانيا تجاه الريف، والتي تتناقض مع فهمه الخاص للحماية. وهذه الوضعية الصعبة التي وجد نفسه فيها، بين مطرقة إسبانيا التي تريد الاستيلاء على الريف دون العمل على تطويره، وسندان المقاومة الريفية التي ترفض احتلال إسبانيا لأراض جديدة، سيحسمها سنة 1919 بإعلانه القطيعة مع إسبانيا والتحاقه بالمقاومة التي ستتقوى بانضمامه إليها، وهكذا ستنفتح صفحة جديدة في مساره الشخصي. 

2-من أنوال إلى أجدير: العودة إلى الذات
بعد أن أيقن أن إسبانيا لا تهمها إلا مصالحها وأدرك، كما سيصرح فيما بعد، “أن الاستعمار ملة واحدة”، تزعم حركة المقاومة وتصدى للزحف الإسباني. وهكذا استطاع أن يوحد القبائل ويتصدى للصراعات التي تهدد وحدة المجتمع الريفي، واستطاع بخبرته ومعرفته الجيدة بالعدو أن يلحق به خسائر فادحة، كان أوجها انتصار أنوال التاريخي الذي جعل إسبانيا تخسر في أيام ما استولت عليه في سنوات. لكن هذا الانتصار لم يجعل عبد الكريم يتراجع عن المبادئ التي ظل يؤمن بها، والتي تعكس البعد الإنساني في تفكيره ومنها: كيفية معاملته لأسرى الحرب، ورفضه السيطرة على مليلية، ونفيه أن تكون الحرب التي يخوضها حرباً دينية، وتأكيده أن الغاية هي السلم.

“لقد حان الوقت لأوروبا التي جعلت من القرن العشرين مسرحاً للدفاع عن القيم الحضارية والمبادئ الإنسانية، أن لا تقف عند الحدود النظرية لهذه المبادئ وأن تعمل على إيجاد تطبيقات لها”- الخطابي

وبعد ذلك سينصرف كل همه إلى تنظيم المجتمع الريفي وتأهيله لمواجهة كافة التحديات. وهكذا سيعلن قيام الجمهورية الريفية كشكل حديث للدولة تكون فيه هذه الأخيرة في خدمة المواطن وليس العكس، كما في الدولة المخزنية. كما سيعمل على تحديث الإدارة وتنظيم القضاء، وأيضاً شق الطرق وسن القوانين… مقتنعاً في كل هذا أن بناء الذات والاعتماد عليها أحسن وسيلة لمواجهة الأطماع الخارجية. لكن طموحه في الاستقلال والحرية والتقدم سيصطدم من جهة ببنية المجتمع الريفي التقليدية التي تتحكم فيها العلاقات العشائرية وتهيمن عليها الزوايا وأعيان القبائل، ومن جهة أخرى بتحالف القوى الاستعمارية (فرنسا وإسبانيا) التي ستستعمل كل الوسائل والأسلحة (مثلاً الغازات السامة) لفرض سيطرتها.

وأمام هذا الوضع سيضطر عبد الكريم إلى إيقاف المقاومة -رغم معارضة البعض- لتفادي سقوط العديد من الضحايا. وخلال هذه المرحلة (من1921 إلى 1926) سيتشكل لديه وعي عميق بحقيقة الحضارة الغربية، وهو ما يعكسه جيداً “بيان مناهضة الاستعمار” الذي وجهه إلى الأمم المتحضرة، والذي نقتطف منه ما يلي: “لقد حان الوقت لأوروبا التي جعلت من القرن العشرين مسرحاً للدفاع عن القيم الحضارية والمبادئ الإنسانية، أن لا تقف عند الحدود النظرية لهذه المبادئ وأن تعمل على إيجاد تطبيقات لها. فساعة الدفاع عن الضعفاء ضد المعتدين قد دقت… إن الريف اليوم تحول إلى ساحة حرب جائرة ستؤدي لا محالة إلى الفتك بأعداد هائلة من أبناء إسبانيا والريف من غير طائل. لقد ترسخ لدى الإسبان اعتقاد مفاده أن أروبا أوكلت إليهم مهمة إصلاح الريف وإلحاقه بركب الحضارة. وهنا يتساءل الريفيون: هل تعني الإصلاحات تدمير المنازل باستعمال الأسلحة المحرمة دولياً أو النيل من دين الغير واغتصاب حقوقه؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مبرراً للترامي على أراضي الآخرين تحت غطاء الحماية؟ إن هدف الحماية الأساسي هو صيانة الحقوق وتوفير الأمن للأشخاص. ويمكن لأوروبا أن تتأكد في الوقت الراهن أننا بحاجة لمن يحفظ حريتنا من العدوان الذي يطال استقلال بلادنا وشرفنا… لايضمر الريفيون أي عداء للحضارة الحديثة. وليس في نيتهم التصدي للمشاريع التي تهدف للإصلاح، ولا عرقلة التبادل التجاري مع أوروبا، لكن تحذوهم رغبة جارفة لإقامة حكومة محلية كمنطلق أساسي لحماية حقوقهم وحقوق الأجانب أيضاً… ويعتقد الريفيون أنه من غير المعقول تسليم زمام السلطة لأشخاص يتقاضون من الخارج ثمن هيبتهم ووطنيتهم ذهباً. يقايضون الأرض ومن عليها بالمال فيضعون مصالحهم الشخصية فوق أي اعتبار آخر على الرغم من الألقاب التي يتبجحون بها. لايعدو هؤلاء أن يكونوا خداماً مسخرين لخدمة المصالح الإسبانية ضداً على الشرع الإسلامي والعادات الوطنية… نرفع نداءنا هذا إلى كل الأروبيين الذين يؤمنون بالعدالة… فإذا بادرت هذه الأمم إلى المساعدة على حل المشكلة بما يحفظ حقوق الريف والطرف الآخر (اسبانيا)،سيترسخ لدى الريف الاعتقاد بأنه سيكون محقاً في التحدث وبحماس عن الروابط الإنسانية وعلى الأسس الحضارية التي تجمع البشر جميعاً. أما إذا فضلت الحياد والتهرب من إقامة مؤتمر تدعو إليه ممثلي الريف للتأكد من مصداقية ما صرحنا به والعمل على تنفيذ كل ما سوف يتفق عليه، سينكشف للجميع حينذاك أن ما ترمي إليه أوروبا هو معاداة العالم الإسلامي برمته، مستخدمة في ذلك كل الوسائل المتوفرة بما في ذلك قوة السلاح… وللتاريخ القول الفصل، إن يشأ حقق أمالنا وإن يشأ أفناها. ولزمان آت ولرواده من ذوي الرأي الحصيف والحكم العادل الحق في منح هذه الأماني ما تستحقها من اسباب الوجود …” 


3- من لاريونيون إلى القاهرة: مكر التاريخ
بعد استسلامه ستقوم فرنسا بنفيه مع باقي أفراد أسرته إلى جزيرة لاريونيون. ومن خلال الحوار الذي أجراه مع جريدة المنار المصرية في ماي 1926، يمكن أن نفهم الثابت والمتحول في فكره خلال هذه المرحلة، إذ يقول في مقاطع منه: “كنت أريد أن يكون الريف بلداً مستقلاً مثل فرنسا وإسبانيا، وأن أقيم هناك دولة حرة كاملة السيادة، وليس إمارة مرتبطة بالحماية. حاولت منذ البداية أن يفهم شعبي أنه لايستطيع أن يستمر في العيش إذا لم يتحد مثل أحجار البناء، ويعمل بنزاهة وإخلاص من أجل الحصول على الوحدة الوطنية انطلاقاً من القبائل ذات المطامح المختلفة. بمعنى كما أن له دين له أمة… هدفنا كان الاستقلال التام. أي ذاك الذي يضمن لنا حرية تامة لكي نقرر فيما يخص تقدمنا والإدارة المستقلة لشؤوننا … لكن للأسف لم أفهم إلا من طرف القليل… بل حتى أتباعي المخلصين والذين لهم درجة مرتفعة من المعرفة اعتقدوا أنه ما إن يتحقق النصر حتى أسمح للقبائل باستعادة حريتها السابقة، رغم وعيهم أنه بذلك سنرجع إلى أسوأ ظروف الفوضى والتوحش… كان التطرف الديني السبب الأساسي لهزيمتي،لكنه ليس الوحيد، وهذا يرجع إلى أن شيوخ الزوايا لهم تأثير كبير في الريف أكثر مما هو عليه الأمر في باقي المغرب أو في البلدان الإسلامية الأخرى. لم يكن ممكنا لي التحرك بدونهم، وكنت ملزما بطلب مساعدتهم في كل لحظة. حاولت في البداية أن أقنع الجماهير بوجهة نظري بواسطة العقل والحجج، لكن وجدت معارضة شديدة من طرف العائلات الكبرى النافذة… ولا أنفي أنني في بعض الفترات استعملت اضطرارا الشعور الديني لكسب الدعم… وما هو أكيد أن الإسلام هو عدو التطرف والشعوذة، وما أعرفه عن أصوله كثير ويسمح لي أن أقول جهارا  إن الإسلام كما يقدم في المغرب والجزائر لاعلاقة له بالإسلام الذي تركه لنا الرسول… بذلت كل ما في وسعي لتحرير بلدي من تأثير هؤلاء الشيوخ الذين ليسوا سوى عائق للحصول على أي نوع من الحرية والإستقلال. أعجبت بسياسة تركيا كثيرا لأنني أعرف أن البلدان الإسلامية لا تستطيع أن تكون مستقلة إذا لم تتحرر من التطرف الديني وتقتدي بشعوب أروبا. لكن الريفيين لم يفهموني وشكل هذا أكبر مصيبة لي ولهم… أريد أن أبين أنني لم ألق في الريف أدنى مساعدة لمجهوداتي وإصلاحاتي، ولم أفهم إلا من طرف مجموعة صغيرة من الناس في فاس والجزائر الذين ساعدوني وكانوا متفقين مع سياستي نظرا لكونهم على دراية بما يقع في الخارج، ويعرفون الحاجيات الواقعية لبلدي. وفي الأخير أرى أنني جئت سابقا عن زمني لإنهاء هذه المهمة، لكنني مقتنع أن أحلامي وآمالي ستتحقق عاجلا أو آجلا وأن التاريخ سيعطيني الحق”. 

عبد الكريم الخطابي وأسرته في الطريق إلى المنفي غشت 1926

عبد الكريم الخطابي وأسرته في الطريق إلى المنفي
غشت 1926

يتضح من خلال هذا التقييم الذي يجريه عبد الكريم لتجربته الثورية تركيزه على الجانب الذاتي في الفشل، بدل الجانب الموضوعي المتعلق بالمحيط الدولي، وأيضاً عداؤه المستمر للجمود الفكري والتزمت الديني وهو ما جر عليه انتقادات حادة من التيار السلفي الذي اتهمه بانبهاره بالغرب ونزعته الحداثية. ومع ذلك لا نستطيع أن نقول عنه إنه كان سلفياً أو ليبيرالياً في تفكيره رغم تفاعله مع كل التيارين الفكريين. 

وشكلت الفترة التي قضاها في جزيرة لاريونيون فرصة لتعميق رؤيته، إذ كان شديد المتابعة لما يجري في المحيط الدولي، شغوفاً بالقراءة، وهكذا اطلع على مذكرات مصطفى أتاتورك،كما لم يخف إعجابه بالزعيم الهندي غاندي الذي كان ينسج ملابسه بيده ليرمز  إلى ضرورة فك الارتباط مع الاستعمار.

“كنت أريد أن يكون الريف بلداً مستقلاً مثل فرنسا وإسبانيا، وأن أقيم هناك دولة حرة كاملة السيادة، وليس إمارة مرتبطة بالحماية”- الخطابي

وبنزول عبد الكريم سنة 1947 بالقاهرة سيبدأ مشواراً نضالياً آخر في حياته، بدأه بتأسيس لجنة تحرير المغرب العربي. لكن نظرته الخاصة لكيفية التعامل مع المستعمر وتركيزه على المقاومة المسلحة كشكل أساسي للتصدي للاحتلال خلق له أعداء كثيرين من هواة “القطف المبكر”. ومن هنا نفهم الصراع الشخصي بينه وبين علال الفاسي، وأيضاً موقفه من مفاوضات”إكس ليبان “التي يعتبرها خيانة وطنية، كما اعتبر الاستقلال الذي تمخض عنها استقلالاً شكلياً وناقصاً لأنه يبقى على علاقة التبعية للأجنبي. وكان هذا الموقف الجذري السبب الأساسي في عدم عودته إلى المغرب حياً أو ميتاً، وشكل كذلك ازعاجاً مستمراً للأحزاب التي شاركت في هذه المفاوضات، خاصة بعد أن انقشعت أوهام الاستقلال وترسخت علاقة التبعية للقوى الأجنبية.

خلاصات
أستنتج من خلال محاولتي تتبع المسار الفكري لمحمد بن عبد الكريم الخطابي أنه مر بثلاث مراحل أساسية: مرحلة أولى كانت خصبة على مستوى التكوين الذاتي، وانفتح خلالها على الشرق والغرب معاً، وأدرك حجم التأخر الذي يعانيه المجتمع الذي ينتمي إليه، وترسخت لديه قناعة ضرورة الاعتماد على الآخر للخروج من وضعية التخلف، وهو ما يعكس نوعاً من الوعي الشقي لديه. ثم مرحلة ثانية تيقن خلالها من لا جدوى التعويل على الآخر وضرورة الاعتماد على الذات من أجل النهوض ورفع التحدي. واستطاع خلال هذه المرحلة أن يضع مسافة نقدية تجاه الغرب كما عكس ذلك جيداً في خطابه إلى “الأمم المتحضرة”. ومرحلة أخيرة مارس فيها نوعاً من النقد المزدوج للذات وللآخر، وأدرك خلالها مكر التاريخ خاصة بعد مهزلة “إيكس ليبان”. ولازمته خلال هذه المرحلة قناعة أنه جاء سابقاً لعصره وكله أمل في أن ينصفه المستقبل.

أما الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من مقاربتنا لهذه الذاكرة التاريخية، فهو أن الإشكالية التي حاول عبد الكريم معالجتها ما تزال مطروحة اليوم بمفاهيم أخرى وفي سياق آخر، وهي إشكالية تؤطرها مجموعة من الأسئلة كسؤال التقدم أو الهوية أو العلاقة مع الآخر. ذلك أن المجتمع الريفي لم يتغير كثيراً، وما تزال البنيات التقليدية هي التي تحكمه. وأصدقاء إسبانيا بالأمس هم أصدقاء المخزن اليوم، أي من يطلق عليهم اسم الأعيان. كما أن الريفي الذي كان مضطراً بالأمس للذهاب نحو الشرق للاشتغال في ضيعات المعمرين الفرنسيين بالجزائر، يجد اليوم نفسه مجبراً على الهجرة نحو الشمال لتلبية حاجياته الأساسية التي لم تلبها دولة الإستقلال، التي ظلت أسيرة إتفاقية” التبعية المتبادلة” Interdépendance التي كرست جدلية السيد والعبد. أما الغرب الذي كان بالأمس يحمل شعارات التمدن والحضارة لفرض الإحتلال وإدامة الإستغلال، فهو اليوم يحمل شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لتكريس هيمنته على الشعوب في ما أصبح يعرف بالعولمة. وأمام هذه الوضعية ينصحنا عبد الكريم بالعلم والمعرفة والوعي بالذات والآخر، وكذا الدفاع عن المبادئ الإنسانية النبيلة بعيداً عن كل تزمت فكري أو عقائدي، بالحوار عندما يكون ذلك ممكناً وبالمواجهة عندما تفرض علينا، أي ما كان يسميه “البحث عن السلم مع الاستعداد للحرب” وفق القاعدة التي وضعها: “فكر بهدوء واضرب بقوة”. فهل استوعبنا الدرس؟


هوامش المقال:
* سنستعمل طوال هذا المقال اسم عبد الكريم للإشارة إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي.
1- مقتطفات من أقوال لعبد الكريم وردت في كتاب Germain Ayache.Les origines de la guerre du rif Ed SMER 1990 pp153-198
2-وجهت هذه الرسالة بتاريخ 6 شتنبر 1922 .
3-in Maria Rosa de Madariaga. Espana y El Rif .Ed la biblioteca de Melilla 1999. pp517-519
4-in Richard Pennell. La guerra del Rif. Ed la biblioteca de melilla 2001. pp331-333

Comments

comments